سجن العاجل

1 أبريل 2026 بواسطة علي آل حوّاء #العدد 16 عرض في المتصفح
كيف تُهمَّش الأحداث الكبرى؟

لو كُشف لنا الغطاء اليوم عن حقيقة هذا النزيف الصامت لأعمارنا، لأبصرنا كيف نُساق بملء إرادتنا إلى مسالخ الانتباه المضاءة. إننا نتهادى زُمراً ووحداناً نحو زنزانةٍ لا جدران لها، نُسجت قضبانها من إشعاراتٍ لا تهدأ، وشاشاتٍ تتوهج في عتمة خلواتنا لتسرق منا يقين الأسحار. نمد أكفّ أرواحنا لنتسول وهماً نصنعه بأيدينا. ونحن لا نتابع الأحداث في هذا العصر.. بل نحترق بداخلها كحطبٍ مجاني، وتأمل كيف جفت مآقينا وتبلدت مضغتنا حتى صرنا نمر على جراح أمتنا الكبرى مرور المستعجل المتصفح الذي ينتظر المقطع التالي! إننا ضحايا تسممٍ معلوماتي جماعي، سلبنا حلاوة المناجاة، وتركنا غرقى في شبر ماءٍ من الأخبار، نظن دويّه الفارغ بحراً طامياً.

ذئب الصورة

هذه الوقائع لا تدخل إلينا بحجمها الحقيقي، بل بأزيائها النارية، بمساحيقها البصرية، بصخبها الذي يشبه صفّارات إنذارٍ لا تنطفئ. وصار الحدثُ الإخباري وحشًا يقتات من انتباه الناس، يفتح فمه كل ساعة، فيلتهم دفعاتٍ جديدة من الحسّ العام، حتى إذا امتلأ بهم، أعاد لفظهم جماهيرَ مبهورة، تعرف ما اشتعل، وتجهل ما استقر، وتحصي عدد الانفجارات، ثم تمرّ على الجراح العقدية الكبرى كما يمرّ المسافر المستعجل على قبر أبيه. وهذه هي الفكرة المركزية التي قررها ماكسويل ماكومبس ودونالد شو في دراستهما الكلاسيكية عن وظيفة الإعلام في تشكيل جدول الاهتمام العام[1]. ثم تأتي بعد ذلك آلية التأطير؛ أي الطريقة التي يُنتقى بها جزء من الواقع ويُدفع إلى الصدارة ليصبح هو العدسة التي يُرى منها المشهد كله، كما شرح روبرت إنتمن ذلك في مقالته.[2]

هذه النفس البشرية تنعطف بطبعها نحو المتحرك، نحو المشتعل، نحو الشيء الذي يبدّل جلده كل لحظة، ولهذا تنجذب إلى اللهب أكثر مما تنجذب إلى الحقيقة الهادئة الثقيلة التي تحتاج قلبًا يُحسن المكث. ومن هنا استطاعت الوقائع الضخمة إعلاميًا أن تتحول إلى مكنسةٍ عملاقة تكنس المشاعر كلها إلى زاوية واحدة،  وتلتقي هذه الفكرة مع ما وصفه علم النفس المعرفي بـ الاستدلال بالتوافر عند تفيرسكي وكاهنمان[3]؛ حيث يميل الإنسان إلى تقدير أهمية الأحداث واحتمالها بقدر سهولة استدعائها إلى الذهن، لا بقدر وزنها الحقيقي في الميزان.

نزيف الأولويات

وحين نمدّ أيدينا إلى الوحي لنعالج هذا الدوار، يتكشّف لنا أن القرآن لا يربّي الإنسان على الانبهار بجلد الأشياء، بل على تمزيق الجلد حتى تظهر الحقيقة. القرآن لا يريدك أن تكون متسوّلًا على أبواب الصورة، بل شاهدًا على مكرها. لا يريدك أن تقف عند ظاهر المشهد كمن يحدّق في الموج وينسى البحر، بل يعلّمك أن تحت القشرة طبقات، وتحت الصخب مقادير، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. يا لها من آية كاشفة! معرفةٌ متبحرة بحرير الدنيا، وجهلٌ مدقع بلبّها؛ ملاحقةٌ لاهثة للقشور، وفقرٌ روحي ومعرفي في وزن الحقائق. وقال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]. كثرة المشاهدة قد تجتمع مع موت الحسّ، حتى يغدو الإنسان خبيرًا بتفاصيل المشهد، أميًّا أمام معناه.

فالمسألة في أصلها فقهُ ما يلهي. كيف ينجح الطارئ في طرد المركزي من عرشه. وكيف تتورم الصورة حتى تأكل القيمة. وكيف يتحول الحدث إلى ستارة دخان، لا ليفسر الواقع، بل ليبتلع ما وراءه. وهذا باب قرآني واسع، بابٌ تتعرّى فيه النفس حين تستبدل بالمركزي ما هو قريب، وبالراسخ ما هو مستعجل، وبالميزان ما هو قابل للبثّ والتدوير والقصّ وإعادة النشر.

دفن التحولات

التاريخ يقدّم لنا هذه اللعبة القديمة بثيابٍ جديدة، ويضع بين أيدينا شواهد حيّة تُقرأ بعينٍ تبصر السنن لا بعينٍ تنشغل بالسطح. فكم من تحولاتٍ عميقة مرّت تحت أصوات المدافع، وكم من انزياحاتٍ خطيرة تسللت خلف الحشود المسمّرة أمام الواجهات المشتعلة، حتى صار الحدث الظاهر جدارًا يُخفى خلفه حدثٌ أعمق. ويكفي أن يتأمل الناظر ما جرى في الأندلس لأن الصورة تتضح بجلاءٍ مؤلم؛ فقد عاشت مدن الطوائف حالة استنزافٍ مستمر في الحروب البينية والمنافسات السياسية، حتى صار الحدث اليومي هو صراع الجيران، بينما كان الحدث الأعمق هو تفكك البنية السياسية الجامعة، وهو ما مهّد الطريق لتقدم الممالك النصرانية تدريجيًا حتى سقطت طليطلة[4] سنة 478هـ،  ثم توالى سقوط المدن بعد ذلك.

وفي زمن الحروب الصليبية، يُسطر ابن القلانسي في تاريخه: أن بيت المقدس سقط[5] سنة 492هـ في ظل انشغال كثير من القوى الإسلامية بصراعاتٍ محلية، حتى بدا الحدث وكأنه مفاجأة، مع أن مقدماته كانت تتشكل عبر سنوات من التمزق السياسي والتراخي الاستراتيجي.

ولست أتعامل مع التاريخ باعتباره أرشيفًا زمنياً، وإنما جهاز لقياسٍ القلوب، يُظهر مقدار ما يسري في الأمة من حرارة الحسّ تجاه مقدساتها، ومقدار ما يستقر في وجدانها من تعظيمٍ لما عظّمه الله. ففي سنة 654هـ[6]، حين شبّ الحريق في المسجد النبوي، ارتجّ الوجدان الإسلامي كلّه؛ لأن النار مسّت موضعًا مقدساً يسكن في الذاكرة، وتحيط به مهابة الرسالة، وتنعقد عليه في القلوب معاني المحبة والسكينة والإجلال. فتحوّل الحدث في شعور الناس إلى آيةٍ هائلة، وتجاوز في الوعي الإسلامي آنذاك صورة الخشب والسقف والجدار، لأن المكان كان يحمل من المعنى ما يجعل كل ما يقع فيه نافذًا إلى أعماق الروح، آخذًا بمجامع الفؤاد، باعثًا على التأمل والفزع واليقظة.

وهنا يسطع الفارق الكاشف مع مشهدنا المعاصر؛ فإغلاق المسجد الأقصى اليوم لأكثر من ثلاثين يومًا يمسّ موضعًا باركه الله، ووصله بالإسراء، وجعله في الوعي الإيماني قطعةً من جغرافيا القداسة، وركنًا من أركان الذاكرة التعبدية للأمة. ومع ذلك يتراجع حضوره في الحسّ العام حين يعلو ضجيج الحرب الإقليمية، فينصرف السمع إلى ما يشتعل، وتتهافت الأبصار على ما ينفجر، بينما يبقى الجرح المقدسي في مرتبةٍ أدنى من حضوره الذي يليق به في ميزان الشرع.

ومن هنا ينكشف معنى سجن العاجل في أوضح صوره؛ فهو يعيد سبك مراتب الشعور، ويمنح الوهج سلطة التقديم، ويجعل ما يصرخ أكثر أسرع نفاذًا إلى الوعي من الذي يزن أكثر عند الله. فتضطرب البوصلة، وتختلّ الحساسية، ويغدو المقدس في حاجةٍ إلى من يذكّر به، مع أن حقّه أن يكون مستقرًّا في مركز الفؤاد، حاضرًا في أول سلم العناية، متقدّمًا في الوجدان كما هو متقدّم في الميزان.

ولأن من جهة السياسة العامة، فإن ما يجري يقترب أيضًا من وصف أنتوني داونز في نظرية دورة الاهتمام بالقضية[7]؛ إذ تقفز بعض القضايا فجأة إلى ذروة الاهتمام العام، ثم تبقى هناك وقتًا قصيرًا، ثم تتراجع تدريجيًا، مع أن المشكلة الأصلية قد تبقى قائمة أو تتفاقم. وليست القضية أن وراء كل واقعة مؤامرةً كونية، بل القضية أن العالم الحديث صار يتقن فنّ التعمية بالإنارة، وفنّ الإخفاء بالتكثيف، وفنّ دفن المقدسات تحت شاحنات العاجل التي تعبر فوق القلب ليلًا ونهارًا.

والعاجل يعيد تشكيل الزمن نفسه في جمجمة الإنسان، حتى تتبدل علاقته بالأزمنة الثلاثة دون أن يشعر. الماضي يتحول في داخله من ذاكرةٍ حيةٍ تبني الهوية وتورث البصيرة إلى أرشيفٍ باهتٍ لا يستدعيه إلا على سبيل الفضول، وتفقد الحوادث السابقة قدرتها على أن تكون مرآةً يُقاس عليها الحاضر، أو جذورًا تُفهم من خلالها التحولات، أو خبرةً تُستثمر في قراءة ما يجري. والمستقبل يفقد في هذا المناخ ثقله بوصفه مآلًا تُوزن عليه الأفعال، وعاقبةً تُبنى على أساسها القرارات، فيغدو غائمًا في الوعي، مؤجّلًا في الحس، بعيدًا عن ساحة التقدير. ويبقى الحاضر وحده متورمًا، متضخمًا، مستحوذًا على كامل الانتباه، حتى يصير الإنسان محبوسًا داخل لحظةٍ لا تتصل بما قبلها ولا تمتد إلى ما بعدها، لحظةٍ تستهلكه ولا تبنيه، وتستنزف طاقته ولا تمنحه قيمة.

وعلى إثر هذا يتشكل أخطر آثار سجن العاجل: انقطاع الامتداد الزمني في الإدراك، فتضيع القدرة على رؤية السياق، ويبهت الإحساس بالسنن الكونية، ويضعف الشعور بالتراكم، ويتحول العقل إلى كائنٍ يعيش في مقاطع زمنية قصيرة، منفصلة، متوترة، متلاحقة، دون خيطٍ جامعٍ يربط بينها.

إدمان الإثارة

ومن داخل هذا الاضطراب الزمني ينشأ خلطٌ آخر أشد خفاءً، وهو الخلط بين الخبر والحدث. فالخبر مادةٌ تُستهلك، يُلتقط من سطح الواقع، ويُعاد تقديمه في قالبٍ يصلح للتداول السريع، ويُقاس نجاحه بقدر انتشاره وقدرته على إثارة الانتباه. أما الحدث فهو بنيةٌ ممتدة، له جذورٌ في الماضي، وتشابكاتٌ في الحاضر، ومآلاتٌ في المستقبل، وهو لا يُقرأ من خلال لقطته الظاهرة، بل من خلال طبقاته المتراكبة وسياقه العميق. الخبر يملأ الفراغ، والحدث يفسر العالم. الخبر يثير، والحدث يؤسس. والخبر يُستهلك، والحدث يُفهم.

ومع تكرار هذا النمط من التلقي، تبدأ النفس في التشكل على هيئةٍ جديدة؛ هيئةٍ مدمنة على الاستثارة. فالعاجل لا يكتفي بجذب الانتباه، بل يعيد برمجة الذائقة الشعورية، حتى تعتاد النفس الجرعات العالية من الإثارة، وتأنس بالتوتر، وتطلب الارتفاع المستمر في مستوى التحفيز. ومع الزمن، تفقد المعاني الهادئة قدرتها على التأثير، ويضعف وقع الكلمات الثقيلة التي تحتاج إلى مكثٍ وتأمل.

كيف تُهمَّش الأحداث الكبرى؟

دعني أكون أكثر وضوحاً؛ الإشكال الحقيقي هنا يكمن في مسألتين مركزيتين:

أولاً: أزمة "تسطيح الوعي" والهشاشة المعرفية

إن الضخ المعلوماتي اللحظي الكثيف الذي نتعرض له عبر الشاشات، يمارس عملية هدم صامتة للبنية العقلية الجادة. الإنسان اليوم يتلقى آلاف الشذرات، والتعليقات، والمقاطع المجتزأة، مما يولد لديه وهماً بـالامتلاء المعرفي. هو يظن أنه محيط بما يجري، بينما لو قمنا بتفكيك هذه الحصيلة، سنجدها مجرد نتف مبعثرة لا تنتظم في نسق أو منظومة معرفية متماسكة.

وهذا النمط من التلقي يقتل الملكة النقدية، ويجعل العقل مستلباً للحدث الطارئ، منفعلاً به، وعاجزاً عن إدراك المآلات أو قراءة السنن الكونية والاجتماعية الحاكمة للتاريخ. وإن المعرفة التي تُبنى عبر خطّ التدفّق هي معرفة أفقية ضحلة، تفتقد إلى العمق التأصيلي الذي لا يُنال إلا عبر المكابدة وطول الملازمة للكتاب الجاد.

ثانياً: "العلمنة الكامنة" واختلال "مركزية الآخرة"

وهذه هي الزاوية الأشد خطورة في تقديري. وهو الانغماس الشره في تفاصيل الأحداث اليومية (السياسية، الاجتماعية، أو حتى الفكرية) يمارس نوعاً من العلمنة الخفية في نفس المؤمن. كيف يحدث ذلك؟

التصور الإسلامي يجعل الآخرة هي المركز الذي تدور حوله مقاصد الإنسان ومساعيه. لكن حين يصبح الحدث اليومي/الدنيوي هو الحاضر الأكبر في الذهن، وهو المحرك الأساسي للانفعال، والولاء، والبراء، والاهتمام، فإن هذا يعني تراجعاً تلقائياً لـمركزية الآخرة في القلب. وهذا الانجذاب الشره لــالآن وهنا، يقطع امتداد المؤمن الوجودي. القرآن يقرر هذه الإشكالية بوضوح بالغ: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ سورة القيامة (20–21). فالغرق في العاجل هو بطبيعته تهميش للآجل. وهي حالة من التطبيع مع النظرة المادية الصرفة للزمن وللأحداث، حيث نفقد النظرة الغيبية والشرعية في تقييم ما يقع من نوازل.

إذن.. ما المخرج؟

حين نصل إلى هذه المفاصل الحرجة في تشخيص داء سجن العاجل الذي ابتلع أعمارنا، ندرك يقيناً أن الخروج من هذا الزنزانة لا يتحقق بمجرد إطلاق تأوهات ثقافية أو شكاوى مجردة من قسوة العصر السائل. بل إن هذا الانعتاق يستلزم مراغمة شرسة، وهندسة عكسية للوعي، تعيد للروح بوصلتها، وللعقل نسقه الرصين. ولتحقيق هذه الممانعة المعرفية والروحية، فنحن بحاجة ماسة إلى:

أولاً: استعادة المرجعية:

تعني ببساطة: أن نعيد بناء التصور الإسلامي في نفوسنا، ليكون الوحي هو الميزان الذي نزن به الأحداث. القرآن الكريم والسنة لا تقدم لنا مجرد أحكام فقهية، بل تقدم لنا عدسة إدراكية نبصر من خلالها الوجود. فحين يقرر الوحي مركزية الدار الآخرة، فهذا يعني أن كل حدث دنيوي يجب أن يُقرأ من خلال هذا المآل. وما يعظمه الوحي (كالصلاة، وبر الوالدين، ونصرة المظلوم، وبناء اليقين) يجب أن يكون هو المركز المشتعل في قلوبنا، وما يهمشه الوحي (كفضول الأخبار، وتوافه الصراعات، وما لا يُبنى عليه عمل) يجب أن نهمشه بصرامة وبلا أدنى شعور بالندم.

ثانياً: الانحياز للبناء التأصيلي:

إذا تجاوزنا عقبة المرجعية، واجهتنا عقبة الأداة. لقد صاغ سجن العاجل عقولنا على نمط اللقم المعرفية السريعة؛ تغريدات مبتورة، ومقاطع لا تتجاوز ثواني، ومنشورات تُقرأ وقوفاً. هذا النمط يصنع عقلاً مبعثراً، وهشاشة معرفية تجعل الشاب يظن أنه مثقف لأنه يملك نتفاً من المعلومات حول كل شيء، بينما هو في الحقيقة أعجز ما يكون عن تفكيك فكرة واحدة بعمق.

فالانحياز للبناء التأصيلي يعني: أن نوطن أنفسنا على مشقة القراءة المنهجية الجادة، وأن ننتقل من حالة الاستهلاك العشوائي إلى البناء المنظومي. والعقل المسلم القادر على محاكمة الواقع لا الانفعال به، لا يُصنع في أروقة منصات التواصل، بل يُصنع في عزلة الكدح الفكري.

يجب أن نعيد تدريب العضلة القرائية التي ضمرت، وأن نصبر على جفاف البدايات حين نفتح كتاباً جاداً فتشتاق أنفسنا لجرعة الدوبامين السريعة من الهاتف. إن هذا الصبر وتلك المكابدة هما الثمن الحقيقي لولادة عقل تأصيلي، يمتلك الجذور التي تضرب في أرض المعرفة، فلا تقتلعه رياح الشبهات، ولا تستخفه زلازل الشهوات. وإن عملاً تأسيسياً واحداً تنفق فيه شهوراً من الانقطاع، أعظم أثراً وأبقى نفعاً من آلاف التعليقات التي تذروها رياح النسيان في اليوم التالي.

ثالثاً: ضبط النوافذ:

كل ما سبق من تأسيس نظري سينهار تماماً إذا تركنا أبواب الحواس مشرّعة لهذا السيل المعلوماتي الهادر. وإن القلب الإنساني وعاء، وكما يقول ابن تيمية: "فَإِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ حَالَ مَنْ ضَيَّعَ قَلْبَهُ فَظَلَمَ نَفْسَهُ بِأَنْ اشْتَغَلَ بِالْبَاطِلِ وَمَلَأَ بِهِ قَلْبَهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ مُتَّسَعٌ لِلْحَقِّ"[8]. فضبط النوافذ يعني: ممارسة نوع من الحزم الإرادي الصارم في تقنين التعرض لهذا الضخ، لحماية مساحات الخلوة الضرورية لبناء القلب واستمداد السكينة من الوحي. والخلوة هي ضرورة تشغيلية للروح المؤمنة المعاصرة.

رابعاً: تفكيك وهم الإحاطة:

يجب أن ندرك شرعاً أن الله جل جلاله لم يكلفنا بالاطلاع على كل شاردة وواردة تقع في هذا الكوكب. هذا النزوع الشره لمتابعة كل حدث، والتعليق على كل نازلة، هو في عمقه خلل في تصورنا لـمفهوم التكليف. فالشريعة أناطت التكليف بالاستطاعة وبدائرة التأثير. الله سائلك غداً عما استرعاك عليه، وإن تفكيك وهم ضرورة الإحاطة بكل شيء، يمنح العقل المسلم سكينة بالغة، ويحفظ طاقته الشعورية لما يُسأل عنه حقيقة يوم الحساب.

خامساً: الانعتاق من التنظير الشبكي:

من أدهى حيل سجن العاجل وأشدها مكراً، أنه يقدم لأسراه مكافآت نفسية مجانية تُشعرهم بالرضا عن الذات. فحين تنفجر قضية كبرى، وينخرط الشاب في كتابة المنشورات، وتحليل المواقف، والدخول في ملاسنات شبكية حامية الوطيس، فإنه يُفرز في داخله نشوة المجاهدة. لكن هذه النشوة في حقيقتها هي إجهاض لطاقة الغضب المحمودة والغيرة الصادقة؛ فقد تبخرت هذه الطاقة في الفضاء الافتراضي بدلاً من أن تتحول إلى كدح حقيقي في الواقع. ونحن بحاجة ماسة إلى استعادة جلال العمل الصامت، ذاك العمل الذي لا تلاحقه الكاميرات، ولا تحصي أثره عدادات الإعجابات وإعادة النشر، بل تحصيه الملائكة في صحائف بيضاء. وهذه الأمة لا ينقضها كثرة المحللين في المدرجات، بل ينقصها العاملون بصمت في خنادق البناء الدعوي والعلمي والمؤسسي.

سادساً: حماية المضغة من تبلد الإلف والاعتياد:

إن الشاشات في هذا العصر السائل تمرر أمام أعيننا في اليوم الواحد مشاهد من المآسي، والدماء، والحروب، والانتهاكات، ما كان يكفي في أزمنة مضت لإبقاء أمة بأكملها في حالة استنفار وحزن حولاً كاملاً. لكن هذا الضخ المتوالي الكثيف لا يصنع تعاطفاً حقيقياً، بل يصنع تبلداً شعورياً مخيفاً. يتحول الدم المسفوك، والمقدس المنتهك، إلى مجرد خبر عاجل يُكتب بخط عريض أسفل الشاشة، نتجاوزه ببرود لنشاهد بعده بثوانٍ مقطعاً ترفيهياً أو إعلاناً تجارياً!

إن الممانعة الروحية هنا تتطلب أن نحمي قلوبنا من هذه القسوة الباردة. يجب أن نتوقف عن استهلاك آلام أمتنا ومقدساتها كمجرد مواد إعلامية للتصفح، ليعود إلينا نبض الاستشعار الحقيقي الذي يثمر دعاءً في الأسحار، ونصرةً حقيقية لا مجرد استهلاك بصري متبلد.

سابعاً: التمييز الصارم بين "ما لا يسع جهله" وبين "ما لا ينفع علمه":

نقولها بالقلب الناطق ليس المطلوب أن يعيش المسلم في كهف منقطعاً عن سياقه الزمني، يجهل ما يُحاك لأمته، بل المطلوب هو تفعيل مصفاة الوعي. فهناك قدر من الأحداث والوقائع الكبرى يجب أن يعلمها المسلم ليبني عليها موقفه الشرعي وتصوره لما يحدث، ولكن المشكلة تكمن في الغرق في مستنقع التفاصيل؛ تفاصيل الخلافات، وتفاصيل الردود، وتفاصيل الحوادث اليومية التي لا يُبنى عليها عمل، ولا يترتب عليها حكم. إن قاعدة (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ليست مجرد أدب نبوي في التعامل الاجتماعي، بل هي اليوم طوق نجاة معرفي ومنهجي يحمي العقل من الغرق في طوفان التفاصيل التافهة.

ثامناً: الهجرة إلى "الآجل"

وفي نهاية هذا التطواف، يا صاحب القلب الذي يفتش عن نجاته، نحن نتحدث عن أعمار تُهدر على أرصفة الشاشات، وعن أرواح تُستنزف في معارك وهمية، وعن رسالة استُخلفنا فيها فتلهينا عنها بمراقبة المارة! ويوم نقف بين يدي الله جل جلاله، في يومٍ تشخص فيه الأبصار، لن نُسأل عن عدد الساعات التي قضيناها في تتبع الترند، ولن نُسأل عن دقة تحليلاتنا لـتدفّق الوقائع السياسية التي لا نملك فيها حلاً ولا عقداً. بل سنُسأل عن أعمارنا فيما أفنيناها، وعن شبابنا فيما أبليناه، وعن علمنا ماذا عملنا به.

فلتكن هجرةً صادقة؛ نكسر بها قيد هذا العاجل الموهوم، ونهاجر بأرواحنا وعقولنا إلى رحاب الآجل المأمول. لِنعُد إلى القرآن تلاوةً وتدبراً، وإلى مجالس العلم التأصيلي حفظاً وفهماً، وإلى العمل الجاد بناءً وعطاءً، ومطالعة الأخبار مطلوبة بقدرها؛ إلى الحدّ الذي يُبقيك شاهدًا لا ضحية، قارئًا لا مادةً للقراءة، ممسكًا بالخيط لا مسحوبًا مع التيار. وإن مسار الفطام عن هذا الإدمان الشبكي شاق وموجع، وتتوق فيه النفس مراراً للعودة إلى ضجيج العناوين اللافته، لكن.. لوعة المصابرة اليوم، أهون بكثير من لوعة الحسرة على فوات العمر غداً. ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.

ومن هنا يبقى المعيار الحاسم: استعادة مركزية الوحي في تقييم الأحداث. أن تزن قبل أن تنفعل. أن تسأل قبل أن تنجرف. أن تُخضع ما يملأ الشاشات لما يملأ الميزان. أن تعرف أن كل ما يشتعل أمامك ليس بالضرورة هو الأهم، وأن كل ما يُدفَع إلى الهامش ليس بالضرورة هامشيًا. حينها فقط ينجو القلب من العبودية الخفية للصورة، ويخرج العقل من سجن العاجل، وتعود للمقدسات هيبتها في الوعي الإيماني، ويكفّ الناس عن دفن ما باركه الله تحت أنقاض ما يصرخ أكثر. فالمعركة اليوم على أرضية ترتيب الإدراك نفسه؛ على من يملك حقّ أن يقول لك: هذا هو الأهم. والوحي وحده يملك هذا الحق، لأنه وحده الذي يرى الأشياء بوزنها، لا بوهجها.

 ____________________

ثبت المراجع

[1] McCombs, Maxwell E., and Donald L. Shaw. “The Agenda-Setting Function of Mass Media.” Public Opinion Quarterly 36, no. 2 (1972): 176–187.

[2] Entman, Robert M. “Framing: Toward Clarification of a Fractured Paradigm.” Journal of Communication 43, no. 4 (1993): 51–58.

[3] Tversky, Amos, and Daniel Kahneman. “Availability: A Heuristic for Judging Frequency and Probability.” Cognitive Psychology 5, no. 2 (1973): 207–232.

[4] أحمد بن محمد المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، ج٤، ص٣٥٢.

[5] ابن القلانسي، تاريخ دمشق، تحقيق: د. سهيل زكار، ص٢٢٢.

[6] ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، ط١، ١٧/٣٤١.

[7] Downs, Anthony. “Up and Down with Ecology: The Issue-Attention Cycle.” The Public Interest 28 (1972): 38–50.

[8] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، جـ 9، ص 316.

لينةفاطمةعبدالقادر محمد شريف5 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة علي آل حوّاء البريدية

نشرة علي آل حوّاء البريدية

هذا البريد خيطٌ رفيعٌ يربطني بما يستحق أن يُحفظ في الذاكرة، فليس مجرد سطرًا في قائمة، ولا إشعارًا ينطفئ مع الوقت، بل هو لحظة توقّف وسط الركض، ومجال للتأمل في عالمٍ لا يكفّ عن الاندفاع.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة علي آل حوّاء البريدية