نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (15) | الأحــكــام الانــتــقــالــيــة |
|
|
|
|
تعريف | |
|
يُقصد بالأحكام الانتقالية: القواعد التشريعية الحاكمة للتنازع الزمني بين القوانين، والتي يقررها المنظّم عند سن تشريع جديد لضبط النطاق الزمني لسريانه على الوقائع والمراكز القانونية التي نشأت في ظل التشريع السابق، سواء تلك التي اكتملت عناصرها أو التي لا تزال في طور التكوين أو السريان. وتتجاوز هذه الأحكام المفهوم الضيق للمهل الزمنية، لتكون أداة هندسة تشريعية تهدف إلى فض الاشتباك بين مبدأين دستوريين أصيلين: مبدأ الأمن القانوني الذي يستلزم حماية الحقوق المكتسبة واستقرار المراكز الماضية، ومبدأ الأثر الفوري والمباشر الذي يقتضي سريان القواعد التنظيمية الجديدة تحقيقًا للمصلحة العامة ومواكبةً للتطور التشريعي. وبذلك، ينصب مناط الأحكام الانتقالية على إدارة الزمن القانوني للمعالجة التشريعية؛ فهي الآلية التي تضمن انتقال النظام القانوني من حالٍ إلى حال دون إحداث فراغ تشريعي أو تصادم في الحقوق، متوسلةً بأدواتٍ فنية تتراوح بين الأثر الفوري، والأثر الرجعي في نطاقه الضيق، أو استمرار العمل بالقانون القديم بقوة النص. |
|
لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ | |
|
تكمن العلة التشريعية للأحكام الانتقالية في حماية مبدأ عدم رجعية القوانين؛ إذ تقتضي العدالة النأي عن تطبيق قواعد مستحدثة على وقائع انقضت في الماضي وفق مراكز قانونية مغايرة. وتبرز الحاجة الماسة لهذه الأحكام عند تحليل الزمن القانوني للوقائع، والذي ينقسم فقهيًا إلى ثلاث فئات رئيسية: |
|
1. المراكز المنقضية: وهي الوقائع التي نشأت ورتبت آثارها وانتهت بالكامل في ظل القانون القديم، والأصل فيها عدم سريان القانون الجديد عليها حمايةً للاستقرار. |
|
2. المراكز المستمرة: وهي العلاقات القانونية التي نشأت في ظل القانون القديم، ولكن آثارها ما زالت ممتدة أو متراخية (كعقود الإيجار طويلة الأمد أو العلاقات العمالية). وهنا يظهر جوهر التنازع الزمني بين إخضاعها للأثر الفوري للقانون الجديد أو إعمال مبدأ بقاء القانون القديم. |
|
3. المراكز المستقبلية: وهي التي ستنشأ بعد نفاذ القانون، وتخضع له قولا واحدًا. |
|
ويستخدم الصائغ القانوني الأحكام الانتقالية كأداة مواءمة؛ ففي حال اتصال القواعد الجديدة بالنظام العام، يميل المنظّم إلى تغليب الأثر الفوري وإن مس عقودًا قائمة. أما في المراكز التعاقدية البحتة، فيتجه إلى منح مهل لتوفيق الأوضاع لتمكين المخاطبين من مواءمة مراكزهم القانونية بسلاسة. |
|
التطبيق في السياق السعودي | المتأمل في السياسة التشريعية السعودية الحديثة، يلحظ توجهًا منضبطًا نحو تضمين الأحكام الانتقالية في مراسيم الإصدار بوصفها الأداة الحاكمة لنفاذ الأنظمة. ومن أبرز التطبيقات النوعية ما جاء في نظام المعاملات المدنية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/191)، حيث قدم المنظّم معالجة دقيقة لإشكالية تنازع القوانين من حيث الزمان في مسائل التقادم. فحينما قرر النظام تقليص مدد عدم سماع الدعوى في بعض الحقوق، واجه إشكالية الحقوق التي بدأت مددها في ظل القواعد السابقة ولم تكتمل. هنا، نصت الأحكام الانتقالية بمهنية عالية على قاعدة مركبة تقضي بسريان المدة الجديدة من تاريخ نفاذ النظام، مع استثناء الحالة التي يكون فيها الباقي من المدة القديمة أقصر من المدة الجديدة، فيُعمل بالمدة القديمة؛ وهو ما يعكس وعيًا عميقًا بضرورة حماية المراكز القانونية من السقوط المباغت. |
|
كما يتجلى التطبيق في نظام الشركات ١٤٤٣هـ، عبر المادة الثانية من مرسوم إصداره التي منحت الشركات القائمة مهلة (سنتين) للمواءمة. ويتمثل جوهر هذا الحكم الانتقالي في كونه آلية لضمان استمرار أثر النظام القديم بصفة مؤقتة؛ غايةً في حماية الكيانات الاقتصادية القائمة وتجنيبها الإرباك، مع قصر النفاذ الفوري للنظام الجديد على التأسيسات الحديثة، جامعًا بذلك بين مقتضيات الاستقرار ومتطلبات التطور التنظيمي. |
|
|
1) بول روبييه، القانون الانتقالي: تنازع القوانين من حيث الزمان. (انقر هنا) |
|
2) د. السنهوري، "الوسيط في شرح القانون المدني"، المجلد الأول (نظرية القانون)، دار إحياء التراث العربي. |
|
3) هيلين زانثاكي، صياغة التشريعات: الفن والممارسة، هارت للنشر، أكسفورد، 2014. (انقر هنا) |
|
4) لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، "دليل تشريعي بشأن المعاملات المضمونة: المسائل الخاصة بالفترة الانتقالية". (وثيقة أممية مرجعية تعالج تنازع الأولويات الزمنية في التشريعات التجارية). (انقر هنا) |
التعليقات