نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (21) | الـــنــضــج الــتــشــريــعــي |
|
|
|
|
تعريف | |
|
أورد معجم الرياض معنىً لكلمة (مصطلح) بأنه: " ما اتفق العلماء عليه من لفظ وضع للتعبير عن أمر ما في العلم ونحوه."، في حين أن معنى كلمة (مفهوم): "مجموعة الصفات والخصائص الذهنية التي يثيرها اللفظ في ذهن السامع أو القارئ."، وبالنظر إلى هذين المعنيين في ضوء السياقات اللغوية التي تردُ فيها عبارة (النضج التشريعي)، وبالاستعارة من ممارسات قياس (النضج التنظيمي) (1)، و(النضج المؤسسيّ) المعنيّ بالحوكمة والجوانب الإدارية لإدارة المنظمات والكيانات المختلفة، والنضج الرقميّ المعنيّ بالنُظم والأدوات التقنية التي تُدار وتُنفّذ من خلالها الأنشطة المختلفة للجهة، نجد أنّ عبارة (النضج التشريعي) أقربُ للمفهوم منها للمصطلح العلميّ، فهي تُستخدم في تلك السياقات للدلالة على حالةٍ تُراجَع باستمرار، إمّا لبلوغها، أو لاستدامتها. |
|
(1) ندعوك لقراءة العدد رقم (5) من نشرة فهرس تشريعي التي تناولت الفرق بين كلمة مصطلحي التشريع والتنظيم. |
|
إذن، يُمكن لنا معكم ومن خلال هذا العدد أن نقترح لمفهوم النضج التشريعي تعريفاً يُمثّل بناءً من/وتفكيكاً لـ/ وتجميعاً لما ورد في تعريف مفهوم النضج التنظيمي والنضج والمؤسسي والنضج الرقمي والسياقات التي أوردت مفهوم النضج التشريعي من مقالاتٍ أو أبحاثٍ علمية. |
|
وعليه فالنضج التشريعي هو: حالةٌ من اتّساق، وتكامل، وتطوّر التشريعات. |
|
هي حالةٌ لأنها ليست بذاتها هدف ينتهي بتحقيقه، وليست وجهةً للوصول، بل أمرٌ يلزم أن يكونَ حاضراً ومستمرّاً عند إعداد التشريعات، وعند مراجعتها. ولأنها حالة فقد جاء التعريفُ بوصف ما يُحقق تلك الحالة، بحيث يُصبح السعي مُنصبّاً لقياسها، وبحيث يكون وضعها موضع التطبيق محلّاً لبناء وتطوير نماذج (Models) لقياسها تشمل معايير وأدوات القياس. |
|
وربّما يجدر بنا الإشارة إلى أن النضج التشريعي كقياس الأثر التشريعي، نقطة تقاطع لعدّة تخصّصات وعلوم، فقياس النضج التشريعي القانونيّ لا شكّ له معايير تختلف عن قياس النضج التشريعي الاقتصاديّ الذي يتّصل بكفاءة التشريع في مقابل تكلفة تنفيذه، وكذلك يختلف عن النضج التشريعي الإداري الذي يتّصل بحوكمة إجراءات تنفيذ التشريع والآليات التي تُدار بها الجهات المعنية بتنفيذه ضمن منظومة الدولة. |
|
لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ | |
|
لأن النضج التشريعي حالة فهو لا يتقيّد بزمن، أيّ لا يُقاس في موعدٍ مُعيّن أو خلال فترة زمنية محدّدة، بل هو رهن عملية مستمرّة من القياس، وعلى امتداد رحلة صياغة التشريع، والتنفيذ له، لأجل رصد ما يُعيق بلوغها أو يُعيق استدامتها. وهو بذلك يرتبط بمصطلحاتٍ أخرى، وبحضورها في عملية إصدار التشريعات وهي: الإغفال التشريعي، والإغراق أو التضخّم التشريعي، التي تستهدف مساعيّ العمل فيها تحقيق الاستقرار التشريعي والأمن واليقين القانونيّ (2)، فتجعل الامتثال لتلك التشريعات سهلاً ومُستداماً وأكثر كفاءة. فمثلاً العلاقة بين نظام العمل ونظام المعاملات المدنية تكاملية، ففي حين يُحيل نظام المعاملات المدنية الأحكام المتعلقة بعقود العمل إلى نظام العمل بوصفه خاصّاً يقيد العام، نجد أن المسائل التي تسبق توقيعه وتتعلّق بالتفاوض بشأنه، والمسائل المتعلقة بالتعويض عن الضرر الناشئ عن ذلك العقد تخضع لنظام المعاملات المدنية لكونها لم ترد في نظام العمل ودون أن ينشأ عن ذلك صراعات على مستوى التطبيق في الاختصاص والتداخل في الأحكام القانونية. وأيضاً نلحظ اتّساقاً بين أحكام نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، ونظام الإعلام المرئي والمسموع، فالأوّل تنعقد الصفة في تطبيقه للنيابة العامة فيما يتّصل بالشقّ الجنائي منه وتوافر القصد الجنائي، في حين يُطبق نظام الإعلام المرئي والمسموع الشقّ الإداري المتعلق بمخالفة أحكام الإعلام في المملكة وليس بارتكاب جريمة، كما قرر نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية إمكانية التنسيق والاستعانة بهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية فيما يتعلق بالجوانب التقنية. |
|
(1) ندعوك لقراءة الأعداد رقم (2, 3، 11، 12) من نشرة فهرس تشريعي التي تناولت مصلحات: الاستقرار التشريعي، والإغفال التشريعي، والأمن القانوني، واليقين القانوني. |
|
أمّا عن كيفية قياس النضج التشريعي القانونيّ للسياق التنظيمي المحلّي في المملكة العربية السعودية، فهي بطبيعة الحال نشاط يجري العمل على بنائه وتطويره، وتأتي هذه النشرة لتقترح معاييراً عامّة وأدوات لقياس تحقّق اتّساق، وتكامل، وتطوّر تلك التشريعات من منظورٍ قانونيّ، وقبل أن نبدأ بسردها فإنه من الضرورةِ بمكان الإشارة إلى أنها وليدة تجربة وحيدة في قياس نضج تشريعي قانونيّ لمنظومة معيّنة من التشريعات، ونتاج خبرات قانونية تحليلية متراكمة من العمل في المجال التشريعي والاستشاريّ القانونيّ لمنظومة من الجهات العامة، بالإضافة لكونها نتاج استعارة واستلهام من نماذج القياس للنضج التنظيمي والمؤسسي والرقمي لمختلف القطاعات. |
|
فأمّا معايير القياس المقترحة هي: |
|
1. قياس الاتّساق، ويكون ذلك بقياس مواءمة التشريع أو تشريعات منظومةٍ مّا (مثل: التشريعات التقنية، أو التشريعات الصناعية، أو البيئة وهكذا) مع أمرين: الأول – بقياس مدى توافق التشريع مع التشريعات الأخرى ذات الصلة التي نظّمت موضوعاً مرتبطاً بموضوعه، ويكون ذلك بوضع معايير تتحقق من أن التشريع لا يخلق مناطق تعارض أو صراع بين حكمين قانونّيين، وبما يُعيق عملية التطبيق. الثاني – بقياس مدى توافق التشريع مع هيكلة الدولة واختصاصات الجهات المختلفة والمرتبطة بموضوع التشريع، ويكون ذلك بوضع معايير تتحقق من أن التشريع لا يخلق مناطق تعارض أو صراع بين اختصاصات جهتين أو أكثر، أو بكونه صادراً من غير ذي صفة. |
|
من الأدوات التي تُحقق ذلك بشكلٍ جزئيّ في الممارسة التشريعية في المملكة ما وردَ في البند (أوّلاً: 2/ج) الذي يتعلق بوضع جدول بالأنظمة التي قد يترتب على صدور النظام الجديد تعديلها أو إلغاؤها، من قرار مجلس الوزراء الصادر برقم (713) وتاريخ 30/11/1438هـ بشأن الضوابط المطلوب مراعاتها عند إعداد ودراسة مشروعات الأنظمة واللوائح وما في حكمها المحدثة، والمعدّل بقراري مجلس الوزراء: قرار رقم (476) وتاريخ 15/07/1441هـ، والقرار رقم (200) وتاريخ 04/04/1443هـ.، وما تلاه من قراراتٍ عدّلت بعض بنوده. (3) |
|
(2) ندعوك لقراءة العدد رقم (10) من نشرة فهرس تشريعي التي تناولت قرار (713). |
|
2. قياس التكامل، ويكون ذلك بقياس مدى قيام التشريع وبنائه على بيانات، ومعلومات، ومعارف بشأن ما سبق العمل عليه من ممارسات وأحكام سابقة أو حاليّة أو مما ستكون مُلغاةً بصدوره، أي ألا يقوم التشريع الجديد باستحداث أمرٍ مُجرّب أو مُختبر دون استفادة من نتائج ذلك، سواءً كانت تلك التجربة السابقة تتعلّق بموضوع التشريع أو بموضوعات أخرى ذات صلةٍ به ومارستها جهات منفصلة عن الجهة مُقترِحة التشريع، ويكون ذلك بوضع معايير تُلزم بيان وعرض تلك البيانات والمعلومات والمعارف، ومعايير تحدد مكونات التحليل لها الإلزامية وعناصر الأسباب الإلزامية التي توضّح كيف أّدّى التحليل إلى نتائج القياس وإلى اتّخاذ التشريع الجديد شكله المقترح. |
|
من الأدوات التي تُحقق ذلك بشكلٍ جزئيّ في الممارسة التشريعية في المملكة ما وردَ في البند (أوّلاً: 2/أ) التي تتعلق ببيان نبذة التشريعات والتجارب الدولية التي اُستفيد منها في إعداد النظام، من قرار مجلس الوزراء الصادر برقم (713) السابق الإشارة إليه. |
|
3. قياس التطوّر، ويكون ذلك بقياس تأثير التشريع على الاستقرار التشريعي، بالإضافة لدرجة وضوحه لُغةً أو علّةً، وقابليته للتطبيق في الواقع بكفاءة، ومدى ارتباطه باستراتيجية الدولة في موضوعه وباستراتيجية الجهة التي اقترحته. ويكون ذلك بوضع معايير تُلزم قياس درجة وضوح الصلاحيات الممنوحة للجهة بالتشريع، وآلية ممارستها لها، وتقيس دلالة الأحكام القانونية لُغةً، ومدى ارتباط تلك الدلالة بأهداف التشريع والسياسة التشريعية منه، بالإضافة لقياس مدى كفايته في تحقيق تلك الأهداف والسياسة التشريعية منه من حيث إلزاميته، واستقلاليته، وارتباطه بتلك الأهداف. |
|
|
1) تقرير (Report-Regulatory Maturity Project Final Report) الصادر عن مكتب المراجعة الوطني الاستراليّ في إبريل 2016م. (انقر هنا) |
|
2) مقال (تحليل النضج التنظيمي) للدكتور/ عبد الله العثمان على منصة لينكد إن. (انقر هنا) |
|
3) مقال (بين الإغفال والإغراق التشريعيين: معادلة التوازن بوصفها شرطًا للاستقرار النظامي) للدكتور/ فيصل بن منصور الفاضل على صحيفة مال. (انقر هنا) |
|
4) أعداد نشرة فهرس تشريعي لتكوين تصوّر أشمل عن علاقته ببقية المصطلحات والمفاهيم التشريعية. (انقر هنا) |
|
5) نموذج نضج الأمن السيبراني الصادر عن البنك المركزي السعودي للمؤسسات المالية التي يُشرف عليها. (انقر هنا) |
|
6) البحث في جوجل بــ (النضج الرقمي) أو (Regulatory Maturity). |
التعليقات