نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (13) | الأثـــر الـــتـــشـــريـــعـــي الـــســـابـــق

5 يناير 2026 بواسطة منيرة راشد المرشد وَعبير محمد الأحمري #العدد 13 عرض في المتصفح

تعريف |

"ويُقصد بالأثر التشريعي: ما يُحدثه القانون أو النظام أو اللوائح أو القرارات والتعاميم من نتيجة إيجابية أو سلبية، في مواجهة الأفراد والمجتمع، بالحد منها أو زيادتها، سواء كان هذا الأثر سابقاً للإصدار التشريعي بحيث يكون نتيجة متوقعة ومحتملة، أو لاحقاً لصدورها كأثر واقعي مبني على تطبيق القوانين والأنظمة واللوائح والقرارات والتعاميم."(1)

وهذا التعريف لا شكّ ينطبق على الأثر التشريعي السابق واللاحق معاً، وبذلك ينصبّ مناط الاختلاف بينهما على: التوقيت، ونوعية البيانات، والأهداف لعملية تحليل ذلك الأثر. وهنا ربما يجدر بنا الإشارة إلى وجود تعدد في وصف "الفعل" المُصاحب لمصطلح الأثر التشريعي بين: تحليلٍ وقياسٍ وتقييم.

وبعد قراءاتٍ متفرقة حول موضوع الأثر التشريعي وتأمّل في مضامينه اللغوية، نتصوّر أن التفرقة بين تلك الكلمات في سياق الأثر التشريعي تتعلّق بالمراحل، إذ أنه لأجل دراسة الأثر التشريعي تُنفّذ إجراءات تبدأ من تصميم الدراسة، وجمع البيانات، وتمرّ بتحليل تلك البيانات وقياس الأثر المستنبط منها، وصولاً إلى وضع نتيجة من خلال تقييم ذلك الأثر- الناتج عن التحليل والقياس - بتصنيفه وتقدير حجم منفعته بالمقارنة مع وضعٍ سابق للتشريع.

وعليه فإن تقييم الأثر التشريعي السابق هو: "إجراء يهدف إلى قياس جودة التشريعات، عن طريق وضع الاحتمالات المسبقة للتنظيم التشريعي – نظامًا أو لائحة أو قرارًا أو تعميمًا – جديداً أو معدلاً، عن طريق التنبؤ بنتائج مسبقة من خلال الواقع والوقائع السابقة، ودراسة الأحوال العامة للمجتمع، وتقدير أثره على البيئة القانونية، بما يساعد صانع القرار في فهم أثر التشريع وكذلك تيسير عملية تطبيق هذه القوانين والالتزام بها، واحترامها."(1)

(1) دراسة (قياس أثر التشريعات في المملكة العربية السعودية)، إعداد د. راكان بن فهد الحربي، والمنشورة في مجلة قضاء.

لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ |

إن دراسة الأثر التشريعي السابق تعد متطلب نظاميّ إلزاميّ عند تقدّم أي جهة بمقترح تشريعي لمجلس الوزراء وذلك وفقاً لما جاء في قرار (713) (2) وتعديلاته، ويشمل ذلك الأثر الاقتصادي، والاجتماعي، والصحي، والبيئي. وهذا ما يجعل دراسات الأثر التشريعي ميدان التقاء بين مختلف التخصصات والعلوم، ولا يتصوّر إجراء دراسة للأثر التشريعي السابق أو اللاحق دون دمج لنتائج هؤلاء المختصّين من مختلف العلوم، وتضافر مرئياتهم – كلٌ من زاوية علمه وأدواته – في دراسة ذلك الأثر التشريعي.

وبطبيعة الحال، فإن الأدوات المتّبعة من قبل كل مختصّ قد تختلف باعتبار اختلاف الزاوية التي ينظر منها كل مختصّ ويدرسها، وأيضاً باعتبار أن دراسات الأثر التشريعي تتعلّق بالبشر وشؤونهم المختلفة، وهذا يخلق تعدد وتداخل في العوامل التي تؤثّر في بعضها البعض أو التي تُحدث ذلك الأثر. إلا أن ذلك لا يمنع من أن يستعير علمٌ من العلم الآخر بعض أدواته ويُطبّقها في سياقه ومن زاوية نظره. فمثلاً في دراسة الأثر التشريعي الاقتصادي السابق، فإن العمل تبدأ بتصميم الدراسة وتحديد المصطلحات والمتغيّرات التي ستُدرس وتُحلل بها، وتُصاغ الفرضيات، ومن ثم تُنفّذ الدراسة - بمنهجية علمية وباستخدام برامج إحصائية - بأحد أنواع تقييم الأثر المتّبعة مثل: 1) الدراسة غير التجريبية (Non-experimental design)، و2) الدراسة شبه التجريبية (Quasi-experimental design) بأنواعها الأربعة، و3) الدراسة التجريبية (Experimental design)، وصولاً إلى النتائج والتوصيات.

وفي الميدان القانونيّ، أي من زاوية دراسة الأثر التشريعي القانونيّ، نصل إلى شقّين هامّة: الشقّ الأول - دراسة أثر التشريع محل الدراسة على السياق التنظيمي والمنظومة التشريعية الحالية (الوضع الراهن)، وهي دراسة للوثائق التشريعية والأحكام القضائية والاتفاقيات الدولية المقرّة بمراسيم ملكية وتحليل للتقاطعات التي قد تنشأ بين التشريع المقترح وتلك التشريعات أو التطبيقات القضائية أو الاتفاقيات الدولية وتقدير أثرها. وهذا الشقّ يُعد متطلب نظامي إلزامي وفقاً لقرار (713) في البند (أوّلاً / 2 الفقرات (ج وَ د)). الشقّ الثاني – استخدام لأحد أنواع دراسات تقييم الأثر المتّبعة والمُشار إليها أعلاه وبمنهجية علمية لدراسة أثر التشريع المقترح على المراكز القانونيّة والمعاملات والمنازعات القائمة أو أثره على المبادئ القانونية كالأمن القانوني واليقين القانوني، أو أثره على الموضوعات القانونية كزيادة الامتثال، وارتفاع مستوى الفهم للتشريعات، ومستوى وضوح التشريعات لدى المخاطبين بها، ونحوه.

فمثلاً قرار مجلس الوزراء رقم (1012) وتاريخ 1445/11/27هـ الصادر بالموافقة على تنظيم الهيئات الثقافية بعدد (11) هيئة، جاء في البنود (ثالثًا وحتّى البند تاسع عشر) ما يدلّ على نتائج لدراسة للأثر التشريعي القانونيّ السابق من ناحية الشقّ الأوّل، إذ جاءت البنود بوضع إجراءات تتعلّق بنقل الاختصاصات بين وزارة الإعلام ووزارة الثقافة، ومعالجة الاختصاصات المتداخلة، والمراكز القانونية للموظفين، وتعديل بعض الأنظمة ونحوِ ذلك.

وعليه لو تخيّلنا موقف القانوني المسؤول عن دراسة الأثر التشريعي القانونيّ السابق لإصدار نظام خاصّ بالثقافة مثلاً، سنجد أن تطبيقه للشقّ الأول يعني ضرورة وحتمية أن يُحلل التشريعات المتصلة بالإعلام كافّة لتحديد أثر النظام على الأحكام القانونية ذات الصلة بالأنشطة الثقافية، وأوجه التقاطعات وأثرها على تنفيذ الاختصاصات وممارسة الصلاحيات بين كل من وزارة الإعلام ووزارة الثقافة، كما سيُحللّ الوثائق النظامية المتعلقة بتصنيف الأنشطة وأوجه التفرقة بين الإعلامية والثقافية منها، وأثر تلك التفرقة على المراكز القانونية بالنسبة إلى: التراخيص النظامية الصادرة للقطاع الخاص الذي يمارس أنشطة إعلامية وثقافية معاً، وعلى التراخيص التي يجري دراستها والعمل على إصدارها، ونحوِ ذلك.

إن دراسة الأثر التشريعي تبتغي تجويد التشريعات، بحيث تُبنى القرارات الصادرة بتشريعٍ مّا على البيانات، فقد تشعّبت العلاقات، وتنوّعت الأنشطة والمعاملات بين الناس، وتعدّدت السلطات والجهات الإشرافية وأصحاب المصلحة في مختلف الشؤون، الأمر الذي لا يتصوّر معه تحقيق أعلى استفادة وأكثر منفعة من التشريع لأجل أن يحقق مستهدفاته سوى بدراسةٍ تُحلل ذلك التشعّب والتنوع والتعدد، وتقيس وتقيّم أثره، وبشكلٍ خاصّ فإن دراسة الأثر التشريعي السابق تأتي للتحقق من مناسبة التدخّل التشريعي من الأصل، ومن جهةٍ أخرى تحديد الأحكام القانونية الأكثر كفاءة وفاعلية في تحقيق المستهدف منه.

 وللحديث بقية في العدد القادم من نشرة فهرس تشريعي بعنوان (الأثر التشريعي اللاحق) ... 

(2)  تناولنا مصطلح قرار (713) في العدد (10) من نشرة فهرس تشريعي.

1)  دليل (تقييم آثار التشريعات) الصادر عن المركز الوطني للتنافسية واللجنة التحضيرية لإعداد التشريعات القضائية – الإصدار الأول (دليل إرشادي) رجب 1445هـ يناير 2024م. (انقر هنا)

  2) أدلة (تقييم الأثر – الممارسات والطرائق الكمية) وَ(تقييم الأثر في الواقع العملي) باللغة العربية الصادرة عن مركز الأثر. (انقر هنا)

3) دليل تحليل الأثر الصادر عن مكتب تحليل الأثر الأسترالي. (انقر هنا)

مشاركة
نشرة فهرس تشريعي البريدية

نشرة فهرس تشريعي البريدية

نشرة فهرس تشريعي تتناول في كل عدد منها "مصطلح" أو "مبدأ" يتعلقّ بعلم صياغة التشريعات، من خلال الجمع والتحليل للمصادر المختلفة للإجابة عن (5) أسئلة رئيسية هي: ما هو؟، لماذا وكيفَ ومتى يُستخدم؟، وأينّ يُمكن أن أقرأ أكثر عنه. ويُرجى ملاحظة أن بعض تلك المصطلحات والمبادئ لا تزال مُستحدثة ولا تعريف واضح لها في الممارسة في المملكة، وعليه فإن ما سيرد بشأنها في النشرة يُعد خُلاصة تجربة أو تحليل للوصول إلى تعريف وإجابة بشأنها على كل سؤال من الأسئلة أعلاه.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة فهرس تشريعي البريدية