نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (17) | الــتــفــويــض الــتــشــريــعــي

2 مارس 2026 بواسطة منيرة راشد المرشد وَعبير محمد الأحمري #العدد 17 عرض في المتصفح

تعريف |

يُقصد بالتفويض التشريعي: تلك الآلية الدستورية والتنظيمية التي تَعْهد بموجبها السلطة المختصة أصالةً بالتشريع ببعض صلاحياتها في سن القواعد القانونية العامة والمجردة إلى جهات الإدارة (السلطة التنفيذية)، وذلك لتنظيم مسائل تفصيلية أو فنية دقيقة، استنادًا إلى نص تفويضي صريح يحدد إطارها ونطاقها.

ويُمثل هذا المفهوم انتقالًا في الفقه العام من التمسك الحرفي بـمبدأ الفصل التام بين السلطات إلى تبني مبدأ التعاون المرن وتقسيم العمل التنظيمي؛ فالتفويض هنا لا يُعد تنازلًا من السلطة العليا عن سيادتها، بل هو تفويض في ممارسة الاختصاص تفرضه الضرورات العملية.

وبناءً عليه، يقتصر دور السلطة التشريعية على رسم السياسات العامة ووضع الإطار العام للنظام، بينما تتولى السلطة التنفيذية - بموجب التفويض - وضع التفاصيل الدقيقة والآليات الإجرائية عبر اللوائح التنفيذية والقرارات التنظيمية، مما يكسب القاعدة القانونية مرونة فائقة وقدرة على مواكبة المتغيرات دون مساس بالبناء الهيكلي للنظام.

لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ |

تكمن العلة الجوهرية للجوء إلى التفويض التشريعي في معالجة إشكالية القصور الفني والزمني لدى المجالس والسلطات التشريعية العليا؛ فالدولة الحديثة تدير قطاعات بالغة التعقيد كأسواق المال، الفضاء، التقنيات المالية، والبيئة، وهي قطاعات تتطلب خبرات دقيقة وسرعة استجابة لا تتوافر في الإجراءات التشريعية المطولة المعبرة عن إرادة المنظّم.

يُمارس التفويض عبر تضمين النظام مادةً صريحة تُعرف بـسند التفويض، تمنح الوزير المختص أو مجلس الإدارة صلاحية إصدار اللائحة التنفيذية.

غير أن الفقه الدستوري يحيط هذا التفويض بضمانات صارمة تضبط ممارسات السلطة التنفيذية، أبرزها:

1.      حظر التفويض على بياض: يمنع على السلطة التشريعية منح تفويض مطلق وغير محدد النطاق، وعليه يجب أن يكون مقيدًا بموضوع النظام وغاياته.

2.      الالتزام بالهرمية التشريعية (مبدأ التدرج التشريعي): تلتزم الجهة المُفوَّض إليها بعدم مخالفة النظام محل التفويض، ويمنع عليها تعديل أحكامه أو استحداث عقوبات أو فرض ضرائب ورسوم ما لم ينص النظام محل التفويض على ذلك صراحةً تطبيقًا لمبدأ الشرعية.

أما في السياق السعودي تتجلى هندسة التفويض التشريعي في البيئة التنظيمية السعودية بوضوح؛ حيث رسم النظام الأساسي للحكم المعالم الكبرى لهذا الاختصاص في المادتين (67) و(70). ويظهر التطبيق المعتاد للتفويض في خواتيم الأنظمة بمادة نمطية تنص على أن: يُصدر الوزير أو رئيس الهيئة اللائحة التنفيذية لهذا النظام خلال مدة محددة، ويمثل هذا النص رخصة تشريعية ملزمة تضمن وضع أحكام النظام موضع التطبيق العملي.

ولعل التطبيق الأكثر تقدمًا وحداثة في السياسة التشريعية السعودية يتمثل في ظاهرة الجهات شبه التشريعية؛ فبالنظر إلى نظام السوق المالية، نجد أن المنظّم منح مجلس هيئة السوق المالية صلاحيات تفويضية واسعة النطاق لإصدار لوائح ملزمة مثل: لائحة حوكمة الشركات، ولائحة الاندماج والاستحواذ. وهو تفويضٌ نوعيّ تفرضه الطبيعة الديناميكية والحساسة لأسواق المال، والتي تتطلب مرونة فائقة وسرعة استجابة للمتغيرات الاقتصادية قد لا تُسعفها الإجراءات التشريعية المعتادة.

ويبرز هذا النموذج أيضًا في الصلاحيات الممنوحة لـ البنك المركزي السعودي لإصدار القواعد المنظمة للقطاع المصرفي والتأميني؛ حيث مكّن التفويض التشريعي هذه الجهات من التدخل الاستباقي وتصحيح مسار الأسواق بمرونة وكفاءة، محققًا بذلك الغاية الأسمى للتنظيم: حماية الاقتصاد وسرعة التكيف مع الأزمات.

1) د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في القانون الإداري.

2) شارل أيزنمان (Charles Eisenmann)، دروس في القانون الإداري (Cours de droit administrative).

3) لجنة رينتون (The Renton Report)، تقرير برلماني عن إعداد التشريعات. (انقر هنا)

مشاركة
نشرة فهرس تشريعي البريدية

نشرة فهرس تشريعي البريدية

نشرة فهرس تشريعي تتناول في كل عدد منها "مصطلح" أو "مبدأ" يتعلقّ بعلم صياغة التشريعات، من خلال الجمع والتحليل للمصادر المختلفة للإجابة عن (5) أسئلة رئيسية هي: ما هو؟، لماذا وكيفَ ومتى يُستخدم؟، وأينّ يُمكن أن أقرأ أكثر عنه. ويُرجى ملاحظة أن بعض تلك المصطلحات والمبادئ لا تزال مُستحدثة ولا تعريف واضح لها في الممارسة في المملكة، وعليه فإن ما سيرد بشأنها في النشرة يُعد خُلاصة تجربة أو تحليل للوصول إلى تعريف وإجابة بشأنها على كل سؤال من الأسئلة أعلاه.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة فهرس تشريعي البريدية