|
|
|
لم يكن حزن الجنازة وحده ما أثقل خطاي البارحة!
|
|
|
عدت من جنازة أستاذي والشمس تفرغ نارها على المدينة إفراغا، كأن السماء قد عقدت عزمها على أن تمتحن الأحياء بعد أن ودّعوا ميتهم. كنت وصاحبي نمشي في شارع طويل يلمع تحت القيظ لمعان الحديد المحمّى، نبحث بأعين متعبة عن سيارة أجرة تأخذ عنا بعض ما بقي من عناء النهار. ولما استجابت لنا واحدة بعد طول انتظار، ظننت أن يومي قد أوشك على الانتهاء. لكن الأيام، حين تريد أن تعلّمك شيئًا، لا تستأذن! نزل صاحبي في منتصف الطريق، ومضيت وحدي. كنت أراقب الشوارع من وراء الزجاج دون أن أراها حقّا؛ فما زالت صورة أستاذي جمال تتأرجح في ذهني بين التراب والدموع ووجوه المشيعين. وحين توقفت السيارة بالنخيل، نزلت على عجل، كأنني أهرب من الشمس نفسها. سرت خطوات..خطوتين...ثلاثًا، ثم وضعت يدي في جيبي لأخرج الهاتف. لا شيء! أعدت المحاولة.. لا شيء أيضا!! في تلك اللحظة شعرت أن شيئا انطفأ في داخلي. أخذت أفتش جيبا بعد جيب، كما يفتش المحكوم عليه بالإعدام عن ثغرة في جدار زنزانته. ثم وقفت برهة في مكاني فجأة... كنت أعرف! كنت أعرف تماما أين تركته. رأيته بعين الذاكرة أو لفلاش باك واضحا جليّا، مستلقيا فوق المقعد الخلفي، وراء السائق مباشرة، كطفل غفلت عنه أمه لحظة واحدة. غاب الهاتف!! وغابت معه أشياء كثيرة!! صور! رسائل! أرقام!! سنوات كاملة اختبأت في تلك القطعة الصغيرة من المعدن والزجاج. بل إن الأمر كان أفدح وأعظم من ذلك، لكنني لم أكن قد تذكرت بعد. مضيت نحو البيت وأنا أشعر أن العطش قد استوطن حلقي. شربت الماء فلم يروِني، وجلست أسترجع ما حدث، لكن التفكير داخل الجدران يشبه دوران الطائر داخل القفص؛ لا يوصلك إلى مكان. خرجت أبحث عن نجاة... لعل معجزة تحصل. استوقفت سيارة أجرة. أخبرني صاحبها أنه في استراحة ولن يعمل، نظرت إليه نظرة من يحتضر، لكن شيئًا من اضطرابي رقّق قلبه. ناولني هاتفه لأتصل برقم هاتفي. رنّ. رنّ مرة أخرى! كان الرنين يومئذ أجمل من الموسيقى. قال السائق:هل تتذكر رقم السيارة؟ فكأن بابًا كان مغلقا في ذهني قد انفتح دفعة واحدة. نعم. 1225 ويْحِي لماذا لم يخطر ببالي هذا الرقم من قبل؟ أشار عليّ بالتوجه إلى موقف سيارات الأجرة بالمحطة. ومن هناك بدأت رحلة نجاتي... كنت أتنقل بين السيارات والوجوه والدعوات. بعض الناس كانوا يغدقون علي بالدعوات ، لكنها كانت تكفي لتشد ما أوشك أن ينقطع في داخلي. أحد السائقين أخذ يطمئنني، وآخر أعارني هاتفه لأعاود الاتصال. كنت أسمع الرنين فأتنفس، وأسمع الصمت بعده فأختنق... وحين وصلت المحطةَ، كان الشرطي يصغي إليّ بهدوء، إنه الرجل المناسب في المكان المناسب، لازال شابا في الأربعينات من عمره يجلس في كرسي يمسك بقلم أزرق، وفوق مكتبه دفتر كبير يسجل أسماء من فقد قطعة من فؤاده، أو نسي شيئا في كنبة التاكسي... ذكرتُ له الرقم. فاتصل بالسائق. وأثناء حديثه، هبطت عليّ مصيبة ثانية. بطاقة التعريف الوطنية، كانت مرفقة مع الهاتف! ويحك يا هذا حتى بطاقة الهوية؟؟شعرت يومها أن المصائب تداعت عليّ كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقد الأستاذ وفقد الهاتف والبطاقة!! أخبرته أن البطاقة خلف الهاتف فهز حاجبيه في ذهول، وقال للسائق: له بطاقة أيضا ابحث عنها خلف الهاتف.. ثم ساد صمت قصير.. قصير في حساب الزمن، طويل في حساب الخوف. أغلق الشرطي الهاتف بهدوء!! نظرت إليه مترقبا! ابتسم! وكانت ابتسامته أول بشارة في ذلك اليوم. قال: السائق في طريقه إليك. لا أذكر ما الذي شعرت به لحظتها! كل ما أذكره أن الدنيا اتسعت فجأة بعد أن كانت تضيق عليّ كحلقة من حديد. وبعد دقائق دخل السائق. كان يحمل الهاتف والبطاقة. نظر إليّ مبتسما وقال: هذا نتا!! ههههه ثم أضاف وهو يناولني الأمانة: هذه دعوات الوالدين معك.واسترسل قائلا: ينبغي لك أن تشكر الفتاة التي وجدت الهاتف ولم تتردّد، نظرتُ في وجهه، تأملته كثيرا، أردت أن أنبس بشيء لكن عَبَراتي قاومت لساني... أخذت الهاتف بين يدي كما لو أنني أستعيد شيئا من نفسي لا مجرد هاتف ضائع. وقّعت في سجل المفقودات وتركتُ بصمتي، وخرجت. كانت الشمس ما تزال حارّة.والشوارع هي الشوارع! لكن شيئا واحدا كان قد تغيّر: كنت أرى العالم أقل قسوة مما رأيته قبل ساعة... سائق التاكسي 1225 بارك الله في رزقك، ورحم والديك.
|
|
|

SAM
نشرة SAM، عدسات ترصد الأحداث من زوايا مختلفة وبلمسة إبداعية تلهمك في كل عدد.
التعليقات