نشرة سرد البريدية - #7 حين تقودك القمم إلى أعماق ذاتك: رحلة سييرا

10 أغسطس 2025 بواسطة هند عامر #العدد 7 عرض في المتصفح
في الفلسفة المكانية للقمم، الجبال ليست مجرّد تضاريس، بل اختبارات صامتة للشجاعة و التحمّل، فهي لا تمنح القمة بسهولة، ولا تكشف جمالها إلا لمن يصبر على وعورتها؛ وهي تُذكّرك دائماً بأن الارتفاع ليس فقط مسافة عمودية تقطعها، بل رحلة داخلية تتسلق فيها ذاتك قبل أن تتسلق الصخور.

أما في فلسفة إسبانيا المكانية ، فالأرض نفسها مشبعة بروح الحضارات المتعاقبة؛ كل خطوة على ترابها تحمل أثر الأندلس، ونبض قشتالة، ورائحة المتوسط، وصدى المعارك والأسواق والشعراء؛ فإسبانيا بلد يعلّمك أن التاريخ ليس ماضٍ ساكن، بل تضاريس روحية ممتدة، تمامًا كما الجبال التي تحتفظ بذكريات من عبروا عليها منذ قرون.

وعندما تتسلق قمة مثل سييرا نيفادا، فأنت في الحقيقة تجمع بين فلسفتين؛ فلسفة القمم التي تدعوك لمواجهة نفسك، وفلسفة إسبانيا التي تحتضنك بتاريخها المتنوع، كأنك تصعد فوق طبقات من الزمن والحضارة؛ كل متر ترتفعه يذكّرك بأن الإنجاز الحقيقي ليس في الوصول إلى نقطة عالية على الخريطة، بل في الوصول إلى نقطة أعمق في وعيك، حيث تتداخل قوة الجسد مع ثراء المعنى.

سييرا نيفادا

سييرا نيفادا

هنا أحكي لكم قصة تسلقي لقمة جبال سييرا نيفادا في مقاطعة غرناطة الأندلسية في إسبانيا، التي يزيد ارتفاعها عن ثلاثة آلاف متر! لقد تحولت رحلة المكان إلى رحلة الذات، فأن تخوض رحلة تسلق بلا تخطيط مسبق ثم بعد تحولات وتقلبات وتعثر ونهوض، واستلام وصبر، تجد نفسك واقفاً على القمة تتأمل العالم تحتك، فتلك قصة تستحق أن تروى، وأن يكون المكان الذي شهدها بلد مثل إسبانيا وجبال مثل جبال سييرا نيفادا؛ فذلك سبب آخر لرواية القصة.

بدأت الرحلة بقرار من مرافقي؛ ظننته مازحاً لكنه أصر؛ كنت قد حصلت على شهادة زمالة من جامعة غرناطة وأقترح أن نحتفل على القمة؛ رافقته تضامناً معه كبداية وأنا أظن أننا لن نتجاوز ١٠٠ متر، فكنت أردد أننا لانحمل أدوات تسلق وأننا نستعد لرحلة العودة للسعودية في ذات اليوم وأن مثل هذه المغامرات تحتاج إلى تخطيط، لكن البداية استمرت والرحلة لم تتوقف، وانسحب هو لأسباب تخصه وأكملت أنا! وكان هذا أول درس تعلمته إذ آمنت أن بعض الإنجازات المدهشة قد تأتي بلا استعداد ولا تخطيط مسبق، بل تسوقها الأقدار إليك، ويكون من وضعوا أساسها قد يأسوا أو ملوا أو حتى قرروا التوقف لأسباب تخصهم، فتكمل أنت مابدأوه بهمة وصبر وتنال الجائزة بطريقة مشروعة، والأهم هنا أن لا يغريك الاحتفال بالنجاح فتنسى أن تنسب فضل البدايات لهم.

رحلة طويلة

رحلة طويلة

بدت الرحلة طويلة وصعبة ومتعبة رغم المناظر الآسرة؛ لكنها تحولت لشيء آخر من التحدي وتفجر الدوبامين، وبدأت أشكك في تلك الأفكار التي سيطرت علي في بداية الرحلة: قدسية التخطيط لكل شيء وضرورة وجود ممكنات لأي مبادرة وامتلاك المهارات الكاملة لأي عمل، -ورغم تحذيرات الفرق الأجنبية التي كانت تمر بنا وهي تحمل كافة أدواتها- إلا أن المستحيل قبل البداية بدا ممكناً بعد البداية ؛ فحينما حددنا الهدف تجلت معالم الطريق، وكان هذا الدرس الثاني، فأحيانا كل مانحتاج أن نفعله هو أن نبدأ.

كلما كنت أصعد تلك القمة، كنت أشعر بأنني لا أرتقي جبلًا فحسب، بل أرتقي قرونًا من التاريخ، وألامس طبقات من المعنى، تجلت قيمي الشخصية بشكل أوضح، سمو الهمة و الرغبة في التأمل والمعنى العميق في كل ماله ارتباط حضاري أو تاريخي؛ كل خطوة تحمل عبقًا من ماضٍ بعيد، فقد كانت الأرض تحت قدميّ تروي قصصًا عن طرق القوافل بين غرناطة والبحر، وعن المزارعين الذين روّضوا سفوحها بمدرجات خضراء، وعن العلماء والشعراء الذين نظروا إليها فاستعاروا بياضها لوصف الصفاء، نعم تعلمت أنه كلما تعتلي وتسمو تتضح لك قيمك أكثر وترسخ أكثر.

سمو

سمو

عوضاً عن النظر للأسفل؛ أصبحت لا أنظر إلا إلى الأعلى! كان هذا التحول في السلوك نتيجة لرحلة تحول في القناعات والمشاعر؛ تأملت جبال سييرا نيفادا، والثلج يلمع تحت الشمس، وأنا أشعر و كأنه مزيج من البياض والصمت، لكن لم يكن الجبل جدارًا صامتًا كما ظننته، بل كلما كنت أتسلق كان يبدو لي وكأنه كائن حيّ يراقبك ويختبرك، ثم يهمس: “لاتخف من القمة"، أدركت حينها أن خوفنا الحقيقي ليس من خطر الارتفاع والوصول، بل من الخطوة الأولى.

بدأت التحديات تتالى، مسافات طويلة، برودة شديدة، نقص في الأكسجين، ألام متفرقة، وإجهاد يتزايد، لكن إيجاد طرق للتكيف كان أسهل مما توقعت، بل أن كل قمة صعدتها بعد ذلك، سواء كانت قرارًا مهنيًا، أو مواجهة مع ذاتي، أو فقدًا؛ كلها علمتني إعادة ترتيب حياتي، قد تخيفنا القمم قبل أن نصلها، لكن تمنحنا سلامًا حين نبلغها، حيث تجبرنا على ترتيب تلك الفوضى والتجاوز، كأن الجبال، مثل الحياة، لا تعطيك القمة إلا إذا تكيفت وأثبتَّ أنك قادر على حملها بداخلك.

تكيف

تكيف

في الوقت الذي كنت أظن أنني أحوض تحدي مع جبل، إلا أنني خضت تجاربا مع الناس على طول الطريق، وكان فيها من العمق مايكفي، فقد اكتشفت في مرافقي المغامر جوانب ماكنت لأكتشفها لو لم نقرر خوض المغامرة، ثم رأيت فرق تسلق من عدة جنسيات وهم يخوضون معنا حوارات عن الأمان والدوبامين والصبر من وحي ثقافاتهم وأديانهم؛ لأدرك بعدها أن  إسبانيا المكان ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة حية تتنفس بالحضارات التي مرّت من هنا؛ رومان وڤيسيغوث وعرب وأندلسيون، وكل أمة تركت في الحجر والنقش والهواء أثرًا لا يُمحى، اختبار العلاقات على ارتفاع آلاف المترات كان يمنحها  من تجلي الصدق والوضوح والجمال والألم مايكفي.

آثار العابرين

آثار العابرين

كانت الرحلة، في مواجهة الأفق، وكنت أجد آثار لمتسلقين سبقونا وتركوا كتابات ورسومات على الحجار الصامدة، فأدركت أن فلسفة المكان في إسبانيا تقوم على شيء أعمق من الجمال الطبيعي: إنها فكرة أن المكان ليس ملكًا لجيل واحد، بل هو مشروع حضاري طويل، تتوارثه الأيدي والعقول، وتضيف كل حضارة طبقتها، حتى يصبح الجبل مكتبة مفتوحة، يقرأها من يعرف لغة الصخور والرياح، ومنذ ذلك اليوم، صرتُ أنظر لكل مكان أسكنه أو أزوره كفرصة لترك أثر… صغير ربما، لكنه سيكون طبقة في جبلٍ سيلهم الآخرين بعدي.

انتهت رحلتي بالوقوف على القمة، لم يكن الجبل مجرد تضاريس، بل مدرسة صبر وهدوء، فعند القاع، ترى القمة بعيدة، فتتردد؛ ثم في منتصف الطريق حينما يثقل ظهرك ويُرهق قلبك تكتشف أن نصف المسافة هو نصف الشجاعة، وحينما تصل إلى القمة، تدرك أن كل خطوة صعبة كانت تمنحك طبقة إضافية من القوة، وأن الجمال لا يُرى إلا من الأعلى؛ ثم تتنبه أخيراً إلى أن “البقاء في القمة لا يقل صعوبة عن الوصول إليها”.

ودمتم

كتبته: هند عامر

مشاركة
نشرة سرد البريدية

نشرة سرد البريدية

سرد، نشرة تمضي فيها هند عامر إلى عمق الحكايات، لا لترويها فحسب، بل لتُصغي إلى ما بين سطورها؛ هناك حيث تتشكّل البصيرة، ويتهذّب الشعور، ويتجه السلوك نحو وعيٍ أعمق. ففي كل قصة مرآة، وفي كل سرد سؤالٌ يباغتنا: هل تكفي حكاية لتغيير مسار حياة؟

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة سرد البريدية