المقدمة
لطالما اتسمت الشخصية الإنسانية بالتنوع والتغيّر تبعًا لاختلاف السياقات التي يعيشها الإنسان في حياته. فالإنسان ليس صفة واحدة جامدة، بل هو مجموعة من الأدوار التي يؤديها، ولكل دور منها سلوكياته ومسؤولياته وطرائق التعبير عنه. فهو مع والديه ابنٌ يبرّ ويوقّر ويحترم، فتتجلى فيه صفات الابن البار. وما إن يعود إلى منزله حتى يصبح أبًا أو أمًا، فينتقل إلى دور الراعي والمربي والمسؤول عن الرعاية والاحتواء. وفي بيئة العمل يكون قائدًا أو موظفًا أو زميلًا، ولكل مقام سلوك يناسبه دون أن ينتقص ذلك من حقيقة شخصيته. وإذا كان اختلاف الأدوار أمرًا طبيعيًا لا يمس وحدة الشخصية، فإن اختلاف الإنسان في بعض قناعاته أو مراجعة منظومته القيمية هو الآخر جزء من نمو الشخصية، لا دليل على اضطرابها.
هذا التنوع في الأدوار لا يثير استغراب أحد، بل يُعدّ من بديهيات الحياة الإنسانية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كنا نتقبل تعدد الأدوار، فلماذا نستغرب تعدد الإنسان في أفكاره وقيمه وتصوراته؟ ولماذا يُراد للإنسان أن يكون نسخة متطابقة مع غيره في نظرته إلى الحياة، وكأن الاختلاف عيب ينبغي التخلص منه لا سمة أصيلة في الطبيعة البشرية؟ وهل آن الأوان لأن ندير اختلافاتنا بوعي واحترام، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة التي تختزل الإنسان في صورة واحدة لا تسمح له بأن يكون أكثر من ذلك؟
الأحكام المعلبة وصناعة الصورة الذهنية
لا يزال في كثير من مجتمعاتنا العربية ميلٌ إلى التدخل في شؤون الآخرين وإصدار الأحكام عليهم انطلاقًا من معايير شخصية تُعامل وكأنها حقائق مطلقة. وربما يعود ذلك إلى إرث اجتماعي طويل كانت فيه الحدود الشخصية أقل وضوحًا مما هي عليه اليوم، فأصبح من المألوف أن يُقيَّم الإنسان لا وفق حقيقته، بل وفق الصورة التي يرسمها الآخرون له.
وعندما يصدر عن شخص ما سلوك أو موقف لا ينسجم مع تلك الصورة الذهنية، تنشأ حالة من الارتباك والاستغراب، لا لأن السلوك خاطئ بالضرورة، بل لأنه خالف التوقعات المسبقة. فالمجتمع يستطيع بسهولة أن يتقبل انتقال الإنسان من دور الابن إلى دور الأب، أو من دور الطالب إلى دور الموظف، لكنه يجد صعوبة في تقبل أن تكون لهذا الإنسان منظومة قيم أو قناعات تختلف عن منظومته هو.
وهنا لا تكون المشكلة في الإنسان المختلف، وإنما في الصورة الجامدة التي صنعها الآخرون عنه. فبمجرد أن يخرج عن تلك الصورة، يُنظر إليه وكأنه أصبح شخصًا آخر، بينما الحقيقة أنه كشف جانبًا لم يكن حاضرًا في إدراك من كوّن عنه تلك الأحكام.
غير أن هذه الصورة الذهنية لا تتشكل من فراغ، بل تغذيها منظومات اجتماعية وفكرية ترسم حدود المقبول والمرفوض، وتحدد للإنسان ما ينبغي أن يكونه. ومن هنا يبرز الحديث عن "القبيلة الفكرية" بوصفها إحدى القوى التي تصنع تلك القوالب وتمنحها سلطتها.

القبيلة الفكرية وسلطة القيم المفروضة
على امتداد سنوات طويلة، عاش كثير منا ملتزمين بمنظومات دينية أو أخلاقية أو اجتماعية أو ثقافية، بعضها نابع من قناعة راسخة، وبعضها الآخر لم يكن سوى امتثال لضغط البيئة المحيطة. ولم يكن الخروج عن هذه المنظومات أمرًا يسيرًا، لا لأن الإنسان اقتنع بها جميعًا، وإنما لأن مخالفتها كانت تعني مواجهة سلطة اجتماعية غير معلنة.
وهنا تظهر ما يمكن تسميته بـ”القبيلة الفكرية”. وهي ليست قبيلة بالمعنى القبلي المعروف، بل جماعة رمزية تجمع أفرادًا يتشاركون منظومة قيم واحدة، مهما اختلفت أوطانهم وأعراقهم. فقد تجد شخصًا في أقصى الشرق ينتمي فكريًا إلى القبيلة نفسها التي ينتمي إليها شخص يعيش في بلدك، بينما قد يختلف معك ابن مدينتك اختلافًا جذريًا لأنه ينتمي إلى قبيلة فكرية أخرى.
وفي ظل هذه السلطة، يحاول الإنسان أن يصنع نسخة هجينة من ذاته؛ نسخة تجمع بين ما يؤمن به حقًا، وما ينتظره الآخرون منه، طمعًا في تجنب الصدام، أو طلبًا للقبول الاجتماعي. ومع مرور الزمن، لا يعود السؤال: ماذا أريد أنا؟ بل يصبح: ماذا ينبغي أن أكون حتى يرضى الآخرون؟
ولم يتوقف الأمر عند فرض القوالب الجاهزة، بل امتد أحيانًا إلى إشعار الإنسان بالذنب لأنه لم يتبنَّ قيمًا لم يخترها أصلًا، وكأن مجرد اختلافه يمثل خطيئة تستوجب التأنيب. وفي عالم تتعدد فيه المنظومات الفكرية والقيمية، يصبح من الضروري أن يجد الإنسان مساحة يعيش فيها وفق قناعاته التي كوّنها بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن الأحكام المعلبة التي تُوزَّع على الجميع دون تمييز، كما تُعرض سلعة واحدة لكل المشترين، دون اكتراث باختلاف احتياجاتهم.
المجتمع بين التوارث القيمي والمراجعة الواعية
إن مجتمعاتنا العربية بحاجة إلى وقفة صادقة مع ذاتها، تعيد فيها النظر في طبيعة منظومتها القيمية، وتسأل نفسها: أيُّ القيم نؤمن بها عن اقتناع، وأيُّها نحملها لأننا ورثناها أو اعتدناها أو خفنا من مخالفتها؟
فالإنسان العربي اليوم يعيش في كثير من الأحيان تحت وطأة منظومات متراكمة من القيم؛ بعضها أصيل يستحق المحافظة عليه، وبعضها الآخر لم يعد يؤدي وظيفة أخلاقية أو إنسانية، وإنما يستمر بحكم العادة أو الخوف من نظرة المجتمع. ولهذا يبدو المشهد القيمي أحيانًا متناقضًا؛ إذ تتجاور الدعوة إلى الحرية مع ممارسة الوصاية، ويُرفع شعار احترام الفرد، بينما تُحاصَر خياراته الشخصية بأحكام الآخرين.
وربما كان التحدي الأكبر أن هذه “القبيلة” لم تعد خارج الإنسان فحسب، بل أصبحت تقيم في داخله أيضًا. فهي الصوت الذي يوقظه كلما همّ بمراجعة قناعة أو تبني فكرة مختلفة، فتلوّح له بالخوف من الرفض، أو الشعور بالذنب، أو خسارة الانتماء. وهكذا تتحول السلطة الاجتماعية إلى سلطة نفسية، فيصبح الإنسان رقيبًا على نفسه قبل أن يراقبه غيره.
ولعل الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر نضجًا لا تكمن في إلغاء الاختلاف، وإنما في الاعتراف به، وفهم أن الإنسان يمكن أن يحتفظ بقيمه الخاصة، وأن يختلف مع غيره، دون أن يتحول ذلك الاختلاف إلى مبرر للإقصاء أو التقليل من إنسانيته. فاحترام التنوع القيمي لا يعني التخلي عن المبادئ المشتركة، بل يعني أن نمنح الإنسان مساحة ليكون نفسه، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين ولا يصادر حرياتهم.
مسك الختام
ليس الإنسان مشروعًا مكتملًا يمكن اختزاله في صورة ذهنية واحدة، ولا كائنًا خُلق ليعيش وفق قوالب جاهزة صاغها الآخرون نيابة عنه. إنه كائن يتطور، ويعيد النظر، ويخطئ ويصيب، ويُشكّل منظومته القيمية عبر التجربة والمعرفة والتأمل. وما دام هذا التنوع لا يتحول إلى اعتداء على حقوق الآخرين أو انتقاصٍ من كرامتهم، فإنه ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مظهرًا من مظاهر الثراء الإنساني، لا سببًا للريبة أو الإقصاء.
إن المجتمعات الأكثر نضجًا ليست تلك التي تُنتج أفرادًا متشابهين، بل تلك التي تستطيع أن تجمع بين وحدة المبادئ العامة واحترام خصوصية الأفراد. فالتماسك الحقيقي لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته بوعي وعدل، وإدراك أن الاتفاق في الإنسانية أوسع من الاتفاق في التفاصيل. ولعل أعظم ما يمكن أن نحرر منه الإنسان ليس اختلافه عن الآخرين، بل خوفه الدائم من أن يكون نفسه.
التعليقات