نشرة سرد البريدية #9 ماذا تعني كلمة (مدرسة)؟! |
24 أغسطس 2025 • بواسطة هند عامر • #العدد 9 • عرض في المتصفح |
مثلما يشكّل المكان هوية المدينة، تشكّل المدرسة هوية الطفل: صوته، حضوره، وعلاقاته؛ وبين جدرانها يتعلم أن له مكانًا بين الآخرين، وأن العالم ليس ضيقًا مثل غرفة نومه، ولا محدودًا مثل حضن أمّه، بل أكبر من ذلك بكثير.
|
|
![]() |
أكتب هذه التدوينة وأنا أحاول أن أجد إجابة لطفلتي التي تسألني ببرائه: ماذا تعني كلمة (مدرسة)؟! وأحاول أن أخبرها أنها في تلك المساحة الصغيرة، ستبدأ بالتدرب على العيش في المجتمع الأكبر، وتدرك أن هويتها ليست فقط ما تحمله في داخلها، بل ما تصوغه بالتفاعل مع من حولها، ولا أدري إن كنت استطعت إيصال الفكرة لها، لكنني سأحاول إيصالها لكم. |
كنت معلمة للفنون التشكيلية في زمنٍ مضى؛ بل والأجمل أنني في رحلتي مع تدريس الفنون، مررت بتجربتين مختلفتين لتدريس الفتيات في الصفوف الأولية، و كشف لي الفن التشكيلي الوجه العميق لارتباط المدرسة بهوية الطفل. |
التجربة الأولى كانت في مدرسة حكومية احتضنت فتيات مجهولات النسب، لكل واحدة منهن حكاية مثقلة بالفقد أو المأساة، ورأيت كيف يمكن للمدرسة أن تكون لهن أكثر من صفوفٍ وألوانٍ وأوراق: أن تكون فضاءً للانتماء، وجسرًا صغيرًا بين جرح الماضي وأمل الغد، ومنهن فتاة تدعى (هجير)! |
(هجير) فتاة من مجهولي النسب ولصغر سنها لم تجد من القناعات مايجعلها تتصالح مع هذا الابتلاء؛ وكانت رسوماتها تحوي تعبيراً عن شدة الألم، ومشبعة بالرغبة المتكررة في الانتقام من المجتمع؛ وقد نبهنني الزميلات من مغبة إجبارها على كتابة اسمها كاملا على كراستها، فهي تكتفي بكتابة: هجير بنت (؟)؛ تعبيراً عن ألمها من جهلها باسم والدها الحقيقي؛ وقد فكرت كثيراً كيف أحتوي هذا القلب الصغير المتألم وقررت أن أجعلها ذراعي الأيمن في إدارة الصف، وتركتها تقوم بدور المعلمة والذي يتوائم مع رغبتها في السيطرة، حتى استطعت تحييدها وتقليل عدائيتها بشكل كبير وجعل المدرسة وسيلة لإعادة صياغة هويتها ومفهومها عن ذاتها، ولم أنهي تجربتي تلك حتى رأيت الحب في عينيها تجاهي، بدا وكأنها المرة الأولى التي تشعر فيها بمودة تجاه الغير! وكان يكفيني أن جعلتها تعيش تجربة (عذوبة أن تحب أحدهم) في لجة الكراهية التي كانت تعيشها. |
أما التجربة الثانية فكانت في مدرسة تضم الشريحة المترفة، حيث يختلف الدافع، وتتشكل الهويات على نحوٍ آخر، بين طموحات مادية، وفضاءات رحبة تتيح لهن فرصًا لم تُتح لغيرهن؛ دون أن تخفي حيرة تلك القلوب الصغيرة، ومنهن فتاة تدعى (فرح). |
كانت فرح تقوم برسم لوحة للسماء، وحينما بدأنا تلوين اللوحة قامت بتلوين السماء باللون البنفسجي الغامق مع الأسود، أخبرتها أن لون السماء الصافية أزرق، لكنها أصرت، أعدت تذكيرها لكنها واصلت وأشارت برأسها الصغير بإيمائه رافضة، ثم حينما سألتها عن السبب قالت لايهم أن يكون هناك سبب، فأنا أفعل ما أريد وأرى ما أريد وأحصل على ما أريد، كان لابد أن أشرح لها بأنها يوما ما ستواجه الحياة وتتعامل مع السنن الكونية التي لا تأبه بتعنتها، وأن والديها مهما بلغ حبهم لها لن يتمكنوا من تغيير هذه السنن، وانتهى الحوار هذه المرة بعدم اقتناع الطفلة اقتناعاً كاملاً. |
وهنا أدركت أن المدرسة - أيًّا كان موقعها الاجتماعي - تظل مرآةً لهوية طلابها، وتظل المكان الذي يُعيد طرح السؤال الأبسط والأعمق: من نكون، حين نقف لأول مرة أمام الآخرين؟ |
ودمتم |
كتبته هند عامر |
في الثلث الأخير من أغسطس 2025 |
ودمتم |
كتبته هند عامر |
في الثلث الأخير من أغسطس 2025 |
التعليقات