نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (18) | سـيـاسـة الـتـبـصـيـر |
|
|
|
|
|
|
هذا العدد يُعدّ ملخّصاً ونقلاً لفهم كُتّابه لما جاء في كتاب (نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي اتجاه حديث في صياغة الأنظمة واللوائح والسياسات العامة – دراسة تأصيلية مقارنة) تأليف/ سطام بن محمد بن سلطان الطَّيّّار. |
|
تعريف | |
|
سياسة التبصير هي: استخدام أداة من أدوات السياسة العامة لتوجيه سلوك الأفراد لتبنّي الخيار الذي يُغلّب المصلحة العامة والخاصّة للفرد والمجتمع، وذلك بشكلٍ غير مُباشر، وبدون كُلفة، وبغير إلزام جبريّ وبما يحفظ حريّة الاختيار للفرد، وذلك في شأنٍ يتعلّق بحفظ الكّليات الخمس فيما هو مستحبّ أو مكروه – وليس بأمرٍ أو نهيٍ -، بحيث تُصاغ وتُعدّ نصوص الأداة بالاستناد إلى دراسات علم النفس الإدراكي سواءً كانت الأداة تشريعية، أو تنظيمية، أو مالية، أو توعوية. |
|
*يُرجى ملاحظة أن مصطلح "سياسة التبصير" يُعد ترجمة الباحث أ. سطام الطيّار، والتي تعدّ الترجمة الأكثر دقّةً لمضمون وأغراض النظرية التي بُنيت عليها هذه السياسة، وهي نظرية (Nudge) باللغة الإنجليزية التي وضعها كل من: Richard H. Thaler & Cass R. Sunstein مع ملاحظة أن هذه النظرية تُرجمت في العلوم الإدارية إلى اللغة العربية بمسمى "نظرية الوكز" والتي تعد ترجمةً حرفية لاسمها باللغة الإنجليزية. |
|
لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ | |
|
استندت السياسة العامة الغربية سابقاً عند تقرير تدخّل الدولة في السوق على النظرية الاقتصادية التقليدية التي تقرر أن الفرد عقلانيّ في اختياراته، وأن تلك العقلانية في الاختيار من شأنها أن ترفع منافسة السوق باتّجاه جودةٍ وكفاءةٍ أعلى وتكلفةٍ في متناول المستهلكين، وبالتاليّ يبقى السوق حرّاً بلا تدخّل. إلا أن التجربة وواقع الحال كشف عن إخفاقات متعددة في السوق تطلّبت تدخّلاً من الدولة، مثل: حالة أن يكون لدى طرفيّ العقد معلومات غير متناظرة، أي أن يحوز أحد طرفي العقد معلوماتٍ أكثر من الطرف الآخر تجعل قرار التعاقد غير معلوم بنسبةٍ متساوية للطرفين. من جهةٍ أخرى فإن دراسات تحليل السياسة العامة الغربية ودراسات علم النفس الإدراكي أظهرت نتائج مُخالفة للنظرية الاقتصادية التقليدية أدّت لما يُطلق عليه علم "الاقتصاد السلوكي" والذي يُقرر أن الفرد يُفكّر بطريقةٍ تلقائية معظم وقته خاصّة مع تعدد الخيارات الشاسع جدّاً، وتُبنى قراراته على تلك الطريقة، وليس بالطريقة التأملية التي تقتضي منه دراسة الخيارات والنظر فيها وتمحيصها لاتّخاذ القرار الأصلح له، والتي تعد طريقةً مرهقةً إذا ما نُفّذت بشأن كل قرار. |
|
من هنا تأتي سياسة التبصير باعتبارها فتحاً لذريعة جلب المصالح وشكلاً من أشكال تدخّل الدولة لمعالجة إخفاقات السوق، والأحوال والمواقف التي ينزع بها الفرد إلى التفكير بالطريقة التلقائية الآلية - لأسباب متعددة ستناولها فيما يلي – بغرض توجيه سلوكه لما هو أصلح له. |
|
وقد يُطرح هنا سؤالٌ مهمّ وجوهريّ عن: كيف يُحدّد الأصلح؟ والإجابة عنه واسعة المدى والأفق، إذ أن رحلة الوصول للأصلح تتطلب دراسات تحليلية بأساليبٍ علميّة تصل لنتائج وأدلّة بشأن الأصلح في مسألةٍ مّا، بالإضافة إلى تمرير ذلك على القواعد الشرعية والفقهية والنظامية والأخلاقية التي من خلالها تُرجّح المصالح وتُحدّد أيّ مصلحة أصلح وأولى بالجلب والتحقيق. |
|
وباحثا هذه النظرية – المشار إليهما في قسم التعريف - أشاروا إلى أحوالٍ ومواقفٍ تمرّ بالفرد في حياته لها أوصافٌ تجعل التدخل من الدولة بالتوجيه غير المباشر والاختياري مطلب وضرورة ومصلحةً بحدٍّ ذاته. تلك الأحوال التي تُعد بذاتها مجالات لسياسة التبصير، هي بشكلٍ مُوجز كما يلي: |
|
1. عندما تكون المنفعة أو اللذة من القرار فورية في حين أن الخسائر والأضرار متراخية. مثل تناول السكريّات والأطعمة غير الصحيّة أو الاستثمار في صحة الإنسان بالتمارين الرياضية، فهذه الأحوال أظهرت دراسات ميل الإنسان لاتّخاذ قراراتٍ تلقائية وفورية لتحصيل اللذة أو المكسب، والتي تعد قرارات سلبية في مقابل الأضرار والخسائر التي تأتي متراخية، فتصبح بذلك مجالاً لسياسة التبصير، مثل إلزام المطاعم بوضع السعرات الحرارية للأطعمة، دون إلزام الأفراد بتناول طعام صحيّ. |
|
2. عندما تكون الكلفة منخفضة في مقابل خطر مرتفع أو في مقابل منفعةٍ أعظم. مثل اختيار الأجهزة الأكثر كفاءة للطاقة لما في ذلك من منفعة عظمى وشمولية على الاقتصاد والسوق وكفاءة استخدام الموارد، والتي تتراكم بتزايد وعي المستهلك بها، إلا أن تحديد كفاءة الطاقة لجهازٍ مّا مجال تخصصيّ والمعلومات التي تحدد تلك الكفاءة تعد معلومات علمية معقدة أو غير مفهومة للعموم لو وضعت كما هي على الأجهزة، فتصبح بذلك مجالاً لسياسة التبصير مثل مبادرة كفاءة الطاقة التي تُبسّط تلك الكفاءة في هيئة نجوم، فإلزام المنتجين والمورّدين نتصوّر – تصوّر من الكاتبة غير مبني على الأدلّة ولغرض توضيح المثال - أنه أقل كلفةً من الترك الذي يمثل الخطر والتكلفة التي ستطال الموارد نتيجة استخدام أجهزة بكفاءةٍ أقل وعلى نطاقٍ واسع وكبير ومستمرّ. |
|
3. عندما يتعلق القرار بموقفٍ استثنائي ولا يتكرر كثيراً. مثل قرار الفرد ببناء منزله أو قرار تحديد التخصص العلمي، فهي لا تتكرر وغياب هذا التكرار يجعل إمكانية التعلم بالتجربة والخطأ غير متاحة، فتُصبح مجالاً لسياسة التبصير مثل إصدار الهيئة العامة للعقار نماذج لعقود المقاولات المختلفة للأفراد. |
|
4. عندما يكون اتخاذ القرار صعباً. مثل اختيار التمويل المناسب، فتلك القرارات تتعلق بمجالات عمل تخصصية لا يتوفر لكل فرد معرفة بها أو حتى إمكانية في معرفتها قبل اتّخاذ القرار، بحيث يكون قراره باتجاه ما هو أصلح له، فتصبح مجالاً لسياسة التبصير مثل إلزام الجهات المالية والتمويلية بالإفصاح عن قدرٍ معيّن من المعلومات وبشكلٍ معيّن يجعل اتّخاذ القرار للأفراد أكثر وضوحاً وسهولة. |
|
5. عندما يصعب على الفرد معرفة أثر القرار. مثل أثر الترشيد أو الإسراف في استخدام الكهرباء، فتلك القرارات ذات أثر ماليّ قد يصعب معها على الفرد عند اتخاذ القرار أن يقيس وحده ويحدد قيمة ذلك الأثر فوراً، فتُصبح مجالاً لسياسة التبصير مثل تقديم شركة الكهرباء معلومات فوريّة عن الفرق في الأثر الماليّ بين الإسراف والترشيد. |
|
6. عندما يصعب على الفرد معرفة ما يرغبه. مثل اختيار الاستثمار المناسب بالمقارنة بين عدة خيارات، فتلك المقارنة يصعب معها على الفرد - حتى مع توافر المعلومات المالية لكل خيار - معرفة أيّها يُريد لكونه لا يستطيع أن يتصوّر كيف سيؤثر كل منهما عليه، فتُصبح مجالاً لسياسة التبصير مثل مركز توعية المستثمر في هيئة السوق المالية، الذي يستهدف رفع مستوى الوعي المعرفي بوسائل الاستثمار الآمن في الأسواق المالية والحصول على فرص عادلة وآمنة للاستثمار. |
|
والتدخّل من خلال تطبيق سياسة التبصير في أي من الأحوال والمواقف أعلاه، تعني أن يكون التدخّل في هيئة نصوص مكمّلة وغير آمرة أو برامج ومبادرات توعوية، أي أن الامتثال لها اختياري من قبل المستفيدين منها، ولا تؤثر في حرية الاختيار لديهم، ولا يعني بالضرورة أن تكون اختيارية على من يّنفّذها. فمثلاً الإلزام بوضع السعرات الحرارية يُنفّذ من قبل المطاعم ومُلزمةٌ هي به، في حين أن المستفيدين من تلك المعلومات هم الأفراد دون إلزام لهم بشراء الطعام الأقل سعرات حرارية مثلاً. |
|
ربّما يُلاحظ من الأمثلة السابقة لسياسات التبصير أنّ وسائلها قد تتعدد وتتنوّع بحسب الحال أو الموقف الذي تُعالجه أو الهدف الذي تسعى لتحقيقه، لكنها تتفق جميعها في كونها تجعل الاختيار للفرد، دون إلزامه باتّخاذ الخيار المطروح، وهي بذلك – أي سياسة التبصير – تقوم على هندسة الخيارات باستخدام وسائل عدّة – لا تزال قيد البحث والتجربة والتطوير - ولعلّ أبرز تلك الوسائل هي: |
|
1. وسيلة التأطير وإعادة الصياغة (Framing): وفكرتها تقوم على أن الخيارات تعتمد جزئياً على الطريقة التي تُعرض بها، فمثلاً دراسات علم النفس الإدراكي توصلت إلى أن الإنسان يكره الخسارة أكثر من محبته للكسب، وبالتالي عند عرض معلومات تتعلق بترشيد الكهرباء مثلاً، نجد أن صياغة الخيار بأن عدم استخدام أدوات حفظ الطاقة يؤدي لخسارة مالية قدرها كذا، أوقع أثراً في توجيه سلوك المستهلك من عبارة تقول أن استخدام أدوات حفظ الطاقة يؤدي لكسب أو وفر ماليّ قدره كذا. |
|
2. وسيلة تحويل المنافع إلى مال: وفكرتها تقوم على توفير (وليس صرف أو دفع) حوافز مالية لصالح السلوك الأصلح. فمثلاً تنظيم الانبعاثات بالسماح بحدّ معيّن لها لكل كيان صناعيّ، فإذا ما خفّض كيان مّا حجم انبعاثاته فأصبحت أقلّ من الحد النظاميّ المسموح به، يُمكن له مبادلة المتبقي من ذلك الحدّ بمقابل ماليّ مع كيان آخر. |
|
3. وسيلة التأثير الاجتماعي العام: وفكرتها تقوم على تشجيع الأفراد لاتّخاذ القرار الأصلح من خلال الثناء على ممارسيه أو نشر – متى كان صحيحاً – أنه مُمارس من قبل الشريحة الأكبر من المجتمع، فالتأثير يحصل من واقع أن الإنسان يتأثر بالجماعة، وأنه من القواعد السلوكية الاجتماعية أن تأثير الثناء على سلوكٍ مّا أبلغ من انتقاد غيابه أو مخالفته، فمثلاً تشجيع الناس لممارسة الرياضة كما هو الحال في مارثون الرياض تأتي من واقع حجم الأرقام للمشاركين فيه والدعوة لكونها تمثل النسبة الأكبر من المجتمع، بالإضافة لمشاركة المؤثرين. |
|
4. وسيلة الاستفادة من ظاهرة التعطيل (Default Options): وفكرتها جعل الخيار الأصلح هو الخيار الافتراضي دون أن يتخذ الفرد إجراءات معينة، لكن من يرغب في اتّخاذ غيره يقوم بالفعل ويتخّذ الإجراءات، فمثلاً لأغراض بيئية أصبح خيار عدم طباعة الإيصال عند استخدام أجهزة الصرف الآلي هو الخيار الافتراضي، ولمن يرغب طباعته اختيار الطباعة، وبالتالي هنا عدم اختيار أي شيء يعني تطبيق الخيار الافتراضي وهو عدم الطباعة. |
|
5. وسيلة تعبيد الطريق نحو مسار أقل مقاومة (Padding the Path of Least Resistance): وفكرتها المحاولة لإزالة العوائق أو التحديات التي قد تحول دون اتّخاذ الفرد القرار الأصلح. فمثلاً أدوات ترشيد الكهرباء أو المياه متوفرة في السوق ومتاحة للراغبين لكن لزيادة نسبة المشاركين يمكن تقديم خدمة التوصيل من الجهة المعنية لتلك الأدوات للمنزل وتركيبها، أي إزالة العائق أمام شرائها واستخدامها. |
|
6. وسيلة توقع الخطأ عند تصميم الخيارات أو البدائل (Expect Error): وفكرتها أنه عند تصميم نظام معيّن فإنه لنجاحه لا بدّ أن يتضمن تصميمه معالجة للأخطاء المتوقع حصولها من المستخدمين، فمثلاً عدم ربط حزام الأمان في السيارة يعد خطأ وارد من المستخدم وبالتالي تصدر السيارة طنين للتذكير به. |
|
7. وسيلة المساعدة على تكوين التصوّر الذهني، أو فهم مخطط الاختيار (Understanding Mapping): وفكرتها تحسين قدرة الأفراد على تصوّر نتيجة اختيارهم، من خلال جعل المعلومات المتعلقة بالخيارات أكثر قابليةً للفهم. فمثلاً لن تتدخل الدولة بتحديد سعر للتأمين لكن تلزم شركات التأمين بالإفصاح عن المعلومات المتعلقة بوثائق التأمين في هيئة جداول مبسطة وبتنسيقٍ موحّد يسمح للفرد بمعرفة المعلومات على نحوٍ أبسط ويُقارن على إثرها بين مختلف العروض والأسعار. |
|
8. وسيلة الإفادة بالمعلومات: توفير معلومات راجعة (Give Feedback): وفكرتها تصميم نظام يسمح للفرد بمعرفة ما إذا كان ما يقوم به يعد صواب أو خطأ. فمثلاُ في مثال ترشيد الكهرباء، تزويد الفرد بفاتورة تتضمن ما يوضّح تجاوز الاستهلاك لأنماط الاستهلاك الرشيد يعد تغذية راجعة ومعلومةٍ تُسهم في توجيه سلوك الفرد باتجاه خيار الترشيد، وذلك أحياناً بمعيّة ومساهمة وسيلة أخرى أو أكثر لنفس الهدف. |
|
لا شكّ أن وضع سياسة التبصير موضع التطبيق، يتطلّب تضافراً في جهود عدّة علوم، ونتائجاً مبنيةّ على المصالح الشرعية وما تفرزه الدراسات من أدلّةٍ، وخبرة وحكمةً في الشؤون الإنسانية والسلوكية، لأجل هندسة الخيارات للأفراد على نحوٍ يدفعهم باتّجاه السلوك الأصلح الذي يخدم مصلحةٍ شرعيةً مؤثرة على صلاحه، وصحته، ورفاهيته، واستقراره وعلى مجتمعه ككلّ. |
|
|
1) كتاب (نظرية سياسات التبصير والتوجيه السلوكي اتجاه حديث في صياغة الأنظمة واللوائح والسياسات العامة – دراسة تأصيلية مقارنة) تأليف/ سطام بن محمد بن سلطان الطَّيّّار. |
|
2) الاطّلاع على تقارير شركة (هوّز) المتعلقة بالاقتصاد السلوكي، وقصص وحدات التأثير السلوكي التي أنشئت في المملكة العربية السعودية في عدد من الجهات وأغراضها. (انقر هنا) |
|
3) كتاب (Nudge - Improving Decisions About Health. Wealth and Happiness) تأليف/ Richard H. Thaler & Cass R. Sunstein. |
|
4) مقال بعنوان (نظرية الوكز والمحاسبة العقلية.. العوامل الكامنة وراء تشكيل قراراتنا الاقتصادية) على صحيفة أرقام. (انقر هنا) |
التعليقات