
دكتوراه
لماذا يرغب غالبية الناس في الحصول على درجة الدكتوراه؟ سؤال قد يبدو غريبًا بعض الشيء. هل فعلًا من أجل الحصول على المزيد من العلم والمعرفة؟ أم لأسباب أخرى؟
منذ أن كنت طالبة في المرحلة الجامعية، كنت أرغب في نيل درجة الدكتوراه وبشدة. كان حلمي أن أنال درجة الدكتوراه، ولكن دون أن أعرف السبب وراء تلك الرغبة، أو لماذا أريد هذه الدرجة العلمية حقًا. آنذاك كنت شابة صغيرة، لا أبحث كثيرًا عما وراء تلك الرغبات، ولا أُفلسف الأمور. ولكن مع مرور الوقت، وخوض الكثير من تجارب الحياة، وتحقيق المزيد من النضج والتفكير بعمق، اكتشفت أن السعي لنيل درجة الدكتوراه، أو أي درجة علمية أخرى، قد لا يكون هو رغبتنا الأصلية أو الحقيقية، بل قد يكون رغبة آبائنا، أو أصدقائنا، أو مجتمعنا، أو من أجل نيل الرضا والمكانة في المجتمع، أو من أجل تحقيق المزيد من الاحترام والتقدير. باختصار، لنرضي الآخرين قبل أن نرضي أنفسنا بالدرجة الأولى.
أمي فاطمة، التي لم تسنح لها الظروف بالالتحاق بالمدرسة النظامية لظروف مجتمعية خارجة عن إرادتها، ما إن افتُتحت فصول محو الأمية في حيها حتى التحقت بها وحققت تفوقًا. واكتشفت أن والدتي تحب العلم كثيرًا. وكانت رغبتها أن يدرس أبناؤها الطب ويصبحوا أطباء. وبما أن ميولي ليست علمية، ولا أرغب في دراسة الطب، أحببت أن أرضي أمي وأحقق درجة الدكتوراه. والمفارقة أن رغبة والدتي قد تحققت بأشكال أخرى، فأصبح عدد من أحفادها أطباء. ورثنا عن أمي حب العلم والتعلم. أمي قارئة في المأتم، وحافظة للقرآن.
ومن خبراتي في الحياة، قد نجد أفرادًا يسعون ويبحثون وينجزون بحوثًا علمية أو منجزات أدبية مهمة، قد تكون أعلى شأنًا من بحث الدكتوراه نفسه.
الكثير من الرغبات تراودنا، ولا نعرف مصدرها ولا من أين أتت، ثم نعتقد أنها رغباتنا الحقيقية. ولكن بشيء من البحث والتمهل، نجد أن تلك الرغبة المحمومة التي تراودنا إنما هي تلبية لرغبة الأم، أو الأب، أو المجتمع، أو لتحقيق مكانة اجتماعية. هنا، في هذه الحال، نحن نبحث عن القيمة لا المتعة. أما المتعة فتأتي من ممارسة شغفنا الحقيقي الذي وُلدنا به، وتطويره والارتقاء به. المجتمع يحتاج إلى كل المهن وكل الوظائف، ولا تقتصر القيمة على تخصص علمي بعينه.
في حين أننا لو كنا نعمل على تحقيق رغبة تجتذبنا، وعمل يستغرقنا حتى ننسى أنفسنا، فهذا يمثل شغفنا الحقيقي. وهذا العمل نفسه هو ما سيحقق لنا المتعة والسعادة، وكذلك الغنى، ربما أكثر مما تحققه لنا الدرجة العلمية.
لماذا نبحث عن القيمة؟ هل الدرجة العلمية تمثل دائمًا طموحنا الحقيقي؟ وهل نحن ناقصون حتى تكملنا الدرجة العلمية؟
التعليقات