نــشــرة فــهــرس تــشــريــعــي - الــعــدد (11) | مــبــدأ الأمـــن الـــقــــانـــونـــي |
|
|
|
|
تعريف | |
|
يُعرَّف الأمن القانوني، في الفقه الدستوري والإداري، بأنه مبدأٌ جوهري يقضي بأن تكون القاعدة القانونية واضحةً في صياغتها، منشورةً ومتاحةً للكافة، ومستقرةً في تطبيقها، بحيث يتمكن المخاطبون بها من توقّع النتائج القانونية لتصرفاتهم وعقودهم بثقة واطمئنان، ودون مباغتة. ويهدف هذا التعريف إلى أن يكون جامعًا مانعًا؛ فهو "جامعٌ" لركائز المبدأ الثلاث: (الوضوح، والعلانية، وعدم الرجعية)، و"مانعٌ" للخلط بينه وبين الجمود التشريعي؛ فالأمن القانوني لا يمنع تعديل القوانين لتواكب التطور، ولكنه يمنع التعديل المفاجئ الذي يهدر الحقوق المكتسبة أو التوقعات المشروعة دون تمهيد أو معالجة انتقالية. فالأمن القانوني، بهذا المعنى، هو الوعاء الحاضن لـ "سيادة القانون"، وهو نقيض لحالة "الاضطراب التشريعي" أو "الغموض التنظيمي" الذي يجعل المراكز القانونية للأفراد والمستثمرين في مهب الريح. |
|
لـمـاذا وَكـيـفَ وَمَـتـى؟ | |
|
يُشكل غياب الأمن القانوني الخطر الأكبر على بيئة الأعمال والاستقرار المجتمعي؛ إذ أن المستثمر أو الفرد لا يخشى صرامة القانون بقدر ما يخشى "عدم القدرة على توقعه". وحينما تغيب هذه القيمة، يُحجم الأفراد عن الانخراط في علاقات قانونية طويلة الأمد خوفًا من تغير القواعد في منتصف الطريق. ويتحقق الإخلال بهذا المبدأ غالبًا عندما تصدر تشريعات بأثر رجعي تمس وقائع اكتملت في الماضي، أو عند استخدام صياغات فضفاضة وحمّالة أوجه تمنح السلطة التنفيذية سلطة تقديرية مطلقة بلا ضوابط، أو عند كثرة التعديلات المتلاحقة خلال فترات زمنية قصيرة مما يولد حالة من "الإرهاق التنظيمي". لذا، يرتبط الأمن القانوني ارتباطًا وثيقًا بمبدأ آخر هو "حماية التوقع المشروع"، الذي يفرض على المنظّم عند تغيير سياسة تشريعية راسخة أن يضع "أحكامًا انتقالية" تحمي من رتبوا أوضاعهم بناءً على النظام القديم. |
|
التطبيق في السياق السعودي | ولعلّ من أبرز الشواهد الحية على ترسيخ مبدأ الأمن القانوني في المملكة، هو النقلة التاريخية بصدور نظام المعاملات المدنية بالمرسوم الملكي رقم (م/191) وتاريخ 1444/11/29هـ. فقبل صدور هذا النظام، كان القضاء في المنازعات المدنية يعتمد على الاجتهاد الفقهي غير المقنن، مما كان يؤدي إلى تباين الأحكام القضائية في الوقائع المتشابهة، وهو ما كان يضعف القدرة على التنبؤ بالحكم القضائي قبل صدوره، وينافي جوهر الأمن القانوني. جاء نظام المعاملات المدنية ليحسم هذا التباين، محققًا أعلى درجات التوقع والانضباط. ويتضح ذلك جليًا في صياغة المادة الأولى التي نصت بوضوح قاطع:" تسري نصوص النظام على جميع المسائل التي تتناولها في لفظها أو في فحواها"، قاطعةً الطريق أمام الاجتهادات المتضاربة طالما وُجد النص. |
|
كما تجلى احترام المنظّم السعودي لهذا المبدأ في معالجة الأثر الزمني للنظام؛ حيث لم يغْفل عن المراكز القانونية السابقة. فقد نص مرسوم الإصدار في البند (خامساً) على أحكام انتقالية دقيقة توازن بين الأثر الفوري للنظام وبين احترام الوقائع الماضية، فقرر سريان النظام على الوقائع التي لم يصدر فيها حكم نهائي، مع استثناءات محددة تحمي العقود التي أُبرمت في ظل القواعد السابقة (مثل نصوص التقادم التي بدأت قبل نفاذ النظام)، وذلك حمايةً لاستقرار المعاملات وعدم مباغتة الخصوم بقواعد لم تكن في حسبانهم وقت التعاقد. هذا التحول هو التطبيق الأمثل لمبدأ الأمن القانوني، الذي ينقل البيئة التشريعية من منطقة تضج بالاحتمالات إلى منطقة اليقين، مما يعزز الثقة في المنظومة العدلية. |
|
وعلى النقيض من ذلك؛ لا يزال "مبدأ الشرعية" (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) يواجه تحديًا جوهريًا في التطبيقات القضائية السعودية، نابعًا من الفراغ التشريعي في تقنين الجرائم التعزيرية. فبينما أرست المادة (38) من النظام الأساسي للحكم قاعدة دستورية صلبة بحصر التجريم والعقاب في النص النظامي أو الشرعي، جاءت المادة (3) من نظام الإجراءات الجزائية لتوسّع دائرة التجريم لتشمل كل "أمر محظور شرعًا أو نظامًا". هذه الثنائية خلقت منطقة رمادية واسعة؛ إذ أصبح مناط التجريم متأرجحًا بين التحريم الديني والتجريم القانوني. |
|
في الواقع العملي، أدى هذا التداخل إلى تباين في التسبيب القضائي؛ فتارةً يُكتفى بـالحظر الشرعي لتجريم الفعل ومعاقبة مرتكبه تعزيرًا استنادًا لسلطة القاضي التقديرية، وتارةً أخرى يُلتفت عن العقاب لغياب النص النظامي المحدد للفعل والعقوبة. هذا التذبذب يمس بشكل مباشر جوهر الأمن القانوني؛ إذ يفتقد الفرد القدرة اليقينية على التنبؤ بما إذا كان سلوكه يقع تحت طائلة التجريم الجنائي أم يقتصر على الإثم ديانةً. كما أن استمرار العمل بـالتعزير المرسل في ظل غياب قانون عقوبات شامل، يُضعف الضمانات الحقوقية للمتهمين، وأهمها العلم المسبق النافي للجهالة؛ فالدفاع يعجز أحيانًا عن تكييف المركز القانوني للمتهم لغياب المسطرة النظامية المعيارية. |
|
|
1) هلا بنت عبد الله الجربوع، في دراستها بعنوان "مبدأ الأمن القانوني: دراسة تحليلية في ضوء الأنظمة والتطبيقات القضائية في القانون السعودي"، والمنشورة في "مجلة قضاء. (انقر هنا) |
|
2) مجلس الدولة الفرنسي، التقرير السنوي لعام 2006. (انقر هنا) |
|
3) رفعت عيد سيد، مبدأ الأمن القانوني – دراسة تحليلية في ضوء أحكام القضاء الإداري والدستوري. |
|
4) عبد المجيد غميجة، "مبدأ الأمن القانوني وضرورة الأمن القضائي"، مجلة الحقوق المغربية، العدد 7، 2009. (انقر هنا) |
|
5) عبير الأحمري، "رأي قانوني بشأن مبدأ الشرعية"، 2022. (انقر هنا) |
التعليقات