من السنن الكونية القدرية التي جُبلت عليها طبائع البشر: وقوع الخلاف والنزاع؛ غير أن هذا الخلاف ليس متروكًا لأهواء النفوس وغرائزها، بل محفوفٌ بسياجٍ متينٍ من أخلاق الشريعة ومقاصدها. وإذا كان الصمت في أوقات العافية منجاة، فإن الكلمة في أوقات الخصومة = موضعُ ابتلاءٍ عظيم، ومزلةُ قدمٍ قلَّ من ينجو منها إلا من رُزق بصيرةً بنفسه، وشهودًا لأسماء ربه وصفاته وتعبد بها.
بين حين وآخر، وفي غمرة الخلافات التي نعايشها -سواءً أكانت فكرية، أو عقدية، أو حتى شخصية- تتكشف لنا حاجة ماسة لتذاكر معالم الإنصاف؛ تلك المعالم التي حررها الأئمة لتفصل بين "بيان الحق" وبين "حظ النفس" وما في ذلك من آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها.
ومما يصلح أن يذكر في هذا الباب، ثلاثية أبي العباس أحمد زروق ( 899 هـ) حين قعّّد لضوابط الكلام في المسلم ومواضع الاستثناء فيه، فجعل الأصل هو الحرمة والستر، ثم قال مبينًا ضوابط الاستثناء: «إلَّا فِي مُوجِبِ حُكْمٍ بِقَدَرِه، مِن غيرِ تتبُّعٍ لِمَا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحُكْم، وَلَا ذِكْرِ عَيْبٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ»‹1›.
وهذا النص المقتضب، لو أُعمل في واقعنا المعاصر = لحسم مادة شرٍ مستطير، ولأغلق أبوابًا من الفجور في الخصومة أهلكت وأضرت بنفوس وقلوب كثيرين. ويكفي تدبرها - هذه الثلاثة- وإعمال النظر فيها لترى كيف تُهذب مسالكنا في الخلاف، ومن باب المشاركة في بيانها أكثر:
بدأها بقوله: «إلَّا فِي مُوجِبِ حُكْمٍ»:
وهذا هو القيد الأول؛ فالأصل هو صيانة عِرض المسلم، ولا يُباح الكلام فيه إلا لوجود مصلحة أو مُسوِّغٍ شرعي حقيقي يوجب ذلك، كالقضاء، أو التحذير من بدعةٍ أو ضررٍ متعدٍ، أو الاستفتاء.
وهذا الأمر -أي الحديث عن الناس- يشترط فيه «أَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ وَأَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ مِنْ الْعُيُوبِ عَلَى مَا يُخِلُّ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ خَاصَّةً الَّتِي حَصَلَتْ الْمُشَاوَرَةُ فِيهَا أَوْ الَّتِي يَعْتَقِدُ النَّاصِحُ أَنَّ الْمَنْصُوحَ شَرَعَ فِيهَا أَوْ هُوَ عَلَى عَزْمِ ذَلِكَ فَيَنْصَحُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ»‹2›. لكن المشكلة التي نقع فيها غالبًا هي أن النفس تتزين بلباس "النصيحة" و"التحذير"، بينما في بعض الأحيان حقيقتها الدافعية هي الانتقام والانتصار للنفس أو إظهار العلو على المخالف!.
والصحيح أن الكلام يشترط فيه أن يقصد صاحبه «به بَذْلَ النَّصِيحَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَظٍّ آخَرَ. وَكَثِيرًا مَا يَغْفُلُ الْإِنْسَانُ عَنْ ذَلِكَ فَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى التَّكَلُّمِ بِهِ حِينَئِذٍ لَا نُصْحًا وَيُزَيِّنُ لَهُ أَنَّهُ نُصْحٌ وَخَيْرٌ»‹3› والله المستعان.
فمن غاب عنه هذا الضابط = جعل من أخطاء الناس مادةً للحديث في المجالس بلا موجبٍ ولا حاجة، وهذا من صريح الغيبة، ولا يخفى ما جاء فيها وما كان من جنسها.
ولا يخفى على من طالع ضوابط الغيبة أنها قد تجب أو تباح في أحوال، كما نظمها بعضهم‹4› :
الْقَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ
وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إزَالَةِ مُنْكَرِ
فهذه حالات الست يباح فيها التكلم والحديث بضوابط وشروط وحدود.
وقوله: «بِقَدَرِه» توضح لك فقهًا دقيقًا.. فالضرورة تُقدر بقدرها كما هو معلوم. فإذا استدعى المقام ذكر عيبٍ في شخصٍ لصدِّ أذاه أو تقويمه، وجب أن نقف عند الحد الذي يحقق المقصود ولا نتجاوزه. وهذا يشبه المشرط في يد الجراح الخبير؛ فهو لا يفتح من الجسد إلا بقدر ما يستخرِج الداء. أما التوسع والزيادة والتهويل = فهو اعتداءٌ ظالمٌ لا يقره شرع، وهو مما يورث قسوة القلب ووحشته وإن لم يشعر صاحبه.
ولك أن تتخيل أن العلماء عند حديثهم عن جواز التحدث وغيبة أهل الفسق والفساد المعروفين يضبطون -كما في الحالات السابقة- الأمر بحدود محل النزاع والخلاف دون تعدٍ وتجاوز لغيره. فغيبة أهل الفساد جائزة نعم، ولكن «بِشَرْطِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا تُجَاهِرُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَحْرُمُ ذِكْرُهُمْ بِعَيْبٍ آخَرَ» ‹5›!
وقف عند هذا الأدب.. أن يحرم ذكرهم بعيب آخر! وانظر ما فيه من المراعاة والرحمة وأن المسألة ليست تشهيًا ومحبةً للقدح في الناس -ولو كانوا من أهل الفسق والفساد- وكشف عوراتهم بغير وجه حق. وإذا كان هذا الحال مع هؤلاء فكيف بغيرهم؟ وإذا كان رسول الله ﷺ«نهى عن التثريب للأمة عند جلدها في حد الزنا؛ فكيف بالحر المؤمن القائم الحرمة بإقامة رسم الشريعة؟!»‹6›.
أين هذا ممن يجعل خصمه محلًا للضحك والترويح عن نفسه بتجديد الحديث عن نقائصه وعيوب وعوراته!
ولاحظ أن الكلام السابق عن من كان الغالب عليهم الفسق ومقارفة ما يعاب شرعًا وعرفًا!
وتدبر جواب بعض العلماء الراسخين في العلم لما سألهم أبو العباس أحمد القرافي (ت: 684 هـ) فيما قاله في فروقه: «سَأَلْت جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّنْ يَرْوِي قَوْلَهُ - ﷺ - «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَقَالُوا لِي: "لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَكُّهُ بِعِرْضِ الْفَاسِقِ". فَاعْلَمْ ذَلِكَ» ‹7›.
فانظر رحمك الله إلى قولهم: "لا يجوز التفكه بعرض فاسق" وقس بعد ذلك حرمة غيره ممن ليس بفاسق ممن تراهم من المخالفين لك، وأغلبهم ليس بفاسق، وإن كانوا كذلك فـ"لا يجوز التفكه بعرض فاسق".
وقوله: «مِن غيرِ تتبُّعٍ لِمَا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحُكْم»:
أشار بها إلى آفة الآفات في الخلافات بين المعاصرين؛ فإذا اختلفنا مع شخصٍ في مسألة علمية أو مهنية، نجد أن بعض النفوس لا تكتفي بمناقشة موضع الخلاف، بل تذهب للنبش في ماضيه، وتتبع زلاته القديمة التي لا علاقة لها بأصل النزاع.
وهذا الخروج عن محل النزاع لتتبع العورات = هو صريح ما حذر منه النبي ﷺ في صفات المنافقين: «وإذا خاصم فجر»، والفجور هو الميل عن الحق وتجاوز الحد.
ولا شك أن كل مجادلٍ مهتم بانتصار نفسه، غيرَ مكتفٍ بالحاجة أو بالقدر الذي يحقق مقصد الكلام ومحل الخصومة وما يود إيصاله وتوضيحه متجاوزًا الحد = يفتح على نفسه باب شر، كما قال أبوحامد الغزالي (ت: 505 هـ): «فَالْخُصُومَةُ مَبْدَأُ كُلِّ شَرٍّ وَكَذَا الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْتَحَ بَابَهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ»‹8›.
ولعل من آثار هذا التجاوز ما يؤثر على أهم محطة للعبد في اليوم والليلة، وهي الصلاة! «وَأَقَلُّ مَا في -حال المتجاوز للحد في تتبع خصمه- تَشْوِيشُ خَاطِرِهِ حَتَّى إِنَّهُ فِي صَلَاتِهِ يَشْتَغِلُ بِمُحَاجَّةِ خَصْمِهِ فَلَا يَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى حَدِّ الْوَاجِبِ»‹9›، فانظر أين جرته الخصومة وكيف شوشت عليه صلاته، وكذا الحال في أوراده من القرآن والذكر!
فهذا كله بسبب تجاوز محل النزاع والخلاف وجعل المخالف محل شرٍ ونقصٍ في جميع الجوانب أو أغلبها!
فهذا التجاوز «يوغر الصَّدْرَ ويهيج الْغَضَبَ؛ وإذا هاج الغضب نُسِيَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ»‹10› بحيث ينسى أصل الخلاف الأول ويتفرع إلى أمور لا علاقة لها بمحل البحث والنزاع، فيبدأ بتصيد الأخطاء والعيوب والمثالب التي لا يخلوا منها أحد، ولا يأمن أحد دوام عافية منها، وهذا هو الذي يجعل بذرة الحقد تنمو في أرض الخصومة، حتى تختفي معاني الرفق والرحمة والشفقة، وينسى المتخاصم أن يحب لخصمه ما يحب لنفسه! ولكن للأسف يتغير هذا حتى «يَفْرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَسَاءَةِ صَاحِبِهِ وَيَحْزَنَ بِمَسَرَّتِهِ وَيُطْلِقَ اللِّسَانَ فِي عِرْضِهِ»‹11›!
لأجل ذلك من فتح على نفسه باب تتبع في الخصومة بما لا تعلق له بالحكم صعب عليه ضبط لسانه في خصمه لأن «ضَبْطَ اللِّسَانِ فِي الخصومة على حد الِاعْتِدَالِ مُتَعَذِّرٌ»‹12›، لأجل هذا حتى المظلوم الذي يحاول أن يسلك مسلك الإنصاف يُنصح بتركه هذا المسلك ما وجد إليه سبيلا كما قال أبوحامد (ت: 505 هـ): «فَأَمَّا الْمَظْلُومُ الَّذِي يَنْصُرُ حُجَّتَهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ لَدَدٍ وَإِسْرَافٍ وَزِيَادَةِ لَجَاجٍ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمِنْ غَيْرِ قَصْدِ عِنَادٍ وَإِيذَاءٍ فَفِعْلُهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَكِنِ الْأَوْلَى تَرْكُهُ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»‹13›!
فإذا كان هذا حال المحاول للإنصاف بغير أن يتجاوز محل النزاع والخلاف فكيف بغيره؟
وقد أشار إليه -أي حال المظلوم الذي سلك مسلك التتبع والفجور في الخصومة- فقال: «الذي يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق، ويتناول الذي يَحْمِلُهُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَحْضُ الْعِنَادِ لِقَهْرِ الْخَصْمِ وَكَسْرِهِ… وفِي النَّاسِ مَنْ يُصَرِّحُ بِهِ ويقول إنما قصدي عناده وكسر عرضه وَإِنِّي إِنْ أَخَذْتُ مِنْهُ هَذَا الْمَالَ رُبَّمَا رِمَيْتُ بِهِ فِي بِئْرٍ وَلَا أُبَالِي وَهَذَا مَقْصُودُهُ اللَّدَدُ وَالْخُصُومَةُ وَاللَّجَاجُ وَهُوَ مَذْمُومٌ جِدًّا»‹14›.
فلزم أن يستعيذ العبد المؤمن من هذا المسلك، ويسأل رب العالمين سبحانه وبحمده السلامة له ولإخوانه ومخالفيه منه.إنه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول للعبد ولا قوة له إلا بالله.
وقوله: «وَلَا ذِكْرِ عَيْبٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ»:
فيه تفصيلٌ مكمِّل لما قبله، وضابط يمنع الخصومة من أن تتحول إلى استباحة شاملة لحرمة المخالف؛ فليس وقوع النزاع في جانب من حياة الإنسان مسوِّغًا لك لفتح سائر جوانبها والتفتيش فيها.
فإذا كان الخلاف ماليًّا أو تجاريًّا أو مهنيًّا مثلُا، فما وجه التعرض لدينه أو أسرته أو نسبه أو هيئته؟ وإذا كان سببه موقفًا عارضًا أو سوء فهمٍ أو كلمةً أخطأ في تقديرها، فما صلة ذلك بنقائص قديمة، أو عثرات وقعت منه في حال ضعف، أو جوانب تقصير بينه وبين ربه، لا مدخل لها في إثبات الحق المتنازع فيه أو نفيه؟
فالعدل يقتضي أن يُحصر الكلام في الفعل محل المؤاخذة ، وأن يُقدَّر بقدره: فيُبيَّن الخطأ دون أن تتحول زلة المخطئ إلى ذريعة لهتك ستره، أو تنقص قدره كله ، أو جمع ما تفرق من عيوبه ثم عرضها على الناس في في هذه المنصات في سياق الخصومة!.
وقد نقل أبوعبدالله الحطاب (ت: 954 هـ) في شرحه على المختصر عن ابن أبي زيد في صاحب الهفوة والزلة، فقال: «فلا يَتبع عورات المسلمين»، وعن مالكٍ: «من هذا الذي ليس فيه شيء؟»‹15›.
ولأجل هذا متى رأيت «ذا شِرَّةٍ إلى الخوض، ونَهمةٍ إلى الكلام، وجَلدٍ على القيل والقال والخصام والجدال=فاعلم أنه بعيدٌ محجوبٌ فارغ؛ وقد جعل سيدي ﷺ إمساكَ العبد لسانه ركنًا أوليا في ثلاثية النجاة:" أمسِك عليك لسانك، وليسَعك بيتك، وابكِ على خطيئتك"»‹15.1›.
فالإنسان قد يخطئ في موقف ويبقى مصيبًا في غيره ، وقد ينقص من جهة وتثبت له فضائل وحقوق من جهات أخرى؛ وليس من العدل أن تُجعل الخصومة الواحدة حكمًا على دينه ومروءته وأسرته وتاريخه كله. وإنما يُذكر من حاله ما له أثر صحيح في القضية ، وبالقدر الذي تدعو إليه الحاجة؛ أما ما كان أجنبيًّا عن الحكم، فذكره عدوان لا بيان، وتشَفٍّ لا نصيحة.
ولهذا أُدخِلَ في الخصومة المذمومة من يطلب حقه، ولكنه «لا يقتصر على قدر الحاجة»، ومن يخلط بها «كلمات تؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه»‹16›. فالمؤاخذة لا تتعلق بصحة أصل الحق وحده، بل كذلك بالطريق الذي يسلكه صاحبه في طلبه ؛ إذ قد يكون محقًّا في أصل دعواه، ثم يصير ظالمًا بما يضيف إليها من إيذاء وتجريح وكشف للعورات.
وإقحام العيوب الأجنبية عن موضع النزاع علامةٌ على انتقال المتكلم من طلب الحق إلى طلب الغلبة؛ لأن الحجة إذا عجزت عن إصابة محل الخلاف، استعانت بها النفس على شخص المخالف، فطعنته فيما لا صلة له بالقضية، رجاء أن تسقط مكانته حين عجزت عن إسقاط قوله. ومن هنا نص بعض العلماء على تحريم خلط الخصومة بكلمات مؤذية «لا يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق»‹17›، وعلى تحريم الخصومة إذا كان مقصدها «قهر الخصم وكسره فقط»!
وهذا من المواضع التي تنكشف فيها حظوظ النفوس؛ فربما زيَّنت النفس لصاحبها أن التعريض عبادة، وأن التشفي غيرة، وأن تتبع العثرات استكمالٌ للحجة، وما هو في حقيقته إلا خروج عن العدل وانقياد للغضب. فالخصومة إذا هاجت أورثت الحقد، حتى يطلق اللسان في عرضه؛ ولهذا كان حفظ اللسان عند النزاع من أشق دلائل صدق القصد وسلامة القلب. نسأل الله ذلك بمنه وكرمه.
فالشاهد من كل ما سبق أن من تربى قلبه في محضن الوحي، وأكثر من مطالعة أحوال أهل العلم والعمل ممن شهدت سيرهم بقصد الحق ورحمة الخلق، وأخذ نفسه بآدابها وتزكيتها، أدرك أن الخلاف ليس مساحة مستباحة لانتهاك الحرمات، ولا فرصة للظهور وقهر الخصوم، وإنما هو ميدان لامتحان العبودية وابتلاء السرائر؛ إذ قد يتجمل الانتصار للنفس بصورة الانتصار للحق، وقد يتستر طلب العلو بثوب الغيرة على العلم والدين.
وإنما تظهر حقيقة القصد حين يكون الحق على لسان المخالف: أيفرح المرء بظهوره وينقاد له ، أم يضيق به لأنه لم يظهر على يديه؟ وحين يقدر على خصمه: أيعدل معه ويرفق به ويحفظ حرمته ، أم يستبيح عرضه ويتتبع عثراته ويقصد كسره ؟ وحين ينقل قوله: أيؤديه بأمانة حتى يعرفه صاحبه، أم يشوهه ليهون عليه إسقاطه؟
فهذه المواطن وأمثالها هي محكّ العبودية، وفيها يتبين الفرق بين من يريد هداية المخالف ومن يريد فضيحته، وبين من يريد ظهور الحق ومن يريد ظهور نفسه؛ فأهل العلم الربانيون يعلمون الحق ويرحمون الخلق، ويجمعون بين قوة الحجة وسلامة الصدر، وبين بيان الخطأ وحفظ حرمة المخطئ. فإذا انتهى الخلاف وبقي في القلب عدل ورحمة وإنصاف، كان ذلك من أمارات مجاهدة النفس؛ أما إذا أورث شهوة التتبع والتشفي والطعن في الأعراض، فليتهم العبد قصده ، وليعلم أن أول ما أضعفته الخصومة لم يكن خصمه، وإنما كان إيمانه وقلبه.
وهذا كله يتطلب تجردا في القصد وسؤالًا لله تعالى طالبًا للإخلاص والصدق والإعانة والتوفيق، وأن يعيذه من شرور نفسه وحظوظها، وسيئات أعماله وتلبيسات الشيطان، وأن يكون على مسلك الرحمة والعدل، كما نقل أبوعبد الله ابن قيم الجوزية (ت:751 هـ) فائدة في بدائعه عن ابن عقيل متحدثا عن شيخه قوله: «ولا يتكلَّمُ في مسألة إلا قَدَّمَ الاستعانةَ بالله وإخلاصَ القصدِ في نُصْرَةِ الحقِّ دونَ التَّزين والتَّحسين للخَلْق ، ولا صنَّفَ مسألةً إلاّ بعد أن صلَّى رَكَعَاتٍ، فلا جَرَمَ شاع اسمُه، واشتهرت تصانيفُه شرقًا وغربًا، هذه بركاتُ الإخلاصِ»‹18›
فالغيور على دينه وقلبه يرى أن إضعاف الخصم بتجاوز هذه الضوابط السابقة= هو في حقيقته إضعافٌ لإيمان المرء نفسه، وتلويثٌ لقلبه الذي سيقف به بين يدي الله ﷻ.
فالآن، من تأمل في ما سبق، وأدار عين البصيرة في حواراتنا المعاصرة -سواء في المجالس أو منصات التواصل- يجد أجنبية كثير منها عن الضوابط والمعالم -التي هي كثيرة في كلام العلماء المحققين-؛ وللأسف قِلةٌ هم الذين يزمون أنفسهم وألسنتهم بهذا الزمام، وقِلةٌ هم من إذا اختلفوا حافظوا على مساحةٍ من الود، أو على الأقل مساحةٍ من الإنصاف والعدل، كما قال أبو العباس ابن تيمية (ت: 728 هـ): «وَمَعْلُومٌ أَنَّا إِذَا تَكَلَّمْنَا فِيمَنْ هُوَ دُونَ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ الْمُلُوكِ الْمُخْتَلِفِينَ عَلَى الْمُلْكِ، وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ لَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ. وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، لَا يُبَاحُ قَطُّ بِحَالٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٨] وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ بُغْضِهِمْ لِلْكَفَّارِ، وَهُوَ بُغْضٌ مَأْمُورٌ بِهِ. فَإِذَا كَانَ الْبُغْضُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ قَدْ نُهِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يَظْلِمَ مَنْ أَبْغَضَهُ، فَكَيْفَ فِي بُغْضِ مُسْلِمٍ بِتَأْوِيلٍ وَشُبْهَةٍ أَوْ بِهَوَى نَفْسٍ؟ فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ لَا يَظْلِمَ، بَلْ يَعْدِلَ عَلَيْهِ»‹19›.
نسأل اللَّه بمنه وكرمه أن يطهر قلوبنا من الغل والحسد، وأن يرزقنا العدل في الرضا والغضب، وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، في خيرٍ وعافيةٍ وسلامة.
ــــــــــــــــــــــــ
‹1› أبو العباس أحمد زروق (ت: 899 هـ)، شواهد التعرف، القاعدة (212).
‹2› محمد علي حسين مفتي المالكية بمكة المكرمة (ت: 1367هـ)، تهذيب الفروق والقواعد السنية والأسرار الفقهية. حاشيته مطبوعة ضمن الأصل.
‹3› المصدر السابق.
‹4› نظمها ابن العطار (ت: 1250 هـ) في حاشيته على شرح المحلي، وأصلها عند أبي زكريا النووي في أذكاره، ضمن باب بَيانِ ما يُبَاحُ مِن الغِيبَة. وقد أحال إليه.
‹5› تهذيب الفروق، المصدر الثاني السابق.
‹6› شواهد التعرف، المصدر الأول السابق.
‹7› أبو العباس أحمد القرافي (ت: 684 هـ)، أنوار البروق في أنواع الفروق، الفرق رقم (255).
‹8›، ‹9›، ‹10›، ‹11›، ‹12›، ‹13›، ‹14› أبو حامد الغزالي (ت: 505 هـ)، في كتاب آداب اللسان.
‹15› أبو عبدالله الحطاب (ت: 954 هـ) في مواهب الجليل على مختصر خليل.
‹15.1› قاله شيخنا وجدان العلي، في عرفان.
‹16› أبو حامد الغزالي (ت: 505 هـ)، كتاب آداب اللسان.
‹17› أبو سعيد محمد الخادمي (ت: 1156 هـ)، في جامعه: بريقة محمودية، ضمن مبحث الخصومة في القسم الثاني من آفات اللسان.
‹18› أبوعبد الله ابن قيم الجوزية (ت:751 هـ)، بدائع الفوائد.
‹19› أبو العباس أحمد بن تَيْمِيَّة (ت: 728 هـ)، منهاج السنة النبوية.
التعليقات