جيل بين الورقة والشاشة
لطالما كنت أرى الماضي جميلًا بكل تعقيداته وتحدياته، لأنه ارتبط بطفولتي المبكرة. فأنا ممن عاشوا حقبة الألفية بما حملته من ثقافة وفن وأدب. كانت تلك الحقبة، مقارنة بعصر اليوم، فترةً ذهبية لجيلنا؛ فنحن لسنا من أبناء التسعينيات بكل منعطفاتها، ولسنا من جيل ما بعد عام 2005، بل نحن جيل الانتقال؛ من الورقة إلى المستند الرقمي، ومن القلم إلى لوحة المفاتيح، ومن الهاتف المنزلي إلى الهاتف المحمول، ثم إلى الهاتف الذكي.
وربما كان العالم يتطور بوتيرة أسرع من بيتنا المتواضع، القابع في إحدى زوايا سكة حديد الحجاز بالمدينة المنورة. هناك كانت الحياة تمضي ببطء، ولم يكن الحاسوب يمثل قيمة حقيقية في ذلك الحي، بينما كان الجميع يتباهون بأقلامهم الفاخرة. فمن يحمل قلمًا في جيبه كان يُنظر إليه كما لو أنه يحتكر المعرفة في عقله؛ فكلاهما يملك الأدوات، لكن العبرة دائمًا في حسن استخدامها.
لقد عشنا زمنًا كان فيه شراء قلم جديد مناسبة تستحق الفرح، وكان اختيار لون الحبر قرارًا لا يقل أهمية عن اختيار الكلمات نفسها. أما اليوم، فقد أصبحت آلاف الصفحات تُكتب وتُحذف بضغطة زر، حتى فقدت الكلمة شيئًا من هيبتها، وأصبح النسيان أسرع من الحفظ، والكتابة أسرع من التفكير.
القلم... هيبة الكبار
كنت دائمًا أقول لنفسي: عندما أكبر، سأضع القلم في جيبي أينما ذهبت، وأتباهى بتوقيعي، وأشير به يمنة ويسرة كما كان يفعل أستاذي في التاريخ. كنت أظن أن القلم يمنح صاحبه شيئًا من الوقار، وأن الرجل الذي يحمل قلمًا في جيبه يحمل معه علمًا وتجربة ومسؤولية.
كنت أراقب المعلمين، والأطباء، والقضاة، والموظفين، فأجد القلم حاضرًا في جيوبهم كما لو كان جزءًا من هيبتهم. ولم أكن أدرك حينها أن القيمة لم تكن في القلم نفسه، وإنما في الإنسان الذي يحمله، وأن الأدوات لا تصنع أصحابها، بل أصحابها هم من يمنحونها قيمتها.

حين يكتب القلم الحقيقة... ويزوّرها
علمني أستاذ التاريخ أن التاريخ قد يكتبه الكاذبون أيضًا، وأن القلم الجميل قد يُستعمل في تدوين الأكاذيب كما يُستعمل في كتابة الحقائق. فمن يحاول طمس الهوية وتغيير الوقائع يظن أن الزمن لن يفضحه، وأن الأوراق ستظل صامتة إلى الأبد.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت أنظر إلى القلم نظرة مختلفة. كيف يمكن لإنسان أن يستعمل هذه الأداة في إيذاء الآخرين؟ وكيف يستطيع أن يكتب الظلم دون أن يؤنبه ضمير، أو يخشى عقابًا لا محالة آتٍ؟
هناك أقلام تحفظ الحقوق، وأخرى تسرقها. أقلام تكتب السلام، وأخرى توقع أوامر الحروب. أقلام ترفع إنسانًا، وأخرى تدفن أمةً كاملة تحت ركام الأكاذيب. ولم يكن الفرق بينها يومًا في لون الحبر، بل في الضمير الذي يقود اليد.
الحبر الذي صنع الحضارة
لو تأملنا التاريخ لوجدنا أن الحضارات لم تُبنَ بالحجارة وحدها، بل بسطورٍ كُتبت قبل أن تُشاد الجدران. فكل قانون بدأ فكرةً على ورقة، وكل دستور كان يومًا كلمات متفرقة، وكل اختراع عظيم بدأ برسمة صغيرة أو ملاحظة دوّنها صاحبها في دفتر قديم.
لكن الوجه الآخر للحضارة أكثر قسوة؛ فكم من حرب اشتعلت بتوقيع، وكم من شعب هُجّر بسبب وثيقة، وكم من دم أريق لأن قلمًا خط قرارًا لم يشعر بثقله إلا الأبرياء.
إن القلم لا يعرف الرحمة ولا القسوة، وإنما يستعير أخلاق من يمسك به.
حين انتصر الزر على الحبر
واليوم، بعدما أصبحت لوحة المفاتيح رفيقة أيدينا، أشعر أحيانًا أننا خسرنا شيئًا لا يعوض. لم تعد الحروف تحمل ملامح أصحابها، ولم يعد بالإمكان أن تعرف حالة الكاتب من ميلان خطه، أو من قوة ضغطه على الورق، أو من بقع الحبر التي تركها دون قصد.
أصبحت الخطوط متشابهة، والكلمات متطابقة، لكن الأرواح التي كانت تسكنها تراجعت شيئًا فشيئًا. وربما لهذا السبب ما زلت أحن إلى الرسائل المكتوبة بخط اليد، لأنها لم تكن تنقل الكلمات فقط، بل كانت تنقل صاحبها معها.
عبق الختام..
كلما تقدمت بي السنون، أدركت أن القلم لم يكن يومًا قطعةً من البلاستيك أو المعدن، ولا أنبوبًا يختزن الحبر، بل كان مرآةً للإنسان نفسه. فهو لا يختار ما يكتب، وإنما يطيع اليد، واليد تطيع العقل، والعقل يقوده الضمير أو الهوى.
ولهذا، فإن قيمة القلم ليست في ثمنه، ولا في فخامته، ولا في اسمه المنقوش على غطائه، بل في الأثر الذي يتركه بعد أن يجف الحبر. فقد يموت الكاتب، وتبقى كلماته تبني إنسانًا، أو تهدم أمة، أو تنصف مظلومًا، أو تخلّد كاذبًا. وما بين هذه وتلك، يقف القلم شاهدًا صامتًا لا يدافع عن نفسه، لأن الإنسان هو من اختار أن يجعله رسولًا للحقيقة أو خادمًا للزيف.
ولعل أعظم ما تعلمته من رحلتي مع القلم أن الكلمات لا تنتهي بانتهاء السطر، بل تبدأ منه. فما يُكتب اليوم قد يصبح غدًا ذاكرة أمة، أو ضمير جيل، أو حجةً على صاحبه يوم لا ينفعه اعتذار. لذلك سيظل القلم، في نظري، أمانةً قبل أن يكون أداة، ورسالةً قبل أن يكون وسيلة، وصوتًا للقلب قبل أن يكون امتدادًا لليد.
التعليقات