نشرة سرد البريدية #6 : أي طريق يسلكه الناجون من الفقد؟

3 أغسطس 2025 بواسطة هند عامر #العدد 6 عرض في المتصفح
يموت الإنسان، فتبدأ جغرافيا الحنين، ويتحوّل المكان من مجرد موضع إلى توليفة شعور، يتحول مقعد في المجلس، أو ركن في المطبخ، أو رصيف لطريق ، إلى تفاصيل ناطقة، تبدأ خافتة ثم تصبح أشد ضجيجًا ووحشة!

 

 

ما يميّز “وحشة الأماكن” أنها لا تحتاج لمن يحدثك عنها؛ يكفي أن تمرّ بجانب البيت، أو تدخل غرفة، أو تفتح بابًا، حتى تنهض الذكريات من سباتها الطويل، فالمكان يربط الذاكرة بالجسد، وحين يغيب من تحب، لا تغيب صورته فقط، بل تفقد أنت قدرتك على التفاعل مع المكان كما كنت، ويصبح الأمر كما قال إدوارد سعيد: “المنفى أن يُسلب منك شعورك بالألفة”، ونحن في فقد من نحب، نُنفى من الألفة، من رائحة القهوة، من صوت الباب، من الضوء الذي كان ينبهنا لحضورهم.

 

 

حينما دخلت مغسلة الموتى لأرى جثمان والدي المسجى بعد حادث سيارة مفاجئ، واجهت أقسى موقفين؛ الأول حينما طلبت مني المرأة المُغسلة أن أرفع الغطاء عن وجهه! فكرة أنني سأرفع الغطاء عن وجه أبي وهو جثة هامدة بعد أن كنت أجلس بجواره قبل يومين وأمازحه؛ كانت عصية عن التصديق، رغم أنني أتيت للمغسلة لأني أردت أن أصدق ذلك، أن أستسلم وأسلِّم، أن أرضى بأقدار الله، لكن بدا وكأن يداي أصيبت بالشلل وبذلت جهداً حتى استطعت تجاوز الموقف.

الأمر الثاني: حينما طلبت مني المرأة المغسلة أن أخرج من المغسلة ليمهدوا الجثمان للصلاة عليه، لم أستطع الخروج، بل فزعت من فكرة الخروج وأنا أعلم يقيناً أنها المرة الأخيرة التي سأكون فيها بجواره، وأنني سأبتعد هذه المرة للأبد، كانت المرأة تكرر طلب الخروج وأنا أنظر لها ذاهلة، كنت أتسائل كيف أخرج وأواجه هذا العالم بدونه؟! كيف أتحمل قسوة أن أعود للبيت، فلا أجد فيه من كان فيه روحًا وسندً؟! كل زاوية تحكي عنه، كل رائحة تُشير إليه، كيف أخرج؟! وبعدما أخرجوني بالقوة وعدت للمنزل، ووقفت أمام الباب في حالة فزع، ثم غمرني شعور غريب؛ لم أكن أؤمن بأن الأماكن تتألم معنا، لكني لوهلة شعرت أنها تفعل.

 

 

تزداد الوحشة من الأماكن وتمضي شهراً، أو عاماً،  أو  عمراً كاملاً؛ قبل أن تتراجع لتسأل نفسك: هل كل الأماكن تحوّلت إلى جراح فعلًا؟ هل يمكن أن أجد في المكان نافذة شفاء بدلًا من سجن حزن؟ هل نواصل الهروب مقنعين أنفسنا أن هذه الأماكن لم تعد لنا أم نتوقف ونتذكر  أنها شهدت وجود من نحب؟! وربما هي تحتوينا الآن بطريقتها الخاصة؟! 

وحشة الأماكن بعد الفقد تشبه الصدى اللي يردّد الألم حتى لو مر وقت طويل؛ والذي يجعلها ذات سطوة أنها خليط بين ارتباط مادي محسوس وعقلي رمزي غير محسوس؛ وهذا يجعلها قادرة على أن تعصف بمشاعرك أولاً ثم ربما بعقلك وحياتك إن لم تتداركها، ولكي ننجو نحتاج أن نتسائل: هل الحزن على من نحبّ دليلاً على ضعفنا أم على عمق ما كان بيننا؟! هل من ماتوا رحلوا وتركونا في مهب الريح أم تركوا خلفهم قيماً تُضيء طرقنا حين تطفأ المصابيح؟! هل يجب أن نواصل العيش لأنفسنا أو نعيش لأجل أن نكمل ما بدأوه؟! هل الوفاء يعني الحزن الأبدي أو أن نحيا بطريقةٍ تليق بمن نحبّهم؟! هل الموت هو ما يُطفئهم أو  النسيان؟! 

ومع الكثير من هذه ال(هل؟) تتجلى الكثير من الإجابات التي تجعلنا ننتقل لمرحلة سكينة ترمم ما سبقها من اضطراب.

  

  

بدلاً من الهروب من غرفة الجلوس، ستجلس فيها بضع دقائق وستتذكر بعض الأحداث الجميلة التي ستلم شعثك، ستتعامل مع الأماكن بوفاء أكثر بعد أن كنت تستوحش منها، لن تجبر نفسك لكنك ستقترب شيئًا فشيئًا بروح متصالحة، ثم ستطلق لنفسك العنان ستردد: لن أخفي دموعي، لكن سأسمح لها بالانسياب دون أن تُغرقني، وستبدأ في تنفّس عميق عند الدخول لمكان يحمل ذكرى ثقيلة وتواصل الدخول والبقاء، وقد تواجه الأمر بكتابة رسالة لمن فقدته بعد رحيله، ثم ستنهض وتغادر المكان وأنت تكرر: “أنا أتألم، لكنني أتعافى.”

 

 

في بدايات الحزن، كنت أهاب الأماكن التي شهدت حضوره! واليوم، نظرت للسماء ودعوت بقلب يملؤه حسن الطن بالله؛ ثم خطوتُ نحو الأماكن الموحشة بخطى مرتجفة، لكنني لم أتراجع، نعم لم تكن الغرفة التي رأيته فيها حياً لآخرة مرة أقل وجعًا، لكنها صارت أصدق، صارت مرآة لما بقي منّي بعده، واليوم بعد إحدى عشرة عاماً أدوّن ذلك ؛ لا لأحتفل بالقوة، بل لأتذكّر أن النجاة لا تحدث دفعة واحدة، بل على هيئة تصالحات صغيرة مع الألم، فهكذا يُقاس التقدّم بعد الفقد، فنحن نتقدم بمقدار ما نكفّ عن معاداة هشاشتنا ونستعين بخالقنا.

ودمتم..

كتبته: هند عامر

م. طارق الموصلليحنان2 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة سرد البريدية

نشرة سرد البريدية

سرد، نشرة تمضي فيها هند عامر إلى عمق الحكايات، لا لترويها فحسب، بل لتُصغي إلى ما بين سطورها؛ هناك حيث تتشكّل البصيرة، ويتهذّب الشعور، ويتجه السلوك نحو وعيٍ أعمق. ففي كل قصة مرآة، وفي كل سرد سؤالٌ يباغتنا: هل تكفي حكاية لتغيير مسار حياة؟

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة سرد البريدية