
تحضرني الأغنية الجميلة التي يقول مطلعها:
“يا القيظ مرحب تعب وياك ما نخلى
صب العرق والبذر لابد بنخله
يا القيظ في كل سنة أموت في نخله”
وهي من كلمات الشاعر الراحل علي عبدالله خليفة، تلك الكلمات التي عبّرت بصدق عن علاقة الإنسان بالنخلة، تلك العلاقة التي لم تكن يومًا مجرد علاقة بمصدر للغذاء، وإنما علاقة بالأرض والهوية والذاكرة والانتماء.
كان يطلق على البحرين يومًا بلد المليون نخلة، لكنها، للأسف، لم تعد كذلك. فقد زحف العمران، وامتدت كتل الإسمنت، وسرقت كثيرًا من مزارع النخيل التي كانت تنتشر في أرجاء البحرين، حتى أصبحنا ننحاز إلى البناء على حساب النخلة، وكأننا استبدلنا الظل بالحجارة، والخضرة بالخرسانة.
ويقول علي عبدالله خليفة في ديوان عطش النخيل: مزارع النخيل يا حبيبتي ينام تحت ظلها التعب،
ويرقص الفراش والذباب هانئًا ويسرق الرطب.
ما أجمل هذا التصوير الذي يجعل من مزارع النخيل مكانًا للحياة والطمأنينة، حتى التعب يجد فيه موضعًا ليستريح، وتشارك المخلوقات الصغيرة أفراح الموسم بخيرات الرطب.
نحن أبناء الخليج ارتبطنا بالنخلة ارتباطًا وثيقًا، فهي ليست مجرد شجرة، بل رمز لثقافتنا وتاريخنا العريق، وشاهد على حياة الآباء والأجداد. أما في البحرين، فقد اجتُثت أعداد كبيرة من مزارع النخيل مع اتساع رقعة العمران، حتى غدت كثير من الأماكن التي كانت تعج بالنخيل مجرد ذكريات. ولو كان القرار بيدي، لمنعت اقتلاعها، ولحافظت على ما تبقى منها، لأنها جزء من روح هذا الوطن، وليست مجرد أشجار يمكن تعويضها.
منذ طفولتي الباكرة، كنت أرى النخيل في كل مكان. ورغم أننا لم نكن نملك مزرعة خاصة، فإن النخيل كان يحيط بنا أينما ذهبنا؛ في الطرقات، وبين البيوت، وفي البساتين التي كانت تملأ القرى. كان حضوره جزءًا طبيعيًا من تفاصيل الحياة، حتى أصبح وجوده في الذاكرة كوجود البحر.
ومع انتقال الناس إلى البيوت الحديثة المشيدة بالإسمنت، ظل الحنين إلى النخلة يسكن القلوب ولا يغادرها. وعندما تزوجت وسكنت في بيت حديث، كان أول ما حرصنا عليه أن نزرع نخلة في حوش بيتنا الصغير. كانت يومها غرسة صغيرة، ثم كبرت، وكبرنا معها عامًا بعد عام، حتى أصبحت اليوم نخلة باسقة، تهبنا كل صيف رطبًا جنيًا، وتملأ المكان بهجة وظلالًا وذكريات. قد لا أملك حديقة واسعة، لكن هذه النخلة تكفيني عن ألف حديقة.
ولأن محصولها وفير، ويزيد على حاجتنا، اعتدنا أن نهدي الأهل والأصدقاء جزءًا من خيرها. فما إن يحل الصيف، حتى يترقب الجميع نصيبهم من رطب نخلتنا، وكأنها أصبحت عادة موسمية جميلة تجمع بين المحبة وصلة الرحم. ونخلتنا من صنف الخلاص، ورطب الخلاص من أطيب أنواع الرطب وألذها مذاقًا.
وأتساءل أحيانًا: ما الذي يدفعنا إلى زراعة النخيل في بيوتنا؟ أهو الحنين إلى الماضي؟ أم الخوف من أن نفقد هذا الرمز الجميل؟ ربما الأمران معًا. فالنخلة تسكن القلب قبل أن تسكن الحديقة، وتعيش في الذاكرة قبل أن تمتد جذورها في الأرض.
وماذا عن الأجيال الحديثة التي لم تتفتح أعينها على مزارع النخيل، ولم تلعب بين ظلالها، ولم تعرف متعة انتظار موسم الرطب، ولم تعلق عقد الخلال على صدورها، ثم تقطمه بأسنانها الصغيرة؟ إنهم لم يعيشوا تلك التفاصيل البسيطة التي كانت تصنع طفولتنا، ولم يدركوا مقدار الفرح الذي كانت تمنحه لنا النخلة في كل موسم. ولعل زراعتها في بيوتنا اليوم ليست سوى محاولة جميلة لتعويض شيء من ذلك الفقد، ولإبقاء هذه العلاقة حية في نفوس أبنائنا وأحفادنا.
أما الرطب الذي يزداد نضجه، فنطلق عليه اسم الهامد، حيث تزداد حلاوته، فنصنع منه الرانقينة، والعصيدة، وغيرها من الحلويات الشعبية التي ارتبطت بذاكرة البيوت البحرينية والخليجية. وبرغم أنني أخشى ارتفاع مستوى السكر، فإنني لا أقاوم إغراء تناول بضع حبات من الرطب، وإلى جوارها فنجان من القهوة العربية.
ولأن القهوة العربية تُعد بلا سكر، فقد جرت العادة أن يرافقها طبق من الرطب أو التمر، فأصبح هذا المشهد تقليدًا أصيلًا يميز بيوتنا، ويرمز إلى الكرم وحسن الضيافة، كما يختصر شيئًا من هويتنا وتراثنا.
ستظل النخلة بالنسبة لنا أكثر من شجرة؛ إنها ذاكرة تمتد جذورها في الأرض، وأغصانها في القلب. وكلما رأيت نخلة باسقة، أيقنت أن شيئًا من البحرين القديمة ما زال حيًا، يقاوم النسيان، ويخبر الأجيال القادمة أن هذه الأرض كانت يومًا تعانق السماء بمليون نخلة.
التعليقات