جارٍ التحميل…

لا أحد يستطيع امتطاء ظهرك إلا إذا كنتَ منحنيا ج2 - العدد 107#

3 أبريل 2026 بواسطة سـامـي #العدد 7 عرض في المتصفح
    تتمة القصّة

    بعد ليلة قضاها يوسف مع أصحابه يخططون لما سيفعلونه الأيام القادمة، قسّم الشباب الأدوار فيما بينهم بحسب مهارة وتخصص كل واحد منهم في مجال معيّن، فكان دور يوسف كتابة الإعلانات والمقالات ومحاورة الضيوف عبر موقع ديسكورد، والآخرون تنسقم أدوارهم في مجالات المعلوميات والتصميم، والأمن المعلوماتي، والجانب القانوني...

   كان يوسف يعي صعوبة الأمر وخطورته وأنّ أدنى خطإٍ يقترفه هو ومجموعته قد يؤدّي به إلى مصير سحيق.
وأوّل ما فكروا فيه هو: كيف نثير مشاعر الشعب ونخرجه من صمته الكئيب، ونصيّره من البُكمة القاتلة إلى الناطقية الفاعلة؟

   فتح الشبابُ صفحاتٍ في مختلِفِ تطبيقات التواصل الاجتماعي وبدأوا في نسج الحروف التي تُهيّج البراكين الخامدة، لعلها تستفيق من سُـباتها وتثور على واقعٍ أرخىٰ سدولَ ليلِه على الناس بأنواعِ المظالمِ والألامِ. 

ما إن بدأوا بجذب الناس إليهم ودعوتهم إلى الخروج والتظاهر سلميًا والتعبير عن غياب الحقوق الصحية والتعليمية، حتى صارت الساحات العامة تمتلئ بالناس الثائرة وكان أكثر الثائرين شبابٌ في مقتبَل العُمر بل إن أعمارهم تكاد لا تتجاوز الثلاثين. 
رأى يوسف أن الأمر ينجح بالفعل وأن البراكينَ الخامدة استفاقت وثارت على هذا الظلم، وفرح أكثر حينما رأى الاحتجاجاتِ سلميةً فلا اعتداء على الممتلكاتِ ولا تخريبَ للطّرقات، فرأى أن الأمور تحت السيطرة وقريبا ستؤتي الثمار أُكلها!!

لكن ما لم يتوقعه يوسف أن الجانب الآخر من الضفّة السُّلطوية ستعمد إلى إخراج بطاقتها من صندوقِ المقاربة الأمنية، -والذي كان من المفترض إخراجها بعد قراءة الوضع قراءةً عميقة تحليلية- فكانت الهراوات لا تخطى أحدا! وساوت بين الرجل والمرأة، وكان الشباب يُحملون كأكياس الإسمنت فوق أكتاف رجال الأمن أو أعوانهم، وبعضهم حُملوا بطريقة لا تليق، وتمس بكرامة الإنسان.

نظر يوسف ورفاقه للمشهد الذي يتشكل أمامهم، لوحة فنية لشباب ثائر مسالم، وسلطة في عينيها شرارة الكِبر والحقد والتهجّم.

قال يوسف وهو يوجّه بَنانه نحو تلك اللوحة: آن لنا أن نحمل نعشَ هذه البلاد، التي فرّطنا في حمايتها من هؤلاء الغوغاء.

واسترسل يوسف في الحديث قائلا: رفاقي إن القلب لَيَحْزَنْ وإنّ العينَ لَتَدْمَع شفقةً لما تراه من واقع!! وإني أدركتُ أخيرا أن مصطلح السّلم مع هؤلاء لا ينفع!!

قاطعَه صديقه زيد وقال: إياك والتفكير بتغيير أسلوب الاحتجاج... لن ينفعنا الاصطدام وسيزيد الطين بلّة، إنه سقوط حرّ باتجاه المتاهة اللامتناهية!! إن فعلت ذلك يا يوسفُ فسنَهوي جميعا في حفرة  سبعين خريفا، وحينئذ لا قائمة لنا!

أعادت تلك الكلمات يوسف إلى رشده وعرف أنّ ما يفكر فيه قد يشكل خطرا على الكل، وقد يجرّ البلاد  نحو مصير لا يرضاه أحد.

لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، تجمّع المتظاهرون في الساحات مرة أخرى، وقد استعدّت لهم السلطات الأمنية وتمركزت في أماكنها.

بعد مرور دقائق معدوداتٍ على التجمّع حدث ما خشيته السلطة!! حصل ما فكّر فيه يوسف وتراجع عن التفكير فيه، لقد انجرّت الجماهير الشبابية نحو التخريب والهجوم على رجال الأمن والممتلكات العامة والخاصة وكل ما وجدوه في طريقهم خرّبوه!!

 كل هذا سببه السّلطة التي استعملت المقاربة الأمنية بغرض كبت هذه "الثورة" وقمعها وكبح جماحها...

نسيت السلطة أن هذه الخيول سيأتي عليها يومٌ وتقطع اللُّجم، وتضبح في الساحات بأنفاسها الحارّة ولن تسمح لأحدٍ باعتلائها ولا بأن يوجّه لها الأوامر!

لقد أخطأت السّلطة، أخطأت! وقد كان ينبغي لها أن تدنو من الخيول الشابّة وتنزل من على البرج العاجي الذي بنته لنفسها... وتزدلف إليهم بفتح باب الحوار والتواصل والإصغاء لما يعانوه...

ولعل إدارة الأزمة في الدولة ظلّت تفكر بالعقلية القمعية التي صبغت تفكيرها على مدى فترات متباعدة. كانت المشكلة في أنّ هذه العقلية البائسة تجعل خيارات الدولة ضيقة بشكل صارخ، ومحدودة بشكل مؤسف؛ كل الخيارات تؤدي إلى المستنقع ذاته: اعتقال، قمع، مصادرة حريات، محاربة في الرّزق،... وفي كل مرة تؤدي هذه الممارسات إلى نتائجَ عكسية على غير هوى الدولة، والغريب أنها في كل حادثة تكرر الخطأ نفسه، أهو غباء سياسي؟! أم استغباء؟! كانوا يقولون: الشعوب تنسى؛ لها ذاكرة السمك. تُعتقل في المرة الأولى فيحدث ما يحدث... لِمَ نجرب الاعتقال مرة أخرى!! 

لم يدُر في خَلَدِهم أنّ من السمك حيتانا يُمكن أن تبتلع كل ما يقف في طريقِها!! وفي كل مرة تهوي على رؤوسهم الحقيقة التاريخية بلا مقدماتٍ؛ الحقيقة التي كانوا أبعدَ من أن يفهموها أو يتآلفوا معها: الممارساتُ القمعية تزيد الأفكار ثباتا وانتشارا. 

انتهــى.

---------------------------------------------------

ننهي القصة، وينتهي  العدد.

إلى عدد آخر قريبا.

العدد السابق: هنــــا

PassagerSAMوكيل البداوي3 أعجبهم العدد
SAM

SAM

نشرة SAM، عدسات ترصد الأحداث من زوايا مختلفة وبلمسة إبداعية تلهمك في كل عدد.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات …

المزيد من SAM