نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (20) | مــبــدأ تــدرّج الأنــظــمــة |
|
|
|
|
تعريف | |
|
يُقصد بـتدرج الأنظمة أو الهرمية التشريعية بأنه المبدأ القانوني والدستوري الراسخ الذي يقرر ترتيب القواعد القانونية في الدولة وفق مراتب متدرجة حسب قوتها، بحيث تعلو بعضها على بعض في شكل هرمي. ويقضي هذا المبدأ بقاعدة جوهرية مفادها: لا يجوز للتشريع الأدنى أن يُخالف أو يُعدّل أو يُعطّل تشريعًا أعلى منه درجة. |
|
ويعود التأصيل الفقهي لهذا المبدأ إلى الفقيه "هانز كيلسن" (Hans Kelsen) عبر نظريته المعروفة بـ (هرمية القواعد)، والتي تُقرر أن كل قاعدة تستمد مشروعيتها وقوتها المُلزمة من القاعدة التي تعلوها مباشرة. وفي حال حدوث تعارض بيّن بين نصين، يُعتد دائمًا بالنص الأعلى مرتبة، ويُحكم ببطلان النص الأدنى أو عدم نفاذه، حمايةً للبناء التشريعي من التناقض والازدواجية. |
|
لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ | |
|
تكمن العلة الجوهرية لهذا المبدأ في تحقيق الأمن القانوني واستقرار المراكز النظامية؛ إذ يمنع السلطة التنفيذية من التغوّل على صلاحيات السلطة التنظيمية (التشريعية)، ويضمن أن القرارات والتعاميم لا تتجاوز الحدود التي رسمتها الأنظمة. |
|
يُفعّل هذا المبدأ ويُختبر عمليًا في مسارين رئيسين: |
|
1. الرقابة السابقة (الوقائية): وتتولاها لجان الخبراء والمستشارون في المجالس التشريعية عند صياغة اللوائح والقرارات، لضمان مواءمتها وعدم خروجها عن عباءة النظام أو اللائحة الأعلى التي استندت إليها. |
|
2. الرقابة اللاحقة (القضائية): وتُمارس عندما يتضرر فرد أو منشأة من قرار أو لائحة أُعملت في مواجهة فرد أو كيان يُعتقد أنها خالفت تشريعًا أعلى، يُلجأ حينها إلى القضاء الإداري بدعاوى الإلغاء؛ استنادًا إلى عيب مخالفة الأنظمة. |
|
التطبيق في السياق السعودي | |
|
تتجلّى هيكلة الهرم التشريعي في المملكة العربية السعودية بوضوح مؤسسي دقيق، حيث تلعب (أداة الإصدار) وطبيعة المحتوى دورًا في تحديد المرتبة القانونية للنص ومدى قوته الإلزامية. ويترتب هذا الهرم وفق التسلسل الآتي: |
|
1. الأنظمة الأساسية (السيادية): تتربع على قمة الهرم (مثل: النظام الأساسي للحكم، ونظام مجلس الوزراء)، وتصدر بـ (أمر ملكي)؛ لكونها تُعبر عن الإرادة المنفردة والمباشرة للملك بصفته رأس الدولة، وتُعنى بإنشاء السلطات وتحديد الصلاحيات العليا. |
|
2. الأنظمة العادية: وتأتي في المرتبة الثانية، وهي التشريعات التي تمس حقوق الأفراد أو تفرض عقوبات (مثل: نظام الإجراءات الجزائية، ونظام عقوبات إفشاء الوثائق السرية). وتصدر بـ (مرسوم ملكي) استناداً لنص المادة (70) من النظام الأساسي للحكم: "تصدر الأنظمة، والمعاهدات، والاتفاقيات الدولية، والامتيازات، ويتم تعديلها بموجب مراسيم ملكية."؛ وتأخذ مسارًا تشريعيًا مؤسسي يبدأ بالدراسة في مجلس الشورى ويُقر بقرار من مجلس الوزراء. ولا تملك أي أداة تشريعية أدنى منها سلطة التجريم أو فرض العقوبات، استناداً لنص المادة (38) من النظام الأساسي للحكم: "العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على نص شرعي، أو نص نظامي، ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي.". |
|
3. التشريعات الفرعية (اللوائح وما في حكمها): وهي قواعد إجرائية تابعة، وظيفتها تفصيل أحكام النظام العام ولا تملك استحداث عقوبات أو التزامات جديدة لم ينص عليها النظام. وتصدر عادةً بقرار وزاري بناءً على تفويض تشريعي - انظر عدد فهرس تشريعي رقم (17 – التفويض التشريعي) - . علمًا بأنه قد تُتوج بعض هذه اللوائح بـ أمر سامي - مثل لائحة الاطلاع على الوثائق والمحفوظات - لغرض إداري يضمن إلزام كافة الوزارات والأجهزة الحكومية بها، إلا أن تكييفها النظامي يبقى لائحة مفسرة مقيدة بحدود النظام. |
|
4. القرارات والتعاميم الإدارية: وهي قاعدة الهرم، وتصدر من مسؤولي الجهات الحكومية لتسيير العمل اليومي، ويُشترط فيها ألا تخالف المراتب التي تعلوها. |
|
وقد رسّخ القضاء الإداري السعودي (ديوان المظالم) هذا المبدأ؛ حيث يُلغي أي لائحة تنفيذية أو تعميم إداري يتجاوز التفويض الممنوح له، أو يبتكر عقوبة، أو يُخالف النظام الأعلى منه درجة، إعمالاً لمبدأ السمو التشريعي واستقرار المراكز النظامية. |
|
|
1) هانز كيلسن (Hans Kelsen)، كتاب النظرية المحضة في القانون (Pure Theory of Law). (انقر هنا) |
|
2) د. محمد بن عبد الله المرزوقي، كتاب القضاء الإداري في المملكة العربية السعودية. |
|
3) مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية الصادرة عن (ديوان المظالم) في المملكة العربية السعودية. بالبحث عن: (مبدأ تدرّج الأنظمة). |
التعليقات