لسنا ضحايا... بل صُنّاع هذا الاعتياد
بصراحة وإنصاف، لا يمكن أن نلوم صديقنا وحده؛ فنحن من سمح لهذه المنصات، عبر سنوات طويلة، بأن تصبح جزءًا أصيلًا من تفاصيل حياتنا. حتى إن الواقع أصبح في كثير من الأحيان تابعًا للعالم الافتراضي، بعدما كان هذا الأخير مجرد امتداد له. فالافتراض في الأصل فرع، لكنه تحوّل تدريجيًا إلى أصل، وأصبح الواقع الحقيقي هو الذي يبحث عن مكان له داخل الشاشات.
لقد عاش صديقي، كما يعيش ملايين غيره، في حالة من التعاطي المستمر مع هذا المخدر الرقمي حتى أصبحت علاقاته الإنسانية تُدار عبر الهاتف أكثر مما تُدار وجهًا لوجه. بل إنني اختلفت معه يومًا، ثم تصالحنا بعد مدة، وكل ذلك حدث دون لقاء أو حتى مكالمة هاتفية. عندها أدركت أن العلاقات نفسها بدأت تفقد بعدها الإنساني، لتحل محلها الرسائل والإشعارات وردود الفعل السريعة.
ولذلك، حين نساوي بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، لا يصح أن نستغرب تعلق الناس به أو استغراقهم فيه. فنحن من فتح هذا الباب على مصراعيه، تمامًا كمن ينشر تفاصيل حياته كلها أمام الناس، ثم يغضب إذا تطفل عليه الفضوليون. وإذا أردنا ترشيد استخدام الإنترنت، فعلينا أولًا أن نفهم الأسباب التي جعلتنا نعيش داخل هواتفنا، بعدما كان يفترض أن تكون مجرد أدوات بين أيدينا.
الحرية التي منحها العالم الرقمي
ولو عدنا قليلًا إلى الحياة قبل الإنترنت، لفهمنا جانبًا مهمًا من سر تعلقنا به. فالإنترنت لم يكن مجرد اختراع تقني، بل كان بالنسبة لكثير من الناس خلاصًا من واقع اجتماعي كانوا مجبرين على التعايش معه. واقع مليء بالمجاملات، والقيود، والأحكام المسبقة، حيث لا يمكنك إنهاء علاقة مزعجة بضغطة زر، ولا حظر شخص يرهقك، ولا التعبير عن آرائك بحرية كاملة.
لقد منحنا الإنترنت لأول مرة فرصة الهروب من حدود الجغرافيا وسلطتها. صار بإمكاننا تكوين صداقات مع أشخاص من ثقافات مختلفة، قد لا يتحدثون لغتنا ولا يعرفون عادات مجتمعنا، لكننا نتفق معهم على مساحة إنسانية مشتركة تقوم على الاهتمام المتبادل، لا على الانتماء القبلي أو الاجتماعي. ولهذا، شعر كثيرون بأنهم يتنفسون بحرية في العالم الرقمي أكثر مما يفعلون في واقعهم.
ومن الظلم أن ننكر هذه النعمة؛ فقد أتاح الإنترنت فرصًا عظيمة للتعلم والعمل ونقل المعرفة والتقارب بين الشعوب، وفتح أبوابًا لم يكن الوصول إليها ممكنًا في السابق. لذلك، ليست المشكلة في الإنترنت نفسه، بل في الطريقة التي تعاملنا بها معه.

حين تتحول النعمة إلى إدمان
غير أن كل نعمة إذا تجاوزت حدها انقلبت إلى نقيضها. فالمنصات الرقمية لم تعد تكتفي بتلبية احتياجاتنا، بل أصبحت تصنع احتياجات جديدة داخلنا. لم نعد نفتح الهاتف لأن لدينا أمرًا ننجزه، بل لأننا نخشى أن يفوتنا شيء. أصبح الصمت مقلقًا، والفراغ مزعجًا، والانتظار بلا شاشة أمرًا يصعب احتماله.
ولعل أخطر ما في هذا الإدمان أنه لا يسرق الوقت فحسب، بل يسرق الانتباه أيضًا. فالإنسان الذي اعتاد الانتقال بين عشرات المقاطع والمنشورات في دقائق معدودة، يجد نفسه عاجزًا عن قراءة كتاب، أو متابعة فكرة طويلة، أو الاستمتاع بلحظة هادئة مع أسرته. وهكذا، تتآكل قدرتنا على التركيز تدريجيًا، دون أن نشعر.
استعادة التوازن لا تعني الهروب
ليس الحل أن نحارب الإنترنت أو نقاطعه، فهذا أمر غير واقعي، كما أنه ليس مطلوبًا أصلًا. فالإنترنت أصبح جزءًا من حياتنا، ولا يمكن إنكار ما قدمه للبشرية من فوائد هائلة. لكن المطلوب هو أن نستعيد علاقتنا الطبيعية معه؛ أن نستخدمه عندما نحتاج إليه، لا أن يستخدمنا هو.
فالحياة لا تُقاس بعدد الساعات التي قضيناها أمام الشاشة، بل بعدد اللحظات التي عشناها بوعينا الكامل. والإنسان الذي يستطيع أن يغلق هاتفه ليجلس مع أسرته، أو يقرأ كتابًا، أو يمارس هواية، أو يستمتع برحلة في الصحراء دون أن يقلقه انقطاع الشبكة، هو الإنسان الذي ما زال يملك زمام حياته.
في الختام
ربما لم تجعلنا مواقع التواصل أقل اجتماعًا، لكنها غيّرت مفهوم الاجتماع نفسه. وربما لم تسلبنا حريتنا مباشرة، لكنها أقنعتنا أن نبقى متصلين طوال الوقت حتى أصبح الانفصال عنها مصدر قلق. لذلك، فالقضية ليست في وجود الإنترنت، وإنما في مكانته داخل حياتنا. فكلما عاد إلى حجمه الطبيعي بوصفه وسيلة، عاد الإنسان إلى مكانته الطبيعية بوصفه الغاية. وحين ندرك هذه الحقيقة، لن يكون السؤال: كم ساعة قضينا على الإنترنت؟ بل سيكون: كم ساعة عشناها حقًا خارج شاشاته؟
التعليقات