منادمة الثلج |
| 6 مارس 2026 • بواسطة علي آل حوّاء • #العدد 14 • عرض في المتصفح |
|
مدادٌ على جليدِ السويد - ج 1
|
|
|
|
|
|
|
عن شيء يشبه المقدمة: |
|
لم أُعاهد قلمي على كتابة الأسفار، ولم أُدرّبه على كشف المساحات الخاصة التي أحب أن تبقى في حراستها الصامتة؛ ومع ذلك، حين تناهى إلى مسامع بعض الأصدقاء خبر هذه الرحلة، أخذوا من الحياء مطرقةً لطيفة، وراحوا يطرقون بها بابي طرقًا متتابعًا، حتى لان الباب، وخرجت هذه الكلمات. |
|
فيا قارئي، إن كان في يومك عملٌ أجلّ، أو علمٌ أنفع، أو واجبٌ ينتظرك، فامضِ إليه مأجورًا، فإن الوقت رأس مال الحياة، وما أكرم الإنسان حين يحسن إنفاقه. وإن أقمتَ معي، فتهيأ لبردٍ معنويّ؛ فإن هذه الكلمات وُلدت في صقيعٍ صافح الوجه، وهذه قصة قلبٍ خرج من دفءٍ مألوف إلى بياضٍ ممتد، فوجد في الامتداد مرآة، وفي البياض صفحة، كتبتها بعينٍ تنظر إلى الخارج لتبصر الداخل، وبقلمٍ أراد أن يلتقط من الثلج قبسًا، ومن البرد دفئًا، ومن الغربة قربًا. وإن وجدت فيها ما يلامس شيئًا فيك، فدع ذلك الشيء ينمو في هدوء؛ فالحروف التي تُكتب في الثلج تحمل قابلية الذوبان، وما يثبت منها هو ما استقرّ في القلب لا ما بقي على الصفحة. ولعلّك، وأنت تقرأ، تشعر بشيءٍ من برد المكان، وشيءٍ أكبر من دفء الفكرة، فتكون الرحلة قد أدّت غايتها، قبل أن تبلغ نهايتها. |
|
الخامسة والنصف صباحًا |
|
الطائرة تعلو من مطار شارل ديغول، رأيت الليل يتراجع على استحياء، كأن باريس تعيد تمثيل انسحاب نابليون من ضفاف النيل، وأضواء المدينة تتضاءل تحت جناح الطائرة كما تنكمش ذاكرة يومٍ طويلٍ في صدر مسافرٍ يستعد لصفحة جديدة. في المقعد المجاور للنافذة جلستُ أرقب الغيم، وكان الغيم في ذلك الصباح كتابًا أبيض يُكتب عليه خواطر المسافر. ما إن هبطت الطائرة في ألمانيا برهةً، حتى خُيّل إليّ أن ألمانيا تُهيّئ كرسيّ الاعتراف لتسرد تاريخ كآبتها، غير أنّ إعلان الصعود إلى ستوكهولم جاء رحيمًا، فأنقذني من جلسة علاجٍ نفسيّ. |
|
على جناح الرحلة إلى السويد، كلما اقتربنا أخذت السماء تتخفّف من ألوانها كما يتخفّف القلب من أثقاله، حتى استقرّ البياض في مركز اللوحة، عند الهبوط، أُعلن عن درجة الحرارة: سبع عشر درجة تحت الصفر، فشعرتُ أن الرقم لم يُكتب على الشاشة، بل وُضع مباشرةً على عظامي للتجربة العملية، كان البرد ينقر الجسد نقرًا مهذبًا. خلف الزجاج، كانت الغابات ترتدي فستانها الأبيض في وقارٍ ملكيّ، كأنها تستعدّ لعُرسٍ قطبيّ لا يأتي إليه أحدٌ، والبحيرات تتجمّل بثلجها كأنها تستعدّ لالتقاط صورة جماعية مع السماء. |
|
هبطت الطائرة في مطار أرلاندا، وكان الهواء أول مصافحةٍ بيني وبين الشمال. نسمةٌ باردة دخلت الرئتين فوسّعتهما، وعند بوابة القادمين، رأيتهم. ثلاثة وجوهٍ تشرق بصدق الغربة، وتفيض بحرارة الإخاء. تقدّم الأنيق خُلقاً عبدالرحمن، القادم من اليمن، وعانقني بلهفةٍ صادقة؛ وحين صافحته شممتُ عبق البنّ اليمني، رائحةٌ عتيقة كأنها خرجت من جبال تعز لترافقه إلى أقصى بلاد الشمال. في تلك اللحظة شعرتُ بأن اليمن اختصرت مسافتها، وأن دفء الجنوب يسري في برد الشمال، إلى جانبه كان رضوان، بملامح هادئة وعينين تحملان تأمّلًا طويلًا، ثم محمد؛ كلاهما من أرضٍ يعانقها المحيط، وجوهٌ يشعّ منها دفء الشمس الصومالية، وأصواتٌ فيها نبرةُ بحرٍ بعيد. |
|
خرجنا إلى العاصمة، وكانت ستوكهولم تبدو كلوحةٍ مرسومةٍ بعناية إسكندنافية: مبانٍ أنيقة، نوافذ مضاءة بلطف، جسور تمتد فوق مياهٍ نصف مجمّدة، وأشجار صنوبر تعلوها قبّعات من الثلج. دار بنا الحديث في جولةٍ سريعة؛ أشاروا إلى الأحياء، إلى الميناء وهو يلوّح بذراعه المالحة، إلى المباني التاريخية، وتحدّثوا عن الحياة هنا، عن حياةٍ تُدار بساعةٍ دقيقةٍ لا تعرف التثاؤب، عن هدوءٍ يشبه تأمّل راهبٍ في ديرٍ قطبيّ، وعن أسئلةٍ للهويةٍ تقف كل مساءٍ على الباب تطلب فنجان حوار. |
|
كان في أحاديثهم عمق الشباب الذي يحمل همًّا أكبر من سنّه. تحدّثوا عن الدراسة، عن الوظائف، عن تحديات اللغة. ثم انطلقنا نحو مدينة نورشوبينغ ثلاث ساعات مطوية بحسن الحديث، الطريق كان قصيدةً بيضاء؛ الثلج يغطي الأرض حتى الأفق، وأضواء السيارة تشقّ ليلًا أزرق كثيفًا. ولما أرخى الأفقُ سدوله، وأشرق الهلال إشراقة الشوق لمحبيه: غدًا رمضان. وما هي إلا لحظات حتى غصّ المسجد بأهله؛ رجالٌ ونساءٌ وأطفال، هذا بملامحٍ إفريقية، وذاك بسمتٍ آسيوي، وثالثٌ ببياضٍ أوروبي، وألسنةٌ تتدافع في الردهة كما تتدافع الأمواج، ثم تصمت جميعًا إذا قام الإمام. لو رأيتني وأنا أفتّش عن قاسمٍ يجمع هذه الصور، فلم أجد غير القبلة سِرًّا، ولا غير التكبيرة عروةً، ولا غير السجود ختمًا. وكان الجمع كثيفًا يجاوز الألف، كأنّ كلّ واحدٍ منهم جاء يحمل قطعةً من العالم ليضعها هنا في الجامع. |
|
حين يكتب الثلج جغرافيته |
|
ارفع بصرك معي، وضعه على طرف الأفق الشمالي، تلك هي السويد، صفحةٌ بيضاء كتب عليها الضوء اسمه، وجعل الغابة حاشيتها، والماء هامشها. هذه البلاد تُرى لأول وهلة كساعةٍ ضخمة لا يضلّ عقربٌ فيها طريقه. |
|
عاصمتها ستوكهولم مدينةٌ وُلدت من الماء؛ تقوم على جزرٍ متجاورة، وتنساب بينها القنوات كأوردةٍ زرقاء تنقل الحياة. تمشي في شوارعها فتشعر أن كل حجرٍ موضوعٌ بميزان، وكل نافذةٍ تعرف نصيبها من الضوء. البيوت بألوانٍ هادئة: أصفرُ قشّي، وأحمرُ خشبيّ، وأزرقُ باهت، كأنها لوحاتٌ زيتية علّقها فنانٌ صبور على جدار الطبيعة. والماء هنا هو ذاكرة المدينة، ومرآتها، ونافذتها على العالم. |
|
|
ثم تمضي جنوبًا أو غربًا، فتجد الغابات تمتد بلا حدود، صنوبرٌ وشجرُ بتولا، يعلوها في الشتاء تاجٌ من الثلج، وفي الصيف تاجٌ من خضرةٍ ندية. الناس يخرجون إلى البحيرات، يمشون في المسارات الخشبية، يجلسون على صخورٍ ملساء يراقبون غروبًا يتأخر طويلًا في الصيف، والسويد أيضًا دولة نظامٍ دقيق؛ مؤسساتها تعمل بإيقاعٍ محسوب، والشارع نظيف كصفحةٍ جديدة، و الناس هنا يقدّرون المسافة الشخصية، وإذا صعدتَ شمالًا أكثر، رأيت السماء وقد أعدّت مسرحها لعرضٍ سماويّ، فارتفع الشفق القطبي كالوشاح الأخضر في جيد الليل، يخطّ في الفضاء خطوطًا من دهشةٍ صافية. |
|
|
وتأمل هذه الفائدة اللغوية اللسانية المجتمعية، في لسان الشمال، لا يُدعى الثلج باسمٍ واحد، بل يتكاثر في الألفاظ كما يتكاثر في الصور؛ فهو Snö في عمومه، وSnöfall إذا انحدر من السماء في موكبٍ أبيض، وSnöflinga حين تتجلّى الندفة مفردةً كخاتمٍ من بلور، وSnötäcke إذا افترشت الأرض غطاءً واسعًا، وSnödriva إذا تراكم تلالًا صامتة، وSnöstorm إذا هاج في عاصفةٍ تملأ الأفق رهبةً، وSnödrev إذا ذرته الرياح في فضاءٍ مضطرب. ويختلف حاله فيقال Nysnö للحديث الطريّ، وLössnö للخفيّ المفكك، وPudersnö للمسحوق الناعم، وBlötsnö للرطب، وHård snö إذا اشتدّ وتماسك. فإذا خالطه الماء صار Snöslask، وإذا استحال صفائح صلبة دُعي Is، وقد يلمع أملس فيُقال Blankis، أو يتزخرف صقيعًا فيُسمّى Rimfrost، تُعطي هذه اللغة لكل هيئةٍ اسمها، وكأنها ترى في الثلج عالَمًا من الفروق الدقيقة، فتمنحه من البيان ما يليق به. |
|
|
وفي داخلي تمازجت رهبة الغربة مع نشوة الاكتشاف. رهبةٌ لأنك تقف على تخوم ثقافةٍ جديدة، مما استوقف بصري هنا تلك المنازل، كأن أهلها أدركوا سرّ الألوان وأتقنوا توزيعها؛ فاختاروا لكل موضعٍ نبرته؛ الثلج حول البيوت حريرٌ أبيض يكفي المشهد مهابةً وضياءً، وفي الداخل شمسٌ خافتة تسكن المصابيح، لا يخلطون البياض بالبياض، بل يوازنون بين صفاء الخارج وعسل الداخل. ويا لروعة هذا الليل حين تنهض البيوت القرمزية كشموعٍ ثابتة في ممر الصقيع. النوافذ عيونٌ مضاءة، خلفها حكاياتُ لا يمكن التنبؤ بها، والطريق يتلوّى في رفقٍ كجدولٍ من فضة، وعلى جانبيه مصابيحُ صغيرة تُمسك بطرف العتمة وتحوّلها إلى صحبةٍ لينة. وهكذا كان المشهد في كل ليلة. |
|
|
ولون السماء عند الشروق لوحةٌ لا تشبه ما اعتاده القادم من الجنوب، فهنا في الشمال يتبدّل مفهوم الفجر كما يتبدّل لون السماء في لحظة انتقالٍ بين سرّين. الفجر هنا ليس حدًّا فاصلاً بين ظلمةٍ وضوء، بل تدرّجٌ طويلٌ من العتمة المضيئة، وكأن الليل يسلّم مفاتيحه للنهار على مهلٍ وتأمّل. الضوء يتقدّم ببطءٍ رصين، ينساب أولًا في أطراف الأفق بلونٍ أزرق بارد، ثم يعلو شيئًا فشيئًا حتى يؤول المشهد لوحةً من صفاءٍ شفيف. |
|
في السويد يبلغ أقصر النهار غايته في أواخر ديسمبر، فينكمش الضوء حتى يغدو خمس ساعاتٍ وميضًا خاطفًا، ثم يدور الفلك دورته، ويأتي الصيف فيقلب الميزان؛ يمتد الضوء حتى يناهز تسع عشرة ساعة في مدنٍ كستوكهولم، ويزداد طولًا كلما ارتفعت الخطى نحو الشمال، حتى يكاد الليل يستحي أن يبسط ستاره كاملًا. وفي هذه الأيام المضيئة إذا وافق رمضان، طال زمن الصيام حتى يلامس تسع عشرة ساعة، فيغدو الإمساك مدرسة صبر. ولمحة عن الطبيعية هنا: تظهر البحيرات المتجمّدة، مساحاتٌ شاسعة من البلّور المصقول، تحمل فوقها سماءً معكوسة. تقف أمامها فتشعر أن العالم صار مرآةً مزدوجة؛ فوقك فضاءٌ صافٍ، وتحت قدميك فضاءٌ يعكس ما تنظر إليه فوقك. فالماء الذي اعتاد الحركة صار سكونًا، والسطح الذي كان يضطرب بالأمواج صار صفحةً ثابتة، والتجمّد اكتمال دورة؛ فالماء الذي جرى طويلًا يستريح في هيئة سكون، وسكونه استعدادٌ لرحلة أخرى. |
|
|
حين يتحول تنفّسك أمام عينيك إلى سحابةً صغيرة تمضي ثم تتلاشى، تدرك أن ما يخرج من فمك يحمل صورةً تُرى. الكلمة كذلك؛ تخرج دافئة من الداخل، ثم تستقر في هواء الآخرين، تُشكّل مزاجًا، وتترك أثرًا، والهواء الذي كان عادةً خفيًا صار علامةً ظاهرة. |
|
ومن أعجب ما رأته عيناي في تلك البلاد أن الأرض، حين تشتدّ عليها قبضة الشتاء، يُوقَد لها دفءٌ قبل أن يُودَع فيها جسدٌ راحل. يستعملون البطانيات الحرارية تمتد فوق التربة البيضاء في سكونٍ مهيب، أشبه بكفٍّ حانية توضع على جبينٍ بارد، فيتصاعد بخارٌ خفيف كأن الأرض تزفر أنفاسها بعد طول جمود، يقف المشيّعون بمعاطف داكنة، تتقاطع أنفاسهم في الهواء البارد، وتتلاقى نظراتهم عند بقعةٍ صغيرة بدأت تذوب فيها القسوة، ثم يدفن بعد ذلك ميتهم. |
|
عن الكائن السويدي |
|
أنا في هذا المداد رسولُ مشهدٍ قبل أن أكون قاضيه؛ أنقل الصورة كما نزلت في البصر واستقرّت في القلب. غير أنّ بعض الوقائع تستدعي ميزان الفكر، فإذا صدر الحكم في هذه الصفحات، فذلك صوتي أنا، لا صدى المشهد وحده. يتشكّل إنسان الشمال بين ساعةٍ مضبوطة وضوءٍ متبدّل، فعلاقة الإنسان هنا بالوقت علاقةٌ واعية. الدقة في المواعيد جزءٌ من الاحترام المتبادل، وتنظيم اليوم يُقرأ بوصفه قيمةً أخلاقية. الناس يعيشون ساعاتهم بترتيبٍ محسوب، ويمنحون لكل نشاطٍ نصيبه من الانتباه. |
|
مفهوم الخصوصية ركنٌ راسخ في الوعي الجمعي، البيت عالمٌ مستقل، والقرار الفردي مقدّس، والحياة الشخصية مصونة بقانون ونصف أخلاق، وثقافة الصمت سمةٌ بارزة؛ الصمت هنا أسلوب حياة. في القطار، في الشارع، في قاعات الانتظار، يسود هدوءٌ يتيح لكل إنسان أن يعيش أفكاره دون اقتحام. وهذا الميل إلى الصمت يضعف أحيانًا حرارة الحوار، ويجعل البوح الداخلي يتراكم في زوايا النفس. |
|
احترام النظام قيمةٌ مركزية؛ المواعيد مضبوطة، الصفوف مستقيمة، القوانين محترمة بوصفها عقدًا أخلاقيًا قبل أن تكون نصوصًا رسمية. يشعر الفرد أن التزامه بالنظام مساهمةٌ في صون كرامة الجميع. وفي تعاملهم مع الأطفال ترى عنايةً واضحة ببناء الشخصية منذ الصغر. يُمنح الطفل مساحةً للتعبير، ويُشجَّع على الاستقلالية، وتُحترم آراؤه بوصفه فردًا كامل القيمة. وحضور المرأة في المجتمع ظاهرٌ في مختلف المجالات؛ في الإدارة، في التعليم، في الفضاء العام. تُعامل بوصفها شريكًا كاملًا في البناء، وتُتاح لها فرص متكافئة، هذا الحضور يعكس فلسفةً اجتماعية تقوم على المساواة والتمكين المطلق. وفي الوقت ذاته، يعيش المجتمع نقاشاتٍ عميقة حول أدوار الأسرة والتوازن بين العمل والحياة الخاصة، بحثًا عن صيغةٍ تحفظ الروابط الإنسانية في ظل انشغالٍ مهني واسع. |
|
مفهوم العائلة يميل إلى التركيز على النواة الصغيرة؛ أب وأم وأبناء يعيشون باستقلالٍ واضح عن الدوائر الأوسع. الروابط الأسرية قائمة على الاختيار والاحترام المتبادل، والزيارات منظمة، والقرارات مشتركة، فتبدو الحياة أكثر اعتمادًا على المؤسسات وأقلّ اعتمادًا على شبكة القرابة. |
|
فرديةٌ موحشة |
|
ومن مواطن الهشاشة في المجتمع السويدي يتجلّى وجهٌ حداثيّ مشدود القوام، مجتمعٌ صاغته دولة الرفاه صياغةً دقيقة، وصقلته يد النظام حتى غدا انتظامه جزءًا من هوائه، وتوجّهت خطاه بقيم الاستقلالية حتى ارتقت إلى منزلة الأصل المؤسِّس. غير أنّ هذا البناء المحكم، حين يُتأمّل من الداخل، يكشف طبقاتٍ من الأسئلة النفسية والاجتماعية تدور حول الدفء والمعنى والهوية. |
|
تبدو الفردية قيمةً عليا، حتى تكاد تصبح محور الوجود الاجتماعي. هذه الفردية تمنح الإنسان استقلالًا واسعًا، غير أنها تُنتج في طبقاتها العميقة شعورًا بالعزلة المرعبة. ويقلّ الاحتكاك العفوي الذي يمنح الحياة دفئها الإنساني. ثقافة الخصوصية العالية تُشيّد مسافاتٍ واضحة بين الناس، فيصبح الاقتراب عمليةً بطيئة تحتاج إلى وقتٍ طويل. والعلاقات الاجتماعية تميل إلى السطحية المنظمة، والبوح العميق يظل محدودًا داخل دوائر ضيقة. وتنعكس آثار ذلك في العلاقات: مسافةٌ زائدة، فتورٌ في التواصل، اعتمادٌ متزايد على العلاج النفسي بوصفه الفضاء الأكثر أمانًا للحديث عن الداخل. |
|
النظام الصارم، الذي يمثل إحدى أبرز نقاط القوة، يتحول في بعض جوانبه إلى ضغطٍ داخلي دائم. التوقعات المرتفعة من الأداء الشخصي، والاعتماد الكلي على الذات، وصيغة الحياة المستقلة منذ سن مبكرة، تخلق عبئًا نفسيًا ملحوظًا. ترتفع معدلات القلق والاكتئاب في أوساط الشباب، ويبحث كثيرون عن معنى أعمق يتجاوز الإطار المادي المنظم. الرفاه المادي حاضر بقوة، غير أن سؤال الغاية يظل مفتوحًا في داخل النفوس. |
|
التفكك الأسري النسبي يمثل ملمحًا آخر؛ الأسرة النووية الصغيرة تعيش باستقلالية كبيرة، والعلاقات الممتدة بين الأجيال تقلّ كثافتها. كبار السن يعيشون غالبًا في مساكن مخصصة، ويحظون برعاية مؤسسية، غير أن الدفء العائلي اليومي أقل حضورًا. هذا النموذج يوفّر كرامة ورعاية، ويترك في الوقت ذاته فراغًا عاطفيًا إنسانياً. وأمّا الميل إلى العلمنة العميقة في الحياة العامة يخلق مسافة واضحة بين الدين والمجال الاجتماعي. فالإيمان يتحوّل إلى شأنٍ شخصي خاص، ويغيب حضوره الرمزي في الفضاء العام. وهذا الفصل يُنتج بيئةً محايدة دينيًا، ويحدّ من النقاش الروحي في الحياة اليومية. والإنسان الباحث عن بعدٍ غيبي يجد نفسه في سياقٍ يغلب عليه الحسّ المادي والعقلاني. كما أن الاعتماد الكبير على الدولة في توفير الخدمات والرعاية يولّد نمطًا من الاتكالية المؤسسية. الدولة حاضرة بقوة في الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، فينشأ اعتمادٌ عميق على النظام العام، وتتراجع المبادرات المجتمعية التقليدية القائمة على الروابط الطبيعية. |
|
وثمّة تناقض لافت: وفرةٌ مادية عالية، ويدٌ مشدودة. ويظهر البخل هنا بوجهٍ مهذب، مغطّى بعبارات الاستقلال والمساواة. غير أن القراءة المتأنية تكشف شيئًا أعمق: خوفًا من الاعتماد، وحذرًا من الامتنان، وقلقًا من دينٍ معنوي قد ينشأ من عطيةٍ عابرة، والكرم في الثقافات الدافئة فعلُ توسّع أخلاقي، أما في هذا النسق فهو فعلُ تجاوز. تُحاط العلاقة بسياجٍ مالي دقيق، كي تبقى متوازنة لا تميل كفة فيها. حتى بين زوجين، تظل الحدود واضحة؛ الحسابات منفصلة، والالتزامات موزونة، والإنفاق مقسوم في البيت والمطعم والسفر كأنه بندٌ إداري في مؤسسة لا بيتًا يجمع روحين. |
|
وفي هذه البلاد تقف الضرائب كأنها العمود الفقري الذي يحمل جسد الاقتصاد كله. يبدأ الاقتطاع من نحو ثلاثين، ثم يرتقي في طبقات الدخل حتى يلامس اثنين وخمسين في المئة، وكأن جزءًا معتبرًا من جهد الإنسان يتحول منذ اللحظة الأولى إلى رافدٍ في نهر الميزانية العامة. وفي الأسواق تتحرك ضريبة القيمة المضافة كظلٍ ملازم للسلع: خمسة وعشرون في المئة لمعظم المشتريات، اثنا عشر في المئة للطعام والمطاعم، وستة في المئة للكتب والنقل والثقافة، ولذا تتشكل دورة مالية واسعة يتدفق عبرها المال من جيوب الأفراد إلى خزائن الدولة، ثم يعود في صورة مدارس مفتوحة، ومستشفيات منظمة، وشبكات دعم اجتماعي تحيط بالإنسان في مختلف مراحل حياته. |
|
وهذه التجربة السويدية تطرح إشكالية عميقة: إلى أي مدى يكون هذا الاقتصاد قوي وهو يعتمد بنسبة عالية على دخال مواطنيه؟، فحين تُجمع ضرائب الأفراد والشركات والاستهلاك في معادلة واحدة، تصل الحصيلة إلى نحو اثنين وأربعين إلى أربعة وأربعين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن هنا تقف السويد بين الدول الأعلى ضريبيًا في العالم. |
|
وفي المجال القيمي، تشهد البلاد تحولات كارثية مستمرة في مفاهيم الأسرة، والهوية، والأدوار الاجتماعية. الحرية الواسعة في الاختيارات الشخصية تُنتج تنوعًا كبيرًا في أنماط الحياة، ويصاحبها أحيانًا ارتباك قيمي لدى الأجيال الجديدة الباحثة عن إطارٍ مرجعي واضح. ومن الغرائب في هذه البلاد يُقاس الاتزان بقدر ما تُخفض نبرتك، وكأن المجتمع عقد هدنةً طويلة مع الصخب. ولقد وجدتُ في ذلك عدلًا تاريخيًّا لي؛ فصوتي الذي طالما طُلِب منه أن يعتدل صعودًا، وجد أخيرًا بيئةً تتبنّاه كما هو. هناك كنتُ أُلام على انخفاض منسوبه، وهنا أكاد أُمنح شهادة جودة في فنّ الهمس الرزين. |
|
وفي هذه البلاد يدهشك؛ اسمك مفتاحٌ، وبياناتك بابٌ مفتوح، وسيرتك صفحةٌ قابلة للتصفح بضغطة إصبع. يكفي أن يُكتب الاسم في محرك البحث حتى تنكشف طبقات من التفاصيل: العنوان، أفراد الأسرة، مسار الحياة، كأن الإنسان هنا كتابٌ موضوع على رفّ عام، فالخصوصية تُدار بمنطق مختلف؛ القانون يفتح السجلات، والتقنية تسهّل الوصول، والاسم يتحول إلى عنوانٍ يقود إلى البيت والأسرة والتفاصيل الدقيقة كالراتب وغيرها. المسألة تتجاوز فضول الأفراد، فهي بنيةٌ اجتماعية ترى في إتاحة المعلومة ضمانًا للعدالة والشفافية، وتجعل المعرفة وسيلةً لحماية الحقوق وتنظيم العلاقات. بكل صدق، لهذا النظام وجهٌ مُرهق يثقل كاهل كثيرين. يشعر الإنسان بأن بيته فقد شيئًا من جدرانه المعنوية. فكرة الشفافية التي تُطرح بوصفها فضيلةً عليا تلامس في التجربة اليومية مناطق حساسة من الكرامة الشخصية. |
|
كثيرون يتحدثون عن قلقٍ دائم؛ قلق من أن يعرف الغرباء موقع السكن، أو حجم الدخل، أو بنية الأسرة. تتولد حساسية اجتماعية دقيقة حول المقارنات المادية، إذ يصبح الدخل مادةً للنظر والتقييم، فينشأ ضغطٌ غير معلن، وتُقاس المكانة بأرقامٍ مكشوفة. ثم إن الشعور بالأمان يتأثر؛ معرفة أن تفاصيلك متاحة بضغطة زر يزرع توترًا خفيًا، خاصة لدى من تعرّضوا لمضايقات أو نزاعات. حتى على المستوى النفسي، يتشكل إحساس بأن الحدود الشخصية باتت أقل سماكة. العلاقات الجديدة تبدأ أحيانًا بمعرفة مسبقة تتجاوز ما يُفترض أن يُكتشف تدريجيًا، فيفقد التعارف طبيعته العفوية. ثم إن الأمان ذاته يتبدّل طعمه. معرفة أن بيتك قابلٌ للوصول، وأن تفاصيل حياتك في متناول باحثٍ عابر، تزرع في الداخل دوامة إرهاق نفسي. |
|
وكأنني هنا أنتقل إلى عقل بعضهم فأسمع صوته الداخلي يقول: بلغنا من دقة التنظيم ما جعل الحياة تسير على سكةٍ لا تعوج، غير أن السكة نفسها تسأل: إلى أي محطة؟ تتعدد الخيارات أمامي، تتسع الحريات، تتكاثر الخدمات، ثم يظل سؤال المعنى معلقًا في سقف الليل الطويل. أجلس أمام نافذةٍ يكسوها الثلج، فأرى انعكاس وجهي على الزجاج أوضح من أي وقتٍ مضى، وأدرك أنني أحتاج إلى حكايةٍ أوسع من يومي، وإلى غايةٍ تفسر جهدي وقلقي وراحتي، إلى قصةٍ كبرى تفسّر الألم والفرح والجهد والرحيل، وإلى صحبةٍ تحمل القلب حين يثقل، لا بوصفها خدمةً رسمية، بل بوصفها إنسانًا يشارك الإنسان إنسانيته ويعيد إلى الروح دفئها الأول. |
|
طفولةٌ مُنتزَعة |
|
ومن أعقد الأشباح التي تمشي في بيوت الجاليات المسلمة هنا، شبحٌ اسمه “حماية الطفل”. يدخل المجالس بلا صوت، يجلس بين الأب والأم كملفٍّ مفتوح، ويضع على الطاولة سؤالًا لا ينام: من يملك الابن؟ الدولة هنا ترى الطفل كوكبًا مستقلًا، له مدارُه الخاص، وله شمسُه القانونية التي تراقبه من علٍ. الطفل ليس امتدادًا لدمك فقط، بل مواطنٌ صغير، له صوتٌ مكتوب في الدستور، وحقٌّ يُدافع عنه جيشٌ من الإجراءات. ويجاب على ذلك بأن هذا القرار واجبٌ أخلاقي يسبق كونه صلاحية قانونية، ويغدو الإبعاد المؤقت إجراءً احترازيًا يحمي الأضعف من أي احتمال أذى. غير أن الأب القادم من أرضٍ أخرى يسمع هذه الفلسفة كما يسمع وقع أقدامٍ خلف باب بيته. يشعر أن الجدران أذُن، وأن الكلمة قد تصبح تقريرًا، وأن لحظة غضبٍ عابرة قد تتحول إلى ملفٍّ رسميّ له رقم وتاريخ. المدرسة عين، والطبيب عين، والمرشد الاجتماعي عين؛ شبكةٌ مضيئة تراقب الطفولة باسم مصلحتها العليا. |
|
من زاوية الدولة: هذا نظام يحرس الضعيف من بطش الأقوى، ومن زاوية بعض الأسر: هذه يدٌ طويلة تطرق الباب في أي ساعة، باسم الرحمة. فتنتزع الرحمة. وهنا يبدأ التوتر في الارتعاش تحت الجلد. الأب يزن عباراته بميزان القانون، والأم تراجع نبرتها كما يراجع محامٍ مذكرته قبل المرافعة، والعفوية تُرتّب شعرها قبل أن تتكلم، والتأديب يُعاد تعريفه، والطفل المنزوع المرتبط ببيته بعُرى العاطفة الأولى يجد نفسه في بيئةٍ جديدة تُعرَّف له على أنها آمنة، بينما قلبه يفتش عن غرفته وصوت أمه ورائحة بيته. والأسرة تمرّ بصدمةٍ مزدوجة: صدمة الفقد المؤقت، وصدمة اهتزاز الكرامة الأبوية. وبعض الأسر تتعامل مع القوانين كحقل ألغامٍ تربويّ، والفلسفة الضالة هنا؛ ترى الطفل فردًا كامل الحقوق منذ سنواته الأولى، له صوته في تقرير مصير جنسه، وله مساحة استقلال مبكرة. وهنا، يقف الأب والأم في صمتٍ ثقيل، يحاولان أن يصنعا بيتًا دافئًا في مناخٍ قانونيّ بارد، ويبحثان عن طمأنينةٍ مزدوجة: طمأنينةٍ للطفل، وطمأنينةٍ لقلبيهما معًا. |
|
وفي حياة الأسر المسلمة يتعمّق الإحساس بالمسؤولية التاريخية. كل بيتٍ مشروع حضاري صغير؛ لغة عربية تُعلَّم في غرفة المعيشة، وقيمٌ تُغرس في حوار المساء، وسلوكٌ يُترجم في المدرسة والعمل. الآباء والأمهات يشعرون بأن أبناءهم يحملون مستقبل الجالية، وأن توازنهم بين الثقافتين سيحدد شكل الحضور الإسلامي في العقود القادمة. لذلك يصبح البيت مساحةً واعية للتربية، ويغدو النقاش حول الهوية جزءًا من الحياة اليومية. |
|
صفُّ القارات |
|
حين دفعتُ باب المسجد لأول مرة في مدينة نورشوبينغ السويدية، شعرتُ أن العتبة حدٌّ فاصل بين مناخين: خلفي صقيعٌ يعضّ الوجوه، وأمامي دفءٌ يتوهّج من سجودٍ خاشع، كان التصميم يهمس بهويةٍ إسلاميةٍ واضحة، غير أنه يرتدي ثوب الهندسة السويدية في بساطته الواثقة، وانسياب ضوئه، ثم تهمس الهوية الإسلامية في ثنايا المكان؛ اتجاهٌ واضح نحو القبلة، خطٌّ عربيّ يلوح كذكرى بعيدة، وسجّادة زرقاء تحتضن الخطى كما يحتضن البحر سفنه. المصاحف مصطفّة بترتيبٍ أنيق، والعطر الخفيف يختلط ببخار المعاطف التي حملت برد الخارج، حتى يخيل إليك أن المسجد أوسع من جدرانه، وأنك دخلت جغرافيا القلب لا جغرافيا المدينة. |
|
في الصفّ رأيتُ وجوهًا من قاراتٍ شتى؛ عربيًا جاء من صحراء الجنوب، أفريقيًا يحمل في عينيه لون المحيط، أوروبيًا أسلم حديثًا يتعلّم مخارج الحروف بجدٍّ جميل. صفٌ واحد يضمّ هذا التنوع، كأن الأرض كلها انحنت في خطٍ مستقيم. اللغات مختلفة، الألوان متعددة، القصص متباعدة، والقبلة واحدة. في تلك اللحظة أدركتُ أن الأمة مفهومٌ يتجاوز الخرائط، وأن الهوية حين تُبنى على الإيمان تتسع لتضمّ العالم دون أن تضيق بأحد. |
|
ارتفع صوت الأذان، خافتًا في بدايته، ثم ثابتًا كنبضٍ واثق، في بلدٍ أوروبيّ اعتاد صمت الكنائس أو أجراسها المتباعدة، بدا الأذان كزهرةٍ نادرة تنبت في أرضٍ باردة. حمل في نبرته شوقًا مضاعفًا؛ شوق المؤذن إلى أداء الأمانة، وشوق السامعين إلى الاستجابة. كان للصوت طعم الغربة، وطعم العزة معًا، كأن الإسلام هنا يعلن حضوره مع كل ارتفاع بقوله " الله أكبر". |
|
الهجرة إلى اليقين |
|
وكان مجلس العلم هنا يتكئ على كتفٍ هادئة تجمع بين الخلق والترجمة؛ الشيخ أحمد أبو أنس، المربّي الخلوق، مترجم للسويدية بمهارةٍ لافتة، حتى ليخيَّل للناظر أنه يترجم النية قبل أن تبلغ اللسان. وهنا يدهشك في بعض الشباب شغفٌ يكاد يُرى في عيونهم قبل أن يُسمع في كلماتهم؛ شدة رغبةٍ في طلب العلم، كأنهم وجدوا في الغربة أرضًا خصبة لنمو السؤال. يجلسون في حلقات الدرس بقلوبٍ مفتوحة، يدوّنون الملاحظات بعناية، ويتابعون الشيخ بنظراتٍ متوثبة، كأن كل كلمةٍ لبنة في بناءٍ يريدون إتقانه. لا يكتفون بسماع المجمل، بل يغوصون في التفاصيل؛ يسألون عن العلة والحكمة، وعن الفروق الدقيقة بين الأقوال، وعن تنزيل الحكم على واقعهم اليومي في بيئةٍ تختلف عن البيئات التي نشأت فيها كثير من النصوص الفقهية. وحرصهم على تصرفاتهم وكثرة الفتاوى والأسئلة كان يدهشك أول الأمر، ثم يفتح لك باب فهمٍ جديد: أن الإنسان حين يعيش في بيئةٍ تحمل عليه ضغط الاختلاف، يصير سلوكه نفسه سؤالًا، ويصير قراره اليومي موضع مراجعة. |
|
هذه الرغبة هي حاجة وجودية؛ الشاب هنا يعيش في فضاءٍ متعدد المرجعيات، فيحتاج إلى يقينٍ واضح المعالم، وإلى فهمٍ يربط النص بالسياق. لذلك ترى السؤال يتكرر، والفتوى تُطلب في شؤونٍ قد تبدو بسيطة، غير أن وراءها حرصًا عميقًا على سلامة الطريق. يسأل عن دقائق المعاملات في عمله، وعن حدود العلاقة في جامعته، وعن تفاصيل الطعام في متجره، وكأن قلبه يريد أن يطمئن في كل خطوةٍ يخطوها. وكثرة الأسئلة تعكس يقظة ضمير؛ ضميرًا يريد أن يعيش الإسلام على بصيرة، لا على ظنٍّ عابر. حين يتردد الشاب في فعلٍ ما، يعود إلى أهل العلم، يستفتي، يناقش، ويطلب الدليل، ومع كل جوابٍ يزداد نضجًا في إدراكه لمراتب الأحكام وسعة الشريعة. |
|
وفي هذا الحرص ترى جمالًا خاصًا؛ جمال روحٍ تخاف أن تخدش صفاء إيمانها، وجمال عقلٍ يبحث عن الدقة لا عن التساهل. قد يطيل السؤال، وقد يكرر الاستفسار، غير أن وراء ذلك قلبًا يتطلع إلى رضا الله في أرضٍ بعيدة عن مواطن الإسلام. وهذا الحرص ينعكس كذلك على تصرفاتهم؛ ترى في سلوكهم مراقبةً دقيقة للنفس، ومحاولةً دائمة لتزكية العمل. يراجع أحدهم كلماته بعد مجلسٍ اجتماعي، ويتأمل آخر موقفه في نقاشٍ فكري، ويحرص ثالث على تصحيح نيةٍ في عملٍ تطوعي. كأن كل يومٍ صفحةٌ يريد أن يكتبها بخطٍ مستقيم. هذه الروح تجعلهم أكثر وعيًا بآثار أفعالهم، وأكثر إدراكًا لمسؤولية التمثيل في مجتمعٍ يقرأ سلوكهم بوصفه صورة عن دينهم. |
|
ومن لطيف ما يُرى فيهم أنهم يجمعون بين الجرأة على السؤال والتواضع في التلقي؛ يطرحون إشكالات فلسفية عميقة، ثم يجلسون في أدبٍ كامل ليستمعوا إلى الجواب. لا يهابون طرح ما يشغل عقولهم، لأنهم يدركون أن السؤال جسر إلى اليقين. هذا المناخ يصنع شخصيةً فكرية ناضجة، تعرف كيف تحاور، وكيف توازن، وكيف تحتفظ بإيمانها في فضاءٍ متنوع. |
|
وكان همُّ الشباب حاضرًا في كلماتهم حضورَ نارٍ هادئة؛ همٌّ يلبس ثوب السؤال أكثر مما يلبس ثوب الشكوى. رأيتُ فيهم قلقًا كريمًا، قلق الباحث عن الطريق الأدقّ، وعن المخرج الأصفى، وعن العبادة التي تحفظ قلبه من التشتت. وكان الواحد منهم يتحدّث عن يومه كمن يصف معركةً صغيرة لا يراها الناس: معركة الوقت، ومعركة الشهوة، ومعركة الوحدة، ومعركة الاستقامة التي تحتاج في الغربة إلى يقظةٍ مضاعفة. |
|
تخرج من تلك المجالس وأنت تشعر بأنك أمام جيلٍ يريد أن يحمل دينه بوعيٍ لا بعاطفةٍ فحسب، وأن يعيش إسلامه في أدق التفاصيل، لا في الشعارات الكبرى فقط. في عيونهم ترى امتدادًا لمستقبلٍ يتشكل على أرضٍ بعيدة، مستقبلٍ يقوم على علمٍ راسخ، وضميرٍ يقظ، وسؤالٍ صادق لا يهدأ حتى يجد جوابًا يطمئن إليه القلب. واكتشفت أن الإنسان حين يبتعد خطوةً عن مألوفه يرى حياته كاملةً أمامه، كلوحةٍ تُعلّق على جدارٍ أبيض فتتضح ألوانها. |
|
كتفٌ قريب في أرضٍ بعيدة |
|
في السويد، حيث تمتدّ المسافات بين البيوت كما تمتدّ المسافات بين القارات، تنشأ وحدةٌ خاصة، ليست عزلةً قاسية، بل فراغًا ينتظر أن يُملأ. وحين يجتمع الشباب في مسجدٍ صغير أو في بيتٍ متواضع، يتحول ذلك الفراغ إلى نسيجٍ إيمانيٍّ جامع، تتشابك فيه الأرواح كما تتشابك الخيوط في قطعة قماشٍ متينة. الوحدة هي مقدمة لاكتشاف قيمة الأخوّة. فكل شابٍ جاء من جهةٍ مختلفة يحمل حكاية عبور؛ لغةً أخرى، رائحة وطنٍ بعيد، ذكرى شارعٍ يعرفه باسمه. وحين يجلسون متقابلين، يتبادلون القصص كأنهم يتبادلون قطعًا من ذاكرتهم، فيصبح المجلس مساحة اندماجٍ روحي، يتقلص فيها الشعور بالبعد، ويكبر فيها الإحساس بالانتماء. الأخوّة هنا لا تقتصر على مصافحة بعد صلاة، بل علاقةٌ تتعمق في تفاصيل الحياة؛ زيارة مريض، مساعدة في انتقال سكن، وقفة صادقة في لحظة ضيق. فالنسيج الإيماني الذي يجمعهم يتشكل من صلواتٍ مشتركة، صفٌّ واحد تتساوى فيه الأكتاف، وقلوبٌ تتجه في آنٍ واحد إلى قبلةٍ بعيدة عن أوطانهم الجغرافية وقريبة من أرواحهم. |
|
وترى في أخوّتهم شيئًا من العفوية الصافية؛ ضحكةٌ تتعالى في مطبخٍ ضيق وهم يعدّون طعام الإفطار، نزهةٌ قصيرة فوق الثلج يتحول فيها البرد إلى مناسبة مزاح، جلسةٌ تمتد بعد الدرس يتناقشون فيها حول معنى آية أو حكمة حديث. هذه اللحظات الصغيرة تبني جسورًا عميقة، تجعل كل واحدٍ منهم يشعر أن له كتفًا قريبًا في أرضٍ بعيدة. والوحدة التي كانت في البداية إحساسًا فرديًا تتحول إلى وعيٍ جماعي؛ كل منهم يدرك أن وجوده بين إخوته يحميه من التشتت، ويمنحه قوةً داخلية لمواجهة تحديات البيئة المحيطة. الأخوّة هنا تصبح حصنًا روحيًا، ومرآةً يرى فيها الشاب أفضل ما فيه، ودافعًا للاستقامة والارتقاء. وفي هذا النسيج تتلاشى الفوارق القومية واللغوية؛ العربي إلى جوار الإفريقي، والآسيوي إلى جوار الأوروبي، يجمعهم صفٌّ واحد وهدفٌ واحد. يصبح المسجد وطنًا مصغرًا، وتؤول الصحبة وطنًا معنويًا، ويتحوّل الشعور بالغربة إلى شعورٍ برسالة مشتركة. |
|
رمضان فوق الثلج |
|
رمضان في السويد يٌعاش بطعمٍ مختلف؛ النهار قد يطول أو يقصر بحسب الفصل، والبرد يحيط بالمدينة كوشاحٍ أبيض، ثم إن الصيام هنا يأخذ بُعدًا تأمليًا أعمق. قلة الصخب تمنح العبادة صفاءً، والمسجد يصبح بيتًا جامعًا يعوّض دفء البعد. صلاة التراويح تجمع وجوهًا متعبة من يوم عملٍ طويل، وقلوبًا متشوّقة لساعة قرب. وموائد الإفطار الجماعي مشهدٌ يستحق الوقوف؛ أطباق من ثقافاتٍ متعددة، تمرٌ من بلدٍ بعيد، شوربةٌ من مطبخٍ شرقي، خبزٌ من يدٍ أفريقية، وحلوى أوروبية دخلت على الخطّ في انسجامٍ جميل. والجميع يجلس حول مائدةٍ واحدة، كأنها خريطة العالم مصغّرة. وفي هذه اللحظات يشعر المرء أن الغربة تتحوّل إلى أخوّة، وأن البياض الخارجي يذوب أمام حرارة الاجتماع. |
|
وفي زاويةٍ من المسجد رأيتُ دموعًا خفية في دعاءٍ طويل. شابٌ يرفع يديه، وصوته يرتجف قليلًا، وعيناه تلمعان بدمعٍ حارّ. ربما دعا لأهله في بلدٍ بعيد، ربما سأل الثبات في بيئةٍ مختلفة، ربما طلب توفيقًا في دراسةٍ أو عمل. في الغربة يصبح الدعاء أكثر تركيزًا، وأكثر صدقًا، لأن القلب يتجرّد من كثيرٍ من الاعتماد على البشر. |
|
ثم سمعتُ طفلًا صغيرًا يقرأ الفاتحة بلكنةٍ أجنبية، حروفه تتعثّر قليلًا ثم تستقيم، وصوته يحمل براءةً شفافة. كان المشهد يختصر رحلة الإسلام عبر القارات؛ لغةٌ عربية تُنطق بلسانٍ شماليّ، وكتابٌ نزل في صحراء يُتلى في مدينةٍ يكسوها الثلج. في هذا الطفل وعدُ المستقبل، وجسرٌ بين عالمين، وأكاد أحلف أن الإسلام يطير ولا يسير. |
|
وفي مواطن البعد، ينهض التدين من مقام العادة إلى مقام الاختيار؛ تقلّ الأيدي التي تدفع، فيقوى القلب الذي يقود، في هذا المناخ الهادئ يشتدّ عود العلاقة بين العبد وربه، وتخفّ المؤثرات التي تسوق، فيتقدم القلب ممسكًا بالزمام، يقود صاحبه إلى الطاعة عن قناعة، وإلى الثبات عن فهم، فيتحول الإيمان إلى قرارٍ يومي يصنعه بنفسه ويشهد عليه ضميره. |
|
الغربة تعيد تعريف الأمكنة؛ تجرّدها من أسمائها المعتادة، وتمنحها وظيفةً جديدة في حياة القلب. في الشمال مفهوم المسجد هنا معنى يتجاوز البناء، أشبه بجزيرةٍ دافئة وسط محيطٍ من برودةٍ جغرافية وثقافية. كلما دخلتُ إليه شعرتُ أنني أدخل إلى قلبٍ نابض، الأحاديث قبل الإقامة تحمل رائحة أوطانٍ متفرقة، رأيتُ في وجوه المسلمين هنا صفاءً خاصًا؛ صفاء من يختار انتماءه كل يوم. في بلادٍ يكون فيها الإسلام هو الهواء العام، يسير التدين أحيانًا على نمط العادة. أما هنا في الشمال، فكل صلاة موقف، وكل حجاب قرار، وكل صيام إعلان هادئ للهوية. الإيمان يتحول إلى خيارٍ واعٍ، والهوية تُصاغ بجهدٍ شخصيّ بعد توفيق الله، والإيمان الموروث يحمل دفء الجماعة، ويستمد قوته من سياقٍ يحوطه، من أذانٍ يتردّد في الحيّ، ومن جموعٍ تتجه إلى المسجد، ومن أعرافٍ تعزز السلوك. |
|
وفي ليالي رمضان، حين تنتهي التراويح ويخرج الناس إلى هواءٍ بارد يلفّ المدينة، كنتُ أرى مشهدًا يستحق التأمل؛ وجوهٌ مشرقة، أكتافٌ متقاربة، أحاديثٌ تمتدّ على الرصيف تحت مصابيح صفراء خافتة. كان الثلج يحيط بهم، ثم إن الحرارة التي تنبعث من اجتماعهم تصنع من المكان دفئًا حقيقيًا. وهذه الغربة هنا لا تذيب الروابط، بل تعمّقها، لأن كل واحدٍ منهم يدرك قيمة هذا اللقاء. |
|
وفي إحدى الأمسيات جلستُ مع مجموعة من الآباء يتحدثون عن التربية. كانوا يناقشون بحرصٍ كيفية تحقيق التوازن بين القوانين المحلية وقيمهم الدينية، وكيف يُنشئون أبناءً أقوياء الشخصية منفتحين على المجتمع، راسخين في جذورهم. كان في كلامهم قلقٌ مسؤول، ورغبةٌ صادقة في النجاح، وشعورٌ دائم بأنهم يعيشون تجربةً تاريخية تُعيد تعريف معنى الأسرة في سياقٍ جديد. |
|
والمسجد هنا هو مركز توازن نفسي. من يعاني ضغط العمل يجد فيه سكينة، ومن يشعر بثقل الغربة يجد فيه حضنًا معنويًا، ومن يبحث عن معنى يتلقّى فيه جرعة نور. جلسات الذكر، ودروس الفقه، وحلقات تعليم العربية، كلها تشكّل شبكة دعمٍ روحية تعوّض جزءًا من غياب الامتداد الاجتماعي التقليدي. |
|
ومع انحدار الضوء الأخير من حافة السماء، وامتداد الشفق على صفحة الثلج كخيطٍ من نورٍ خافت، تبدأ خطوات الناس تتجه نحو المسجد في وقارٍ عجيب، كأنها تلبّي نداءً "حي على الفلاح" بحق. ترى في وجوههم شوقًا لا تخطئه العين؛ شوقًا إلى القيام بين يدي الله، وإلى سماع القرآن يُتلى في سكون الشمال. يأتون مبكرين، يحملون في صدورهم عطش يومٍ كامل، كأنهم يخشون أن يفوتهم حرف، أو تضيع عليهم لحظة من لحظات الصفاء. |
|
يجلس بعضهم قبيل الإقامة في طرف المسجد، يفتح مصحفه بيدٍ متأنية، يمرّ بصره على الآيات كما يمرّ المسافر على معالم الطريق. وآخر يسبّح في خفوتٍ عجيب، كأنما يهيئ قلبه لرحلةٍ أطول من الوقوف الجسدي. وكل شيء في المكان يوحي بأن لحظة عظيمة على وشك أن تبدأ. |
|
وحين يكبّر الإمام، يستوي الصفّ كما يستوي قلبٌ على نية خالصة، ويغمر المكان رهبةٌ بديعة، كأن الأرواح جميعًا ارتفعت درجةً واحدة في آنٍ واحد. يبدأ القرآن فينساب الصوت، يقطع صمت الليل كما يقطع النهر سكون الأرض. آيات تتردد بين الجدران، ثم ترتد إلى الصدور فتوقظ فيها معاني قديمة. تطول الركعات، ويشتد الوقوف، غير أن التعب يذوب في حرارة الشوق الإيماني. ترى في الصفوف رجالًا وشبابًا وأطفالًا، والنساء خلفهم في مصلاهنّ، والكلّ يقف في سكينة القبلة، كلهم واقفون كأنهم شجرة واحدة متعددة الأغصان. آية عن الرحمة فترتجف القلوب، وآية عن الحساب فتسكن الأنفاس، وآية عن الجنة فتلمع العيون ببريق رجاء. ولطالما رأيت كيف يتحول المسجد إلى بحرٍ من الخشوع، موجاته همسات، ومدّه سجود، وجزره دموعٌ خفية. وفي القنوت، حين تمتد الأيدي إلى السماء، يعلو في المكان رجاءٌ شفاف. الدعاء لا يُلقى إلقاءً، بل يُستخرج استخراجًا من أعماق القلوب. تسمع في “آمين” العربية الأعجمية نبرةَ من يحمل همًّا شخصيًا، ونبرةَ من يحمل همّ الأمة، ونبرةَ من يطلب ثباتًا في أرضٍ بعيدة. |
|
هذا بلال، القادمُ من قلب سيراليون، يحمل في ملامحه صفاء السهول البعيدة وهدوء الغابات التي تتنفس ببطء. في عينيه بريقُ بدايةٍ لم يفسدها الاعتياد، ولم تطفئها كثرة المشهد؛ بريقُ من وجد ضالته بعد بحثٍ طويل، وقد أخبرني ذات مساءٍ، بصوتٍ يفيض صدقًا، أنه كان يرفع دعاءه إلى السماء وهو بعدُ على نصرانيته، يسأل الله بإلحاحٍ خاشع أن يدله على الحق ويقوده إليه. كان يقف في الصف الأول وقفةَ من يعرف قيمة اللحظة، كتفاه مستقيمان، وصدره مرفوعٌ بوقارٍ عفوي، إيمانه طريٌّ كغصنٍ غضّ، نديٌّ كقطرة مطرٍ أولى، وفي الوقت ذاته راسخٌ كقرارٍ اتُّخذ بعد تفكيرٍ عميق. كان ينظر إلى الإسلام نظرة المكتشف، لا نظرة المألوف، رأيت فيه جمال الاختيار الواعي؛ ذلك النوع من الإيمان الذي لا يأتي محمولًا على كتف البيئة، بل يُصاغ في مختبر العقل ويُزكَّى في محراب القلب. |
|
في تلك الديار مع الأذان الأول كان الفطر تمرًا وماءً، كأنهما عنوان الزهد الجميل، وبعدها تنفتح أبواب البيوت وقلوب أصحابها. يأخذونني إلى بيوتهم بسخاءٍ يشبه صفاء الثلج، فتستقبلني موائد تتنوع فيها الأطباق كما تتنوع اللهجات؛ منسفٌ يزهو، مقلوبة تتكدّس، دولمة تتراكم، ملوخية تتهادى، كبابٌ يتوهّج، أرزٌّ صومالي يعصف بالتوابل، مسخّنٌ متوهج، كبةٌ ذهبية، محاشي متراصة، كشريٌّ متلوّن، أوزي يفيض رزًّا ولحمًا في مهابة، قطايفُ تتلألأ بشرابها العسلي، وخبزٌ سويديٌّ أنيق. كانت المجالس عذبة؛ كلماتٌ دافئة، وحكاياتٌ تمتد من ضفاف دجلة إلى شواطئ المتوسط. |
|
كرمهم يدهشك؛ يلحّون عليك أن تذوق من كل صنف، ويملؤون طبقك قبل أن تفرغ منه، ويعتذرون إن قصّروا في شيءٍ ولو كانت المائدة تفيض. ترى في أعينهم رغبةً صادقة أن يجعلوا من إفطارك عيدًا صغيرًا، وأن يمنحوك إحساس الانتماء ولو لساعات. الكرم هنا تعبيرٌ عن شوقٍ إلى الوطن، واستحضارٌ لصورة العائلة الممتدة حول مائدةٍ عامرة. وفي كل ليلةٍ تنتقل من بيتٍ إلى بيت، فتكتشف تنويعًا في الأطباق وكرماً في الأخلاق، ومع كل تنويعٍ يتأكد لك أن الهوية العربية، وإن تفرّقت بلدانها، تلتقي عند كرم المائدة وحسن الضيافة. بعد الإفطار، تمتد الجلسة؛ فنجان قهوةٍ عربية يعبق برائحة الهيل، وقطعة كنافةٍ أو بقلاوة تذوب حلاوتها في الفم، وأحاديث تتشابك بين الطرفة والتأمل. يضحكون حينًا، ويتذاكرون فضل رمضان حينًا، ويستحضرون ذكريات الطفولة حول موائد الجنوب. |
|
وفي نهاية الليلة تخرج إلى هواءٍ بارد، غير أن صدرك ممتلئ بدفءٍ يكفيك حتى الفجر. تمشي على الثلج، وصدى الضحكات ما يزال في أذنك، ورائحة القهوة عالقة في ذاكرتك، فتدرك أن مائدة الإفطار في الشمال تؤكد أن الكرم العربي قادر أن يزهر حتى في أقصى الأرض برودة. |
|
وفي ليالٍ أخرى، بعد صلاةٍ طويلة، يصفو المسجد إلا من دائرةٍ صغيرة، يجلسون متقابلين على سجادٍ ازداد نعومةً من كثرة الجباه. في ذلك الصفاء تنكشف الحكايات الثقيلة؛ شابٌ يروي أول احتكاكٍ بسؤال الهوية في قاعةٍ مكتظة، شابٌ يحدّثك عن ارتباكه الأول حين سُئل عن دينه في قاعة محاضرات، وكيف تعلّم أن يجيب بثقةٍ رصينة، لا بانفعالٍ ولا تردد. وآخر يروي تجربته في بيئة عملٍ تحترم اختلافه، ثم تطالبه في الوقت ذاته باندماجٍ كامل في نمطها الثقافي ويريد حلاً لذلك. بين هذه السرديات تتكوّن طبقاتٌ من النضج؛ هويةٌ تتصلّب من الداخل وتلين في بحسن التعامل، جذورٌ عميقة وأغصانٌ مرنة. |
|
وفي السحور، حين تتثاءب المدينة ويغفو الضوء خلف النوافذ، تلمح بيوتًا ينساب منها وهجٌ خافت. أسرٌ تلتفّ حول مائدةٍ متواضعة، بخارُ الشاي يتصاعد في هدوء، ودعاءٌ يعلو في سكونٍ مهيب، وتذكّرٌ أن هذه اللحظة تتكرر في مدنٍ بعيدة تحت السماء ذاتها. أخوّةٌ لا تحتاج إلى لقاء، يكفيها اتفاق القلوب على توقيتٍ واحد. |
|
سألتهم مرةً عن العيد، فقالوا لي: في صباح العيد قد يستيقظ الثلج قبلنا، فيغطي المدينة ببياضٍ مهيب، فتلمع المعاطف والأثواب تحت شمسٍ خجولة. نستأجر ملعبًا واسعًا ليحتضن المصلين، فيتحول العشب إلى بساطٍ للتكبير، وترتفع الأصوات متتابعة كنبضٍ واحد. تتجاور اللهجات والثقافات في صفوفٍ متراصة، ويولد من اجتماعها وطنٌ مؤقتٌ من أصواتٍ عالية وقلوبٍ ممتنة. الأطفال يركضون في أطراف الملعب، والآباء يتبادلون التهاني بفرحٍ هادئ؛ فرحُ من صان الشعيرة، وغرس لأبنائه معنى العيد في أرضٍ بعيدة. |
|
يتبع ... الجزء الثاني قريباً... |



التعليقات