نشرة سرد البريدية #8 : طرابزون كمعلمة للحياة: الروح، التجارة، والصمود |
17 أغسطس 2025 • بواسطة هند عامر • #العدد 8 • عرض في المتصفح |
تبدو الموانئ وكأنها قلوب مفتوحة على العالم، تضخ في المدن حياة لا تهدأ، وتربط الداخل بالخارج في شبكة من العلاقات التي تتجاوز البضائع إلى الأفكار والوجوه والحكايات، فهي ليست مجرد محطات لرسو السفن، بل هي ذاكرة جماعية تختزن أثر العابرين، ويعاد فيها بعث الأساطير، مما يعيد تشكيل ملامح المكان بألوان الثقافات التي مرت به.
|
|
حينما زرت طرابزون - شمال شرق تركيا-، وقفت لأشتم رائحة البحر، وأتأمل ألوان الميناء، وأتخيل صدى أصوات التجار، تشعر حينما تزورها وكأنك تدخل مشهداً من زمن آخر وتقف على حافة التاريخ؛ فهي تُعتبر إحدى أكثرالمستوطنات اليونانية القديمة وخليط فاخر من السمات المكانية والأساطير، عوضا عن عراقتها التاريخية فقد تأسست عام 756 قبل الميلاد و ازدهرت في ظل الحكم الروماني حتى نهبها القوط باعتبارها الميناء البيزنطي الأقرب إلىأرمينيا. |
![]()
|
الميناء في طرابزون صبغ هويتها بالكامل؛ ففي الميناء تتقاطع الأزمنة، القديم يجاور الجديد، والوافد يندمج مع المقيم، والتجارة مع الأسطورة، ليولد فضاءٌ حضاريّ جديد، نصفه ثابت ونصفه عابر؛ ، وإجمالاً فهكذا تصبح الموانئ رموزًا لفلسفة الوجود: الانفتاح بلا ذوبان، والثبات بلا انغلاق، والقدرة على أن تكون ملتقى بين حضارتين أو أكثر دون أن تفقد جوهرها. |
![]()
|
ومع تزاوج التجارة والأساطير، تتوزع المعالم في طرابزون التي كثيرًا ما تُربط بأسطورة نساء الأمازون المحاربات -وهن مجتمع من النساء المحاربات- كما لو كانت تلك المعالم طبقات من هوية واحدة؛ كل طبقة تحمل معنىً مختلفًا، لكنها في النهاية تتناغم لتكوّن روح المدينة؛ ففي (دير سوميلا) المعلّق بين السماء والجبل، تتجسد محاولة الإنسان الدائمة للاقتراب من المطلق، حيث يتحول الجبل إلى معراجٍ صامت للروح الباحثة عن الخشوع). |
![]()
|
وحين تنزل من الجبل إلى قلب طرابزون، تجد نفسك في (الأسواق العثمانية)؛ نبضٌ يتدفق عبر أزقتها كأن المدينة تعوّض صمت الجبل بضجيج الحياة، وهنا التجارة ليست بيعًا وشراءً فقط، بل سردية متواصلة عن (قدرة المدينة على استقبال الغرباء دون أن تفقد ملامحها). |
![]()
|
وعلى المرتفعات المحيطة، تصطف (قلاع طرابزون شامخة)، تحرس هذا التوازن الدقيق بين الروح والتجارة، بين الانفتاح والحماية، فهي تقول بصمتها الصلد إن (الهوية التي تتزين بالأسواق وتسمو مع الأديرة، تحتاج أيضاً إلى جدار يحميها)، وإلى برج يراقب القادم من البحر والبر، إنها ليست مجرد حجارة عسكرية، بل ذاكرة يقظة لمدينة لم تُمنح هويتها إلا بالعرق والصمود. |
![]()
|
هكذا، تبدو طرابزون كمدينةٍ تقف عند مفترق ثلاث قوى: (الروح) التي تتسامى في الجبل، و(التجارة) التي تنبض في الأسواق، و (الصمود) الذي يتجسّد في القلاع وأساطير المحاربين، وهذه القوى ليست مجرد ملامح عمرانية أو جغرافية، بل إشارات يمكن للإنسان أن يحولها إلى مسار حياة؛ فيتعلم أن يبني قممه الداخلية ليحافظ على سموه الروحي، وأن يفتح أسواق نفسه للأخذ والعطاء في علاقاته المالية وتجربته الإنسانية، وأن يشيد قلاعه الداخلية لحماية ما هو أصيل فيه من التلاشي والذوبان. |
ودمتم |
كتبته هند عامر |
منتصف أغسطس ٢٠٢٥ |
التعليقات