|
|
|
تأملات إيمانية ونفسية في المقارنة بين الرحم والدنيا
|
|
|
|
|
|
كلما طال مقام الإنسان في مرحلةٍ
من مراحل وجوده، غلب عليه وهم الاكتمال؛ فيظن أن ما يراه هو كل ما يمكن أن يكون، وأن
ما يجهله خارج عن دائرة الإمكان. والضيق حين يألفه القلب يصير وطنًا، وهكذا يعيش الإنسان
في الدنيا، مطمئنًا إلى جدرانها، غافلًا عن السعة التي تتراءى وراء حجاب الموت. وفي
هذا يقول علي الطنطاوي: "الحياة الأخرى هي الحياة الحقيقية، من أصيب بقصر النظر
لم يرها، ومن ابتلي بضعف العقل لم يصدق الخبر عنها، ومن كان له بصر يرى، وعقل يدرك،
رأى أن حياة الانسان مراحل. فلقد كان يوماً منطوياً على نفسه، مكوماً في بطن أمه، يعيش
بين أحشائها، ولو كان يفكر يومئذ لظن أن هذه هي الحياة فهو يتمسك بها، لا يخرج منها
الا مرغماً. ولو كان ينطق لحسب هذا الخروج موتاً ودفنا في الأعماق مع أنه (ولادة)،
وانتقال إلى عالم أرحب، هو هذه الدنيا، والذي نراه نحن موتا، وخروجا من هذه الدنيا،
هو في الحقيقة ولادة، وانتقال إلى عالم أرحب، إلى عالم البرزخ، البرزخ بين الدنيا المادية
الفانية، والحياة الاخرى الباقية."
|
|
|
ومنذ وقفتُ على هذا المقطع، شعرتُ
أن الطنطاوي يكتب بعين الفقيه وقلب الأديب؛ يقبض على المعنى العقدي الكبير، ثم يضعه
في صورةٍ قريبة من ذاكرة الإنسان الأولى. ولعل هذا اللون من التصوير هو الذي جعل تشبيهاته
تستحق كتابًا مستقلًا بعنوان تشبيهات الشيخ علي الطنطاوي لناصر بن عبدالعزيز الهذيلي.
وقد حاولتُ هنا أن أقُص أثر هذه الصورة، وأن أمدّ خيطها من الرحم إلى الدنيا، ومن الدنيا
إلى البرزخ، ومن خوف الخروج إلى بهجة الولادة الكبرى.
|
|
|
ويبدو أن هذا المعنى له
جذورٌ عميقة في وجدان التراث الإسلامي؛ إذ يقرر أبو حامد الغزالي المعنى ذاته بلغة
المسافر لا بلغة الجنين، فيقول في فضائح الباطنية: «هذه الدار ليست دار مقر،
وإنما هي دار ممر، والناس فيها على صورة المسافرين، ومبدأ سفرهم بطون أمهاتهم،
والدار الآخرة مقصد سفرهم، وزمان الحياة مقدار المسافة، وسنوه منازله، وشهوره
فراسخه، وأيامه أمياله، وأنفاسه خطاه، ويصار بهم عبر السفينة براكبها، ولكل شخص
عند الله عمر مقدر لا يزيد ولا ينقص». وكأن الغزالي يجعل الإنسان
منذ أول لحظة في رحم أمه مسافرًا إلى الله، لا ساكنًا في عالمٍ مكتمل؛ فالرحم أول
الطريق، والدنيا امتداد السفر، والآخرة مقصد الرحلة.
|
|
|
ولذا من أعجب ما في حياة الإنسان
أنه يعيش كل مرحلة وكأنها هي العالم كله، حتى إذا خرج منها أدرك أنها كانت أضيق من
أن تكون النهاية، وأصغر من أن تكون الغاية. الطفل في بطن أمه يعيش في عالم محكم الإغلاق،
له سقفه، وظلمته، وحدوده، وغذاؤه، وأصواته الغامضة، وطمأنينته الخاصة. ولو قُدّر له
أن يفكر بعقل مكتمل، لرأى أن هذا المكان هو الوجود كله؛ فليس في تجربته شمس، ولا هواء،
ولا سماء، ولا أرض، ولا وجوه، ولا ألوان، ولا أنهار، ولا حضن أمّ يراه بعينيه بعد أن
كان يتغذى منها ولا يراها. ومع ذلك فالعالم الخارجي قائم في الحقيقة، واسع، ممتد، مملوء
بما لا يستطيع الجنين أن يتخيله من وجوه الحياة ومظاهر الجمال. وإن ضيق إدراكه لا يغيّر
من سعة الوجود شيئًا، ومحدودية تجربته لا تجعل ما وراءها وهمًا. وهنا يأتي قول الله
تعالى على هذا المشهد كله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:
21]؛ كأن الإنسان يحمل في تكوينه الأول شاهدًا على أن وراء المحسوس أسرارًا، ووراء
الظاهر آياتٍ لا تنقضي.
|
|
|
وهذه الصورة، على بساطتها، تكشف
شيئًا عميقًا من سرّ علاقتنا نحن بالدنيا والآخرة. فالإنسان في هذه الحياة يشبه ذلك
الجنين من وجه قريب؛ يعيش داخل عالم مألوف، يراه بعينيه، ويلمسه بيديه، ويقيس به معاني
النجاح والخسارة، والفرح والحزن، والقرب والبعد. ثم يسمع من الوحي أخبار عالم آخر:
بعث، وحساب، وجنة، ونار، ونعيم مقيم، ولقاء رب كريم. فيقف العقل أحيانًا أمام الغيب
كما يقف الجنين ـ لو قُدّر له التفكير ـ أمام فكرة العالم الخارجي: كيف يكون هناك وجود
لا أراه؟ كيف تكون هناك حياة بعد هذا الانقطاع؟ كيف يكون الموت بابًا لا جدارًا؟ وكيف
يكون الفقد بداية لا فناءً؟ وفي بيان أن للإنسان مدارك تتجاوز الحسّ والعقل
المجرّد، يشير أبو حامد الغزالي إلى طورٍ أعلى تنفتح فيه بصيرة القلب على معانٍ
غيبية لا ينالها العقل وحده، فيقول: «ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى
يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل». وهي عبارة تكشف أن الحسّ ليس
خاتمة المعرفة، وأن العقل نفسه يعرف قدره حين يتلقى خبر الوحي من العليم الخبير.
|
|
|
غير أن الله، برحمته، جعل في
الدنيا علامات كثيرة تهدي القلب إلى ما وراءها، كما أن في الرحم علامات تهدي الجنين
ـ لو عقل ـ إلى وجود عالم آخر ينتظره. فالغذاء الذي يأتيه من غير أن يرى مصدره، والنبض
الذي يحيط به، والأصوات التي تطرق عالمه من خارج حدوده، ونمو أعضائه على هيئة لا تناسب
البقاء في ذلك المكان الضيق، كلها إشارات إلى أن الرحم ليس نهاية القصة، بل غرفة إعداد
مؤقتة لحياة أوسع. وكذلك الدنيا؛ فيها فطرة تنادي، ووحي يخبر، وآيات في الأنفس والآفاق،
وموت يتكرر أمام العيون، وتغير دائم في الأحوال، وحنين داخلي إلى كمال لا يوجد هنا
كاملًا، وعدل لا يتحقق هنا دائمًا، وفرح لا يصفو من كدر، وحب لا يسلم من فراق. كأن
هذه الحياة كلها تقول للإنسان: أنت مخلوق لشيء أكبر من هذه الحدود، وأشواقك أوسع من
مساحة الدنيا. ولذلك جاء البيان الإلهي جامعًا بين آيات الخارج وآيات الداخل: ﴿سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
[فصلت: 53].
|
|
|
وإن الرحم بالنسبة للجنين مكان
ضيق محدود، لكنه في تلك المرحلة مكان رحمة لا مكان عقوبة. ضيقه حماية، وظلمته ستر،
وحدوده رعاية. والجنين لا يُحرم من العالم الخارجي لأنه مهمل، بل لأنه لم يتهيأ له
بعد. وإن بقاءه في ذلك الحيز المحدود جزء من اكتماله، ولو خرج قبل أوانه لتعرض للخطر.
وقد جاء القرآن مصورًا هذه الرحلة في أدق أطوارها: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ
مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ
خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً...﴾ [المؤمنون: 12–14]، وهكذا تتجلى الدنيا في
أفقها الإيماني ميداناً مقصوداً لحكمة إلهية بالغة، ومستقراً يحمل غاية سامية؛ فهي
محضن للإعداد، وساحة للابتلاء، ومدرسة للتربية والتزكية. في رحابها يتكون جوهر
الإنسان الباطن، وتنضج ثمار اختياراته، وتشرق حقيقة قلبه ومكنون سريرته.
وكما تتخلق أعضاء الجنين وتنمو في ستر الخفاء تأهباً لاحتضان
الحياة الظاهرة، ينمو قلب الإنسان ويتشكل في رحم الدنيا تأهباً لمعانقة الحياة
الباقية؛ مستمداً غذاءه من ينابيع الإيمان، وزاد الصبر، وطهارة التوبة، وثمار
العمل الصالح، ومكابدة الهوى للارتقاء بالنفس، وصدق التوكل وحسن الظن برب العالمين.
|
|
|
ومن الناحية النفسية، يرتبط الإنسان
بما اعتاده ولو كان ضيقًا. فالجنين يألف الرحم لأنه لا يعرف غيره، والإنسان يألف الدنيا
لأنها البيئة التي فتحت فيها عيناه. والاعتياد يصنع وهم الاكتمال؛ فما نراه كثيرًا
نظنه هو الأصل، وما يغيب عنا نحتاج إلى إيمان وتصديق حتى نعترف به. ولهذا يخاف الإنسان
من الموت، لا لأنه يعرف أن ما بعده شر، بل لأنه انتقال من مألوف إلى مجهول. والخوف
من المجهول طبيعة إنسانية عميقة؛ فالناس يخافون تغيير البيوت، وفقد الوظائف، وترك المدن،
وانتهاء العلاقات، فكيف بانتقال كامل من عالم إلى عالم؟ لكن الإيمان يأتي ليهذب هذا
الخوف، لا بإلغائه من النفس، بل بوضعه في موضعه الصحيح. فهو يقول للإنسان: نعم، الانتقال
مهيب، لكنه ليس فوضى؛ والموت عظيم، لكنه تحت سلطان الله؛ والآخرة غيب، لكنها غيب أخبر
به الصادق سبحانه، وجعل لك من العلامات ما يطمئن قلبك. ومن هنا جاء التوجيه النبوي
الحاسم في ترتيب علاقة القلب بالدنيا: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»؛
رواه ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق.
|
|
|
والعجيب أن الضيق أحيانًا يكون
علامة قرب التحول. الرحم يضيق بالجنين كلما اقتربت الولادة، وحركته التي كانت ممكنة
تصبح أصعب، والمكان الذي كان كافيًا يبدأ في الانقباض عليه. وهذا الضيق لا يفهم بأنه
إعلان هلاك، بل بشارة انتقال. وكذلك الدنيا تضيق أحيانًا على الإنسان بالمصائب، والابتلاءات،
والفقد، وتكاثر الأسئلة، وانكسار التعلقات، فيظن أن الحياة تنغلق عليه، وقد يكون في
ذلك تربية خفية له حتى لا يسكن إلى المؤقت، ولا يظن أن راحته النهائية هنا. وإن من
رحمة الله أن الدنيا لا تصفو تمامًا؛ لأن صفاءها الكامل ـ لو وقع ـ قد يخدع القلب عن
الآخرة. فيها من الجمال ما يدل على الكريم، وفيها من النقص ما يمنع من عبادتها. تعطيك
زهرة ثم تريك ذبولها، وتفتح لك باب فرح ثم تذكرك بفنائه، وتجمعك بمن تحب ثم تعلمك شوك
الفراق. وما أجمل عبارة ابن القيم في هذا المعنى حين قال في إغاثة اللهفان: «ومن
رحمته أن نغّص عليهم الدنيا وكدّرها لئلا يسكنوا إليها»، ثم قال: «فمنعهم ليعطيهم،
وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم».
|
|
|
وهنا يظهر الفرق بين من يرى الدنيا
غاية، ومن يراها مرحلة. الأول يتعامل مع كل خسارة كأنها نهاية مطلقة، وكل حرمان كأنه
حكم نهائي على معنى حياته، وكل فراق كأنه انطفاء كامل. أما المؤمن فيتألم، لكنه لا
يفسر الألم تفسيرًا عدميًا. يحزن، لكنه يعرف أن الحزن لا يلغي الحكمة. يفقد، لكنه يرجو
اللقاء. يضيق، لكنه يعلم أن وراء الضيق بابًا. وإن الإيمان بالآخرة لا يجعل الإنسان
جامد المشاعر، بل يجعله أقدر على حملها. فمن يؤمن أن الدنيا رحمٌ كبير للآخرة، وأن
هذه الحياة إعداد للقاء الله، يرى الابتلاءات ضمن سياق أوسع، ولا يسمح للحظة موجعة
أن تحتكر تفسير الوجود كله. وفي معنى اليقظة التي تعقب طول الاغترار بالدنيا، تلوح
الكلمة المأثورة: «الناس نيام؛ فإذا ماتوا انتبهوا»؛ وهي كلمة تجري مجرى الحكمة
لا مجرى الحديث المرفوع، وقد ذكر العجلوني في كشف الخفاء أنها من كلام علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، لكن عزاها الشعراني في الطبقات إلى سهل التستري. ومعناها ينسجم
مع هذا المشهد؛ فالإنسان قد يطيل الإقامة في رحم العادة، حتى إذا أطلّ على الآخرة
انكشفت له حقائق كانت محجوبة بستائر الألفة.
|
|
|
والإنسان المعاصر يحتاج إلى هذه
الرؤية حاجة شديدة؛ لأنه محاط بثقافة تجعل الدنيا هي السقف الأخير للمعنى. يقال له:
عش لحظتك، حقق ذاتك، زد مكتسباتك، وسّع حضورك، اثبت قيمتك، لا تفوّت شيئًا. فتتحول
الدنيا إلى رحم نفسي مغلق، يخاف صاحبه من أي حديث عن النهاية؛ لأن النهاية في قاموسه
تعني فقدان كل شيء. أما الوحي فيفتح سقف هذا الرحم، ويخبر الإنسان أن الدنيا ليست كل
المشهد، وحين يتسع أفق الإنسان للآخرة، تهدأ كثير من صراعاته الداخلية. وقد قال الله
تعالى في ميزان الدنيا والآخرة: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]، وقال جل شأنه:
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:
64].
|
|
|
وإن الجنين يتغذى من أمه دون
أن يراها، والإنسان يتقلب في أرزاق الله وألطافه دون أن يحيط بمصادرها كلها. كم من
رزق جاء من باب لم يخطر له، وكم من نجاة رتبتها عناية لم يحسبها، وكم من منع كان في
باطنه حفظ، وكم من تأخير كان في حقيقته إعدادًا. فنحن نرى بعض الأسباب القريبة، لكن
وراء الأسباب ربًا يدبر، ويعطي، ويمنع، ويقدر، ويرحم. وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بأن
تنقل الإنسان من قلق السيطرة إلى طمأنينة التوكل. فالجنين لا يدير غذاءه، ولا يحرس
نفسه، ولا يعرف كيف ينمو، ومع ذلك يجري عليه لطف الله في الخفاء. وكذلك الإنسان، مهما
بلغ من الوعي والتخطيط، يبقى مفتقرًا إلى ربه في كل نفس، وكل نبضة، وكل لحظة بقاء.
|
|
|
ومن أعمق أوجه المقارنة أن الجنين
تنمو له أعضاء لا يحتاج إليها داخل الرحم كما سيحتاج إليها خارجه؛ عينان لعالم الضوء،
ورئتان لعالم الهواء، وقدمان لعالم السير، ويدان لعالم الأخذ والعطاء. وجود هذه الأعضاء
دليل على أن هناك حياة قادمة تناسبها. وكذلك في الإنسان أشواق ومعانٍ لا تستوعبها الدنيا
كاملة: شوق إلى عدل كامل، وإلى حب لا ينكسر، وإلى حياة لا يهددها الموت، وإلى جمال
لا يذبل، وإلى طمأنينة لا تفسدها المخاوف. هذه الأشواق هي إشارات داخلية إلى دار أوسع.
وقد جاء الوحي ليخبر أن اللهُ تَبارَك وتَعالى قال: «أعدَدتُ لعِبادي الصَّالِحينَ
ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ». قال أبو هُرَيرةَ: اقرَؤوا
إن شِئتُم: ﴿فلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعيُنٍ﴾ [السجدة: 17]. والحديث
أخرجه البخاري ومسلم. وهذا يعني أن خيال الإنسان عن النعيم، مهما اتسع، يبقى أضيق من
الحقيقة، كما أن خيال الجنين ـ لو تخيل ـ سيعجز عن إدراك الشمس والبحر والسماء ووجه
أمه.
|
|
|
وإن الإيمان بالجنة ليس هروبًا
نفسيًا من قسوة الدنيا، بل هو أعمق تفسير لحنين الإنسان إلى الكمال. فالنفس البشرية
لا ترضى بالفاني من جهة حقيقتها العميقة، وإن انشغلت به من جهة عادتها وشهوتها. تحب
الجمال، ثم يؤلمها ذبوله. تحب القرب، ثم يفجعها الفراق. تحب الحياة، ثم يطاردها الموت.
وهذا التوتر بين ما تطلبه النفس وما تسمح به الدنيا، يفتح بابًا كبيرًا لفهم الآخرة.
فالدنيا تعطي نماذج صغيرة من المعاني الكبرى، لا لتكتفي بها النفس، بل لتستدل بها على
أصلها الأكمل. كل جمال هنا عينة، وكل رحمة هنا أثر، وكل طمأنينة هنا نفحة، وكل لقاء
هنا تذكير بلقاء أعظم.
|
|
|
ومن هنا يتجلى الموت في التصور
الإيماني انتقالاً مهيباً نحو حياة باقية، ووجوداً متجدداً في عالم الخلود. للموت رهبته
التي تلامس شغاف القلوب، فتنقبض لها الفطرة، وتتألم الأرواح لمرارة الفراق، وتفيض العيون
بدموعٍ نابعة من صميم الطبيعة الإنسانية. بيد أن المؤمن يبصر الموت بعين البصيرة، مشبهاً
إياه بمخاض الولادة من زاوية أوسع وأرحب؛ فهو عبور من طور إلى طور، وارتحال من دار
العمل والبذر إلى دار الحصاد والجزاء، وترقٍ من مسار الابتلاء إلى ساحة التجلي والكشف،
فالولادة ذاتها محفوفة بآلام المخاض، بيد أنها في جوهرها إشراقة اتساع وامتداد. ولعل
أعظم ما يؤنس الروح في هذا الانتقال، ويخفف من رهبته، هو إدراك الإنسان اليقيني بأن
رب الموت هو ذاته رب الحياة، وأن الخالق الذي أخرجه من ظلمات الرحم إلى نور الدنيا،
يتكفل برحمته وقدرته بنقله من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ورحابها.
|
|
|
وهذه المقارنة لا تدعو إلى احتقار
الدنيا، بل إلى وضعها في حجمها الصحيح. فالرحم نعمة عظيمة، لكنه ليس الغاية. ومن العبث
أن يرفض الجنين الخروج لأنه أحب الرحم. وكذلك الدنيا نعمة، فيها عبادة، وسعي، وعلم،
وعمارة، وأهل، وأحبة، ووجوه برّ وخير، لكنها ليست النهاية. وأنت تدرك بكمال عقلك أن
الخطأ ليس في حب ما أباح الله من جمال الدنيا، بل في تحويل الوسيلة إلى مقصد نهائي،
وفي نسيان أن كل ما فيها مؤقت بطبيعته. إن المؤمن لا يخرج من الدنيا بقلب ناقم على
الحياة، بل بقلب شاكر عرف أنها مزرعة، وممر، وميدان تكليف، وموضع عبور إلى ما عند الله.
وقد جاءت السنة ببيان قدر الدنيا في ميزان الآخرة، ففي الحديث: «لو كانت الدنيا
تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء»، أخرجه الترمذي، وصححه
الألباني في صحيح الترمذي. وفي الحديث الآخر: «ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت
شجرة ثم راح وتركها»؛ وهو من أبلغ صور العبور المؤقت.
|
|
|
ولعل من أجمل رسائل التأمل في
صورتي الرحم والدنيا، أن قصور العلم يغدو فضيلة محمودة متى أورث النفس تواضعاً، ويستحيل
حجاباً كثيفاً حين يثمر جحوداً وعناداً. فالجنين محبوس في دائرة جهله بما وراء عالمه
المحدود، ولو جحد الوجود الخارجي بناءً على قصور إدراكه، لكان جهله هو الدافع الفعلي
لهذا الجحود، ومحض افتراء يعوزه البرهان والحجة.
|
|
|
وعلى هذا النحو خُلق الإنسان؛
فقد أوتي حظاً يسيراً من العلم، وكل ما تدركه حواسه يمثل قطرة ضئيلة من بحر الحقيقة
الشاسع. فالعقل منحة ربانية كبرى مقيدة بحدود بشريتها الخاضعة للخالق، والحس سبيل جليل
من سبل الإدراك، ترافقه نوافذ وأبواب أخرى أرحب وأعمق لبلوغ المعرفة المتكاملة. ومن
هنا كان الغيب في الوحي إخبارًا من العليم الخبير، لا فراغًا يملؤه الوهم، ولا مساحةً
يلغو فيها الخيال. وتتجلى حقائق الوجود الكبرى للإنسان حصراً عبر التلقي من خبر يقيني
صادق، تماماً كما يستقي الطفل معارف الحياة الأولى من توجيهات آمِنة يطمئن لمصدرها،
لتنضج تلك المعرفة وتتأكد في بوتقة التجربة بعد حين. وهنا يشرق الوحي بوصفه النبأ الأعظم
والخبر اليقيني الأسمى، المتنزل من لدن العليم الخبير؛ لينير بصيرة الإنسان بحقائق
الغيب التي تتجاوز قدرات حواسه، وتعلو على مداركه الذاتية.
|
|
|
والجحود المستند إلى قصر الحقيقة
على عالم المحسوس والمرئي، يضيق أفق الوجود على صاحبه ويأسره في عتمته. فهو يشبه تماماً
حال إنسان يقطن حجرة ضيقة، ويعتقد جازماً أن الكون بأسره محصور في مساحتها المحدودة؛
لسبب وحيد يتمثل في بقائه الدائم حبيس جدرانها. وفي المقابل، يغرس الإيمان في نفس المرء
ملكة التفاعل مع عالم الغيب بعقل يكسوه التواضع، وقلب يملؤه التصديق واليقين؛ فهو قلب
ينشد الحقيقة الخالصة متنزهاً عن الأوهام، ويمتد بآفاق الوجود متجاوزاً أطر التجربة
الحسية الضيقة نحو فضاءات أرحب. ولهذا قال ابن تيمية، كما نقله ابن القيم في الوابل
الصيب: «إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة»؛ وهي جنة معرفة الله ومحبته
والأنس به، فإذا دخلها القلب اتسع وهو في أضيق الأحوال.
|
|
|
فكما تتسرب تجليات العالم الخارجي
إلى الجنين متجسدة في قوالب الغذاء والصوت ومسارات النمو والحركة، فإن أنوار الغيب
وفيوضاته تتنزل على الإنسان متجلية في رسالات الوحي، وصدق الفطرة، وشواهد الآيات، وحتمية
الموت، وتلك المواقف العميقة التي تبعث الحياة في القلوب. وتلك اللحظات الفارقة التي
يبصر فيها الإنسان بنور بصيرته أن خلف كل تدبير مدبراً حكيماً، ووراء كل سبب مسبباً
قديراً، وخلف ستار الحياة حكمة بالغة ومقصداً جليلاً. ومن لطيف ما يذكر هنا قول يونس
بن عبيد: «ما شبّهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب،
فبينما هو كذلك إذا انتبه»، وقد أورده ابن أبي الدنيا في
الزهد؛ وهي صورة تلتقي مع معنى المقال في انتقال الوعي من طورٍ إلى طور.
|
|
|
وفي نهاية المطاف، تتجلى الرسالة
الكبرى لهذه المقارنة في توجيه الإنسان نحو تجاوز الدنيا بأمله، فمن قصر آماله على
الدنيا أضحى أسيراً لتقلباتها، ينتشي بإقبالها، وينكسر بإدبارها. أما من جعل الآخرة
أفقه الأعلى، فإنه لا ينسى من الدنيا نصيبه، ويسعى في مناكبها بصدق، ويعمرها بكل استطاعته،
مبقياً قلبه معلقاً بدار البقاء. فهو يحيا في حاضره بعين، ويرنو إلى مستقبله الأبدي
بقلبه؛ وهكذا تكون صورة الجنين في الرحم مرآة كبرى تعكس حقيقة الإنسان في الحياة الدنيا؛
فكلانا يمر في طور إعداد وتكوين، وكلانا محاط بحدود تحجب عنا الرؤية الشاملة لما وراءها،
وكلانا يتلقى إشارات دالة من عالم أرحب. وكلانا يهاب الانتقال لغموض تفاصيله، بيد أننا
متى وثقنا بالرحمة التي شملتنا بالرعاية في المرحلة الأولى، استطعنا الركون باطمئنان
إلى الرحمة الموعودة في المرحلة التالية.
|
|
|
فالخالق الذي حفظ الجنين في ظلمات
ثلاث فقد قال سبحانه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ
خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6]. وتعهده بأسباب الغذاء والنمو والعناية الفائقة،
يتكفل برعاية عبده المؤمن، ويحوطه بلطفه عند خروجه من ضيق الدنيا إلى سعة اللقاء والرضوان.
وصدق ابن القيم حينما قال: «اخرُجْ بالعزم من هذا الفِنَاء الضَّيِّق المحشُوِّ
بالآفات إلى ذلك الفِنَاء الرَّحبِ الذي فيه ما لا عينٌ رأتْ؛ فهناك لا يتعذَّرُ
مطلوبٌ ولا يُفْقَدُ محبوبٌ».
|
|
|
وكما أن الرحم محطة إعداد لولادة
الجسد، والدنيا ساحة تهيئة لروحٍ تمضي للقاء خالقها. وفي كلا الإعدادين يتجلى سر عظيم:
فالحياة يُستجلى معناها الأعمق وتُدرك حقيقتها الكبرى حين تُقرأ في ضوء غايتها الآتية،
متجاوزةً أسوارها الضيقة. ومن آمن بما يعقب الضيق، عاش حاضره في طمأنينة غامرة؛ مستمداً
سكينته من يقينه المطلق بمن أنبأه بالغيب، ومكتفياً بتلك الثقة العظيمة عن الإحاطة
بخفايا الأمور وتفاصيلها. ومن أدرك أن خلف المحدود عوالم أرحب وأبقى، غدا أهدأ قلباً،
وأقوم مسلكاً، وأصفى بصيرة، وأشد صبراً وأعظم رجاءً.
|
|
|
فاللهم وجه قلوبنا نحو الآخرة
لتكون هي همنا الأكبر ومبتغى علمنا، واجعل ضيق الدنيا في أعيننا نافذة نطل منها على
سعة فضلك، واجعل من ومضات جمالها برهاناً ساطعاً على كمال فردوسك، وحوّل ابتلاءاتها
إلى أداة تصقل قلوبنا وتؤهلنا للمثول بين يديك. ربنا تفضل علينا في الدنيا بحسنة، وفي
الآخرة بحسنة، واشملنا برحمتك التي تبلغنا جنات النعيم.
|
|
|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
|
|
|
المراجع
|
|
|
· تعريف
عام بدين الإسلام، علي بن مصطفى الطنطاوي، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة،
المملكة العربية السعودية، ط1، 1409هـ/1989م، ص102.
|
|
|
· فضائح الباطنية،
أبو حامد الغزالي، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت، د.ط،
د.ت، ص195.
|
|
|
· المنقذ
من الضلال، أبو حامد الغزالي، بقلم: عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة، مصر، د.ط،
د.ت، ص181.
|
|
|
· إغاثة اللهفان
في مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عطاءات العلم ودار ابن
حزم، ط3، 1440هـ/2019م، ج2، ص917.
|
|
|
· كشف الخفاء
ومزيل الإلباس، إسماعيل العجلوني، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية، ط1،
1420هـ/2000م، ج2، ص378.
|
|
|
· حديث أبي
هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري في صحيحه، رقم: 4779، ومسلم في صحيحه، رقم:
2824.
|
|
|
· الوابل
الصيب ورافع الكلم الطيب، ابن قيم الجوزية، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، دار
عطاءات العلم ودار ابن حزم، ط5، 1440هـ/2019م، ص109.
|
|
|
· الزهد،
ابن أبي الدنيا، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 1420هـ/1999م، ص31.
|
|
|
· الفوائد،
ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عطاءات العلم ودار ابن حزم، ط4، 1440هـ/2019م،
ص56.
|
|
|
|
|
التعليقات