النضج | ميكانيكي بني آدمين - العدد #18

بواسطة Walid Taha #العدد 18 عرض في المتصفح
ترقد في سريرك بعد يومٍ منهِك، تحاول أن تغفو مرارًا لكن دون جدوى، لأنّ ذلك الموقف يحاصرك، تلومُ نفسك باستمرارٍ على ما حدث، مرّ عليه وقتٌ ومازلت تعيد وتكرّر: كيف تصرّفت حينها بتلك الطريقة؟ لو عاد بي الزمن لفعلت كذا وكذا، لو حدث ذلك مُجدّدًا اليوم، لكنتُ تصرّفت بشكلٍ آخر تمامًا.

تتذكّر كيف أخبرت أحد الأشخاصِ يومًا بخطّةٍ ما ثمّ أومأ برأسه دون أن يُعرها أدنى اهتمام، أو ربّما أخبرك بالتخلي عنها محاولًا التقليل من شأنها، متجاهلًا حماسك الذي كنت عليه، وكيف دخلت في نقاشٍ عقيم تسبّب في غضبك وانفعالك دونما جدوى، والكثير من المواقف الشبيهة التي خُضتها والتي لا مجال لحصرها، تتذكّرها وتودّ لو تعود للوراء فتغيّرها.

لكن في الحقيقة ياعزيزي، حتى لو عاد بك الزمن قليلًا تحديدًا لذلك الموقف، لكنتَ تصرّفت بذات الطريقة مُقترفًا الأخطاء ذاتها برمّتها، أتعلم ما السبب؟

السببُ هو النضج.

فأنت لم تكن ناضجًا بما يكفي لتسلُك المسار الصحيح، لتبتعد عن تلك الطريق التي ساقتك للأرق الذي يمنعك من النوم حينًا، ويعكّر صفو نهارك حينًا آخر.

بدايةً، عليك أن تعلم أنّ من تراه ناضجًا اليوم، لم يكن هكذا قبل عدّة سنين أو قبل سنةٍ واحدةٍ فقط وربّما أشهر، بل خاض غمار الرحلة بمحطّاتِها، وبنى نضجه تراكميًّا ليظهر أمامك كما تراه الآن.

اسأل نفسك: هل تفكيري بقي ثابتًا منذ خمس سنواتٍ من الآن؟ أم أنّه تطوّر بجزئيّات واختلف ببعضها الآخر وتغيّر جذريًا في أمورٍ معينة؟

لقد تغيّر تفكيرك كثيرًا، أليس كذلك؟ هذا تمامًا ما أعنيه برحلة النضج.

والآن، دعني أطلعك على مؤشّرات "النضج" لخصّتها لك هنا، لتُخبرك أنّك على المسار الصحيح نحو النضج:

أولًا: أنت والعائلة.. أولى الأولويّات على الإطلاق

تُدرك وأخيرًا، أنّ لا شيء في هذا العالم بأسره يحتاجُ منك الاهتمام والعنايةَ أكثر من نفسك وعائلتك، ستحرص على مشاركتهم وقتك، سماع أحاديثهم أيًّا كانت، ستجد نفسك مطمئنًّا بينهم، آنسًا بجوارهم وتودّ قضاء كلّ وقتك معهم.

ثانيًا: التخلي هو البداية الأفضل لك

التخلي؟ أفضل بداية؟ كيف ذلك؟

نعم، هذا صحيح، فبدلًا من البكاء على الأطلال والتمسّك في وظيفةٍ مرهقة أو علاقةٍ "سامّة" ستتعلّم أن تتخلى، تتقبّل ما أنت عليه من خسارةٍ أو ألمٍ، وتتقدّم.

وبذلك، ستتجاوز عقبةَ الألم، وتمضي بعيدًا عن تلك النقطة التي لطالما جعلتك بحالةٍ سيئة وغير مستقرّة.

وفي هذه النقطة تحديدًا، أذكّر نفسي وأذكرك بعبارةٍ إنجليزيّةٍ، قرأتُها يومًا عن التخلي، تقول Needing Nothing Attracts Everything، ومفادُها أنّ التخلّي عن كلّ شيء، يجذب لك أيّ شيء، وكما تسمعُها دائمًا، المقولة العربيّة الشهيرة: "في التخلي، تجلّي"

ثالثًا: "أنت" ما يجبُ عليك تغييرُه وليس الآخرين

عندما تبدأ بالنضج، تنصرف عن تلك المحاولات لتغيير من حولك، وتبدأ بالتركيز على تغيير نفسك فحسب، ولا تتحجّجُ مثلًا بسلوك زميلك في العمل، سلوكه المقيت الذي يجعلك غاضبًا ومتأخرًا عن أداء مهامك المتراكمة.

فبدلًا من محاولة تغييره، ستنظر إلى نفسك بمنظورٍ أدقّ، وتهرع لتغيير ما بإمكانك فعلًا تغييره، مثل الالتزام بالمهام مبكّرًا، تجنّب المناقشات غير المجدية معه، الابتعاد عنه قدر المستطاع للحدّ من تأثير سلوكه على مهامك.

وما هذا إلى مثالٌ بإمكانك القياسُ عليه، والانصراف عن محاولاتك في تغيير غيرك، في حين أنّ ما يجب تغييرُه فعلًا هو "أنت" أنت فقط.


شاهد حلقة "النضج" على قناة وليد طه

النضج | وليد طه

النضج | وليد طه

رابعًا: الصمتُ أبلغ من الكلام

في مواقف معيّنة، تشعر أنّ الكلامَ كلّه مُنحشرٌ في حنجرتك يندفع ويندفع لتحكيه، لكنّك ولأنّك بدأت تنضج فعلًا، تفضّل أن تبقى صامتًا، لأنّك إن أخرجته، فلن يقدّم ولن يؤخّر، لن يغيّر شيئًا البتة.

تبقى صامتًا ليس لأنّك عاجزٌ عن الكلام، بل لأنّك تشعر أن قيمة كلامتك لن تُقدَّر، وكأنّك ضربت بها عرض الحائط، 

كأن تسمع مجموعةً من الأشخاص بعيدين كلّ البعد عن الحوار أو النقاش، يتناولون موضوعًا ساخنًا وأحدهم يشتم الآخر والثاني يحكي بأعلى صوتٍ ليسكته ولا نتيجةً من كل تلك المعركة.

فهل ستدخل معهم؟ حتى لو كان رأيك مهمًّا، ستفضّل السكوت على مشاركتهم.

خامسًا: تقبّل الآخرين جزءٌ من تقبّلك لذاتك

أيًا كان مُحيطك، فستجدُ خليطًا من القيم، المعتقدات والأفكار، وبطبيعة الحال فإنها لن تتماشى تمامًا مع ما لديك، وهنا ستبدأ بتقبّلها واحترامِها بدلًا من معارضتها والتقليل منها، وهذا مؤشّرٌ قويٌّ على مدى نضجك فعلًا.

سادسًا: السلامُ الداخليّ

تعمّدتُ أن أترك هذا المؤشّر للنهايةِ، أن أذكر جميع المؤشّرات وأبقيه للنهاية، حتى يكون إكليلًا لها جميعها، فتلك المؤشّرات إن وُجدت، فإنّها ستصحب معها السلام لك ولمن حولك من المقرّبين الذين يهمّك أمرهم.

ستقضي وقتك معهم دون أن تقفز لهاتفك كلّ دقيقتين لتصفّح "غروبات العمل" أثناء العطلة، لأنّك ستعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، سواءً نفسك، العملَ أو العائلة. 

وكلّ ذلك من شأنه أن يرتقي بك للسلام الداخليّ، والذي هو أعلى مراحل النضج بلا شكّ.

اما الآن وبعد أن شاركت معك المؤشّرات، فإمّا أن تكون ممّن يمتلكها أو بعضًا منها، أو ممّن لم يصل لها بعد، وهذا من الطبيعي كما أشرت لك في البداية، وذلك يعني أنّك مازلت في بداية الرحلة، حتى أنا مررتُ بها، وغيري مرَّ، والشخص الذي تفكّر به الآن وتشعر أنّه ناضجٌ يحملُ الفكر والعلم والثقافةِ معًا، حتى هذا الشخص قد مرّ بها يومًا.

ولأنّي أودّ تغيير ما يُمكن تغييرُه، سأترك لك أيضًا خطواتٍ من شأنها أن "تساعدك" في رحلتك للنضوج، وهي:

أولًا:

توقّف عن إخبار من حولك بكلّ شيء، اهدأ وفكّر قليلًا، هل هذا الشخص المناسب لمشاركته خطتي أو مشكلتي؟ هل سيساعدني أم سيقلّل من شأنها؟ تذكّر أنّ بعض الأشخاص إضافةً لكونهم لن يهتمّوا بما ستقول، فإنّهم أيضًا يحاولون بلا توقّف الانتقاص منه، وهنا عليك أولًا انتقاءُ الشخص المناسب، ومن ثمّ الترويّ وعدم الإفصاح عمّا لديك دائمًا.

ثانيًا: 

أودّ هنا لو أشبّه أثر المحيط من الأشخاص حولك بأثرِ التغذية السليمة أو الضارّة، مثلما أنّ جودة الطعام تؤثّر مباشرةً على صحّتك النفسيّة والجسديّة، فإن للأشخاص المحيطين بك الأثرُ ذاته عليك، لكنّه الأخطر، لأنه لن يظهر مباشرةً كما تفعل قطعة الحلوى منتهية الصلاحية، إنما سيتبدّد قليلًا ويظهر شيئًا فشيئًا، على هيئة صداعٍ مفاجئ حينًا وبشكلِ تقلّباتٍ وأزماتٍ نفسيّة وإخفاقاتٍ أحيانًا اكثر.

ودورك كربّان رحلةِ النضج الخاصة بك، أن تنتقي محيطك بحذرٍ وعنايةٍ، أن تحافظ على مسافةِ الأمان، المسافة الكفيلة بإبقائك آمنًا.

ثالثًا:

كلّما زادت استثناءاتُك، ارتفع سقف توقّعاتك، وكلّما ارتفع، زادت فرصة سقوطه على رأسك وحدك.

التوقعات اللامتناهية هنا وهناك، مع هذا وذاك، تجعلك مصدومًا مستنكرًا بمجرّد حدوث خلافٍ كبيرٍ أو ضررٍ منهم، توقّف قليلًا الآن وتذكّر أحد المواقف التي منحت بها ثقتك ورفعت توقّعاتك بأحدهم، ثمّ وبكلّ بساطةٍ أقدم على شيء ما خالف ظنّك وهدم ما بنيته.

قلّل من توقّعاتك، لتكون مستعدًّا للصدمات القادمة لا محال، وأنا بالطبع لا أعني أن تنعدم ثقتك بكلّ من حولك، إنما كن حياديًّا واجعل الرؤية واضحة بناءً على ماهو موجودٌ فعلًا، وليس على ما تريده أن يوجد.

وتذكّر أنّ الامتنان لما بين يديك، الامتنانُ على النعم المحيطة بك، يساعدك على التخلص من الأفكار السوداويّة التي تراودك بين الفينة والأخرى، والتي تشعرك أنّك بالحضيض، لا تمتلك شيئًا وحياتك بائسة وسقيمة.

كن مُمتنًّا، ولا تنتظرها أن تزول حتى تتحسّر وتبكي عليها، هي الآن لديك.

رابعًا:

القوّة الحقيقيّة، لا تكمن في مدى إحكام قبضتك بمن هم حولك، إنّما تتبلورُ بقدرتك على ضبطِ نفسك، والانضباطِ بما تحمله الكلمة من معنًى.

ضبطُ النفس، إبعادها عمّا يقلّل من شأنها ويرهقها أيًا كان. والانضباط، الانضباطُ الذي يجعلك متقنًا لعملك، لفنّك، لمهامك اليوميّة وإن كنت متعبًا ومرهقًا، الانضباط هو الذي يدفعك للاستيقاظ صباحًا متوجّهًا لعملك أو لدراستك، يومًا بعد يومٍ، يخلق منك هذا الضبطُ والتحكم بذاتك شخصًا متمكّنًا من مهارةٍ ما، وبالتالي قادرًا على تغيير نفسه ومن حوله.

خامسًا: 

تذكّر، أنّه ليس باستطاعةِ الآخرين العبث بما لا يعرفون، ليس بإمكانِهم سرقة ما لا يدركون وجودَه أصلًا، وهنا لا أعني الممتلكات المادّية، إنما أعني انفعالاتك، انفعلاتك وتقييمك وتعاطيك مع المحيط.

من يراك منفعلًا على أمرٍ ما، سيعرف أنّ لك نقطة ضعفٍ به، وتأكد أنها ستكون أوّل ما يعبث به ويحرّكه متى ما سنحت له الفرصة بذلك، إن كان يريد إزعاجك وإيذائك.

وهنا تكمن قوّة ضبط النفس، والتي أشرتُ لها في الفقرة السابقة.

تحذير: كلّ الخطوات المذكورة أعلاه وغيرها وغيرها لن تحدث مرّةً واحدةً، ولن يتحقّق بين ليلةٍ وضحاها، بل سيساعدك "تدريجيًّا" لتصبح ناضجًا يومًا بعد يوم.

وأخيرًا، بإمكانك أن تشاركني أفكارك وتجاربك حول "النضج" لأقرأها ونناقشها سويّةً، وذلك عبر التعليقات في قناتي على يوتيوب، والتي أقرأها باستمرارٍ وأجيب خلالها على التساؤلات.

وهذا كل شيء!

***

مقال بقلم الزميلة: ريم حاج علي

تابعوها على تويتر: https://twitter.com/reemahajali

Ahmed NourSameh DorghamMuad abdullateef7 أعجبهم العدد
مشاركة
ميكانيكي بني آدمين

ميكانيكي بني آدمين

نشرة ميكانيكي بني آدمين، نشرة أسبوعية بشارك فيها حصاد الأسبوع مع أفكار أو كتب أو موضوعات جديدة تنفعكوا وتساعد في تغيير نظرتكوا في حاجات كتير، وكمان عشان تبقى مرجع ليكوا في المستقبل. متنسوش تشتركوا وتعملوا شير عشان توصل لعدد أكبر. وليد طه ويلش

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من ميكانيكي بني آدمين