منادمة الثلج - ج2 |
| 8 مارس 2026 • بواسطة علي آل حوّاء • #العدد 15 • عرض في المتصفح |
|
مدادٌ على جليدِ السويد
|
|
|
|
|
نستكمل المسير ... |
|
موعظةُ تحت الصفر |
|
حمل الصباح في تلك البلاد نَفَسًا من الثلج الهادئ؛ ضوءٌ شاحب يتسلل بين الغيوم، وبردٌ رقيق يستقر على الأرصفة كأن الأرض ترتدي وشاحًا أبيض. خرجتُ أحمل كتابي واللابتوب، وفي القلب شغفُ الرحلة، متجهًا إلى محطة القطار لأمضي نحو مالمو في جنوب السويد؛ مدينةٍ تتكئ على الدنمارك اتكاءَ الجار الأليف، ولا يفصل بينهما إلا وسادةٌ من ماء. |
|
كانت المحطة ساكنةً إلا من حفيف الريح الباردة وصوت الخطوات المتقطعة. تأخر القطار قليلًا، فتمدد الزمن على الرصيف، وفي تلك اللحظة تقدم رجلٌ جاوزت سنّه الستين، يحمل في يده ورقة كبيرة رُسمت عليها مشاهد الحروب: دخان، وجنود، ومدن تتكسر على وقع المدافع. مدّ الورقة نحوي، وقد كُتب في أعلاها سؤالٌ مكرر كأن صاحبه يريد أن يغرسه في الضمير:“هل تريد أن تكون سببًا في إيقاف حروب هذا العالم؟” قلت: نعم، أحب ذلك، ثم قلت في نفسي: لعلها لحظة تاريخية تليق أن تُكتب في المذكرات؛ رجلٌ يقف في صباحٍ ثلجي، فيعرض عليه عابر طريق وظيفةً كبرى: المشاركة في إصلاح شؤون العالم، وكأن السلام الدولي ينتظر توقيعًا سريعًا بقلمٍ مجتمد هنا. تألقت في وجهه ابتسامة رضا، وأخرج من حقيبته كتابًا صغيرًا، ثم قال بنبرة الواعظ الذي وجد مدخلًا لفكرته: إذا رغبت أن تكون سببًا في إيقاف الحروب، فاتبع الإنجيل فقط! تأملت عبارته قليلًا؛ فالفكرة جاءت سهلة كأن التاريخ صفحةٌ قصيرة، وكأن قرون الدماء التي جرت على هذه الأرض لم تمر من هنا. قلت له في هدوء: وأين كان هذا الكتاب حين ارتجت الأرض تحت نيران الحرب العالمية الأولى؟ وأين تجلت هدايته حين اشتعلت الحرب العالمية الثانية فابتلعت ملايين الأرواح؟ تحركت عيناه في صمتٍ قصير، ثم قال بسرعة من أدرك هوية محاوره: أنت مسلم. كان في عبارته حدس اجتماعي أكثر من كونه استدلالًا فكريًا؛ فملامح الحديث سرعان ما تكشف الخلفيات الثقافية. غير أن ما شدّ الانتباه في تلك اللحظة روح الحماسة التي يحملها هذا الرجل؛ يقف في صباحٍ قطبي بارد، يوزع أوراق الدعوة، ويسعى إلى بث فكرته بين الغرباء. |
|
سألته بعد ذلك: حدّثني عن الجنة… وعن النار بعد الموت؟ بدأ حديثه يتدفق بكلماتٍ متتابعة؛ حديثٌ يختلط فيه التصور الديني بالرمز التاريخي، قال إن الجنة تقوم على هذه الأرض، ثم يعود المسيح فيقاتل الأشرار، فتتحول الأرض بعد ذلك إلى عالمٍ من السلام، ولا يوجد شيء يمكن تسميته الحساب أو النار أو العقوبة، كان كلامه يتشكل على هيئة صورٍ متفرقة، كأن الفكرة تبحث عن هيكلٍ يجمع أطرافها. فقلت له: وكيف يبلغ المظلوم حقَّه التام في هذا العالم، حين تقف القوانين دون تمام إنصافه؟ دار جوابه في مسارات متفرقة، تتجاور فيها الكلمات دون أن تنتظم في بناءٍ واضح؛ فالمشهد الفكري الذي يحمله يقوم على عاطفة الدعوة أكثر مما يقوم على نسقٍ معرفي متماسك. |
|
اقترب القطار في تلك اللحظة، وقلت له إذا كان الإنسان يريد الحق فماذا عليه أن يفعل؟ قال يكون جاد في طلبه، قلت اتفق معك، فقلت له: ما رأيك أن تقرأ القرآن بعينٍ تريد الحق لذاته، وبقلبٍ يتحرّى الإنصاف قبل الموروث، وأنت من طائفة شهود يهوه؛ تلك الجماعة ذات الجذر النصراني التي اتخذت «ترجمة العالم الجديد» صيغتها الأشهر للكتاب المقدس، وهي ترجمةٌ متداولة عندكم في طبعاتٍ متعاقبة، تتقدمها نسختا 1984م و2013م، وتتفرع عنها صيغٌ دراسية ومرجعية مختلفة. وقد بلغني أن للإنجيل نسخًا مشهورة؛ فأيّها ترى أن أبدأ به؟ هنا خفت بريق الجواب، وأخذ التردد مكان السرعة الأولى. |
|
ابتسمت، وقلت له بهدوء: أليس هذا التنوع الواسع في النسخ يلفت النظر؛ كتابٌ يتداول الناس نصوصه بصيغ متعددة، تتفاوت فيها العبارات وتختلف فيها التراكيب. ويقف القرآن في الجهة الأخرى نصًا واحدًا محفوظًا، يقرؤه المسلم في الشرق والغرب بالحروف نفسها التي تليت في عصر النبوة، مصحفٌ واحد يجمع الأمة على ترتيبٍ وغاية واحدة. وصل القطار، وانفتح بابه بصوتٍ معدني خافت. صافحته، وصعدت إلى المقصورة، وجلست قرب النافذة، وأقول في نفسي أن الرسالة التي تقوم على نصٍ محفوظ ورؤيةٍ متماسكة تحمل في ذاتها قوة البيان ووضوح الطريق. |
|
أوطان شتّى وقبلة واحدة |
|
انطلقتُ مع القطار من نورشوبينغ، والسماء فوق البلاد صفحةٌ من ضوءٍ شفيف، والثلج يفرش الأرض كأن الطبيعة ألبست الحقول ثوبًا من البياض الصافي. تحرك القطار في هدوءٍ رزين، ينساب فوق السكة كما ينساب القلم على صفحةٍ ناعمة، وكل نافذةٍ من نوافذه تُفتح على لوحةٍ من الجمال الهادئ. |
|
على امتداد الطريق بدت الغابات الصنوبرية صفوفًا طويلة من الأشجار السامقة، تقف في مهابةٍ كأنها جنود الصمت في هذه البلاد الشمالية. أغصانها تحمل أثقال الثلج في وقار، وفي الأفق تتناثر البحيرات المتجمدة كقطعٍ من البلور، ينعكس عليها ضوء الصباح فيصبح الماء جامدًا كأنه مرآةٌ عظيمة وضعتها السماء بين الغابات. |
|
كلما تقدم القطار نحو الجنوب اتسعت اللوحات أمام العين؛ حقول بيضاء تمتد حتى تخالها بحرًا ساكنًا من الضوء، وقرى صغيرة تستقر على أطراف الغابات، ببيوتها الخشبية الحمراء وسقوفها المغطاة بالثلج، كأنها نقاط دفءٍ في حضن هذا الشتاء الطويل. ومع اقتراب القطار من محطته الأخيرة لوند، خرجت من القطار، وكان في استقبالي الأستاذ الخلوق خضر الصالح؛ رجلٌ يحمل في ملامحه سكينة أهل الفضل، تستقبلك ابتسامته قبل كلماته، وتشعر في حديثه بروحٍ صادقة تحمل همّ التربية والتعليم. |
|
رافقني بعد ذلك إلى هلسينغبورغ، المدينة التي تقف على شاطئ البحر كأنها نافذةٌ مفتوحة على الريح الشمالية. وعلى حاشية المدينة ينتصب وقف وجامع أهل السنة، بناءٌ واسع الأرجاء، ينهض في المكان كقلبٍ نابض بالحياة الإيمانية. مساحته الرحبة وساحاته الفسيحة تمنح الداخل إليه شعورًا بالسكينة والطمأنينة، حتى يخال الزائر أنه دخل إلى جزيرةٍ من النور وسط مدينةٍ أوروبية هادئة. ويُعد هذا الجامع من أكبر الجوامع في بلاد الإسكندناف، وقد صار مع الأيام مركزًا يجتمع فيه المسلمون من جنسياتٍ متعددة، يحملون معهم لغاتهم وثقافاتهم، وتجتمع قلوبهم حول قبلةٍ واحدة. حلّ وقت صلاة الجمعة، وبدأ الناس يتوافدون إلى المسجد في مشهدٍ يبعث في القلب سرورًا خاصًا؛ صفوف من الرجال والشباب وكبار السن، ووجوه يضيئها نور العبادة، وخطوات تمضي إلى الصلاة بتؤدة. امتلأت قاعة الصلاة بالمصلين، وتعانقت الأصوات بالتكبير، فكان المشهد لوحةً من وحدة الروح الإسلامية في أقصى الشمال الأوروبي. |
|
بعد صلاة امتدت المجالس في أروقة المسجد، واجتمع الناس حول الحديث والمعرفة. شعرت بينهم بروحٍ عالية من التآلف والأخوة؛ قلوب تتعارف سريعًا، ووجوه تحمل حرارة المودة، وكلمات يتخللها صدقٌ صافٍ كأن القوم عائلةٌ واحدة فرّقتها الجغرافيا وجمعتها العقيدة. وكان لكرمهم وطيب خلقهم أثرٌ ظاهر في كل لقاء؛ فالقادم يُستقبل بترحابٍ صادق، والحديث يجري بلطفٍ وحب، والابتسامة حاضرة في كل مجلس. يمتد الكرم هنا على هيئة قلوبٍ مفتوحة قبل أن يكون على هيئة موائد، وتشعر أن كل واحدٍ منهم يحمل في داخله رغبةً في خدمة أخيه وإكرام ضيفه. كان في أسئلتهم ذكاءٌ لافت، وفي حواراتهم روحُ الباحث الذي يريد أن يفهم ويزداد يقينًا. همومهم شريفة، تتجه نحو خدمة الإسلام وحفظ الهوية وبناء الأجيال القادمة في هذه البلاد البعيدة عن العالم العربي. |
|
هؤلاء الشباب يمثلون صورةً مشرقة للجالية العربية المسلمة في السويد؛ حضورٌ كريم، وأخلاقٌ رفيعة، وسعيٌ دائم إلى أن يكونوا سفراء لدينهم في تعاملهم وسلوكهم. وفي وجوههم ترى ملامح المستقبل الذي يصنعه الإيمان حين يسكن القلوب، ويقوده العلم حين يضيء العقول. عندئذٍ وجدتُ في هلسينغبورغ بقعةً مباركة يجتمع فيها الناس حول كتاب الله، تتآلف فيها القلوب رغم اختلاف الأوطان، ويزدهر فيها الأمل بأن الإسلام يمد جذوره بهدوءٍ في هذه الأرض الشمالية، كما تمتد أشجار الصنوبر في غابات السويد، شامخةً ثابتةً في وجه الريح والثلج. |
|
من مجد التاج إلى عزة الإسلام |
|
وفي طريق عودتي، وبينما كان القطار يشقّ البياض الشمالي في هدوءٍ صباحي، شاهدت حلقة ماتعة في بودكاست «شرفة». للحاذق الدكتور. جوهانس كلومنك، المعروف بعبد الله السويدي، بعنوان:لماذا يسلم السويديون؟،وما سيأتي إنما هو عرضٌ لبعض ما طرحه الدكتور، أوردتها بقلمي على قدر ما فهمته من مقاصده، مع محاولة إبراز بعض الدلالات التي بدت لي جديرة بالبيان. والملفت منذ البداية أنك أمام حديث يتجاوز حدود السرد الشخصي إلى تشريحٍ عميقٍ لرحلة الإنسان المعاصر وهو يفتش عن المعنى في ركام المادية، ويبحث عن اليقين في صحراء النسبية، ويطلب النجاة من برد الروح في مجتمعاتٍ بلغت الغاية في الرفاه، وبقي فيها القلب يمدّ يده إلى شيءٍ أعمق. كان في قصة الرجل ما يلفت النظر قبل أفكاره؛ يُذكر في ترجمته أنه يمتدّ بنسبه إلى غوستاف فاسا، الملك الذي اقترن اسمه بتأسيس السويد الحديثة؛ فإذا بالمشهد يزداد دلالةً: حفيدُ تاريخٍ ملكيٍّ قديم، يهتدي إلى نور الإسلام، ثم يعود يقرأ المجتمع السويدي من داخل روحه ومن داخل تاريخه. وقد نشأ في السويد في بيتٍ أكاديمي، أبواه طبيبان، والجو العام من حوله أقرب إلى الصمت الديني منه إلى التدين، ثم جاءت الأسئلة الكبرى التي تقتحم بعض الأرواح في وقتٍ مبكر، فدفعت به إلى الرحلة في الأديان، وإلى القراءة، وإلى التأمل في ذلك السؤال الذي يسكن الإنسان مهما تراكمت فوقه طبقات الترف: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ حتى وقعت عيناه على قول الله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، فلامست الآية في نفسه موضع الفطرة، وأسلم وهو في السادسة عشرة؛ ثم لم يقف عند حرارة التجربة الأولى، بل مضى في طريق العلم، فجمع بين دراسة العقيدة في المدينة النبوية، ودراسة تاريخ الأديان وعلم نفس الأديان في السويد، فصار يحمل في يده نصًّا يهدي، وفي اليد الأخرى فهمًا للنفس التي تتعثر وهي تبحث عن ربها. |
|
وأشار إلى التحول الديموغرافي اللافت في السويد، إذ ارتفع عدد المسلمين من نحو خمسة عشر مسلمًا فقط عام 1930م إلى ما يقارب مليونًا ومئتي ألف مسلم في الوقت الحاضر. وجاء هذا التوسع نتيجة حاجة البلاد إلى الأيدي العاملة بعد الحرب العالمية الثانية، ثم اتساع سياسات استقبال اللاجئين. وقد أفرز هذا التحول آثارًا متعددة؛ فمن جهة أتاح احتكاكًا مباشرًا بين السويديين والمسلمين، قاد كثيرين إلى اعتناق الإسلام، ومن جهة أخرى أسهم في بروز تيارات اليمين المتطرف بوصفها رد فعل على بعض ممارسات أبناء موجات اللجوء. |
|
ثم انتقل الحديث إلى واحدةٍ من أعمق النقاط في هذا اللقاء: الفطرة. وكان كلامه يوقظ في القلب معنى عظيمًا؛ أن الإيمان بالله ليس طارئًا على الإنسان، بل هو أقرب إلى البذرة الأولى المغروسة في باطنه، وأن ما تفعله المادية الحديثة في كثير من الأحيان هو تغطية هذه البذرة بطبقاتٍ من الضجيج، حتى يظن المرء أن الصحراء أصل، مع أن الماء تحت قدميه. وأشار إلى دراساتٍ نفسية ومعرفية تؤكد أن الطفل يميل بطبيعته إلى تصور الخالق والمعنى والقصد، وهو ما يلتقي بوضوح مع الهدي النبوي في الحديث عن الفطرة. وهنا يتجلى الإسلام بوصفه خطابًا يعود بالإنسان إلى نفسه الأولى، إلى التوازن الذي يشعر معه أن هذا الكون ليس عبثًا، وأن الحياة ليست فوضى بلا غاية، وأن الألم ليس مادةً صماء بلا تفسير. |
|
ومن أجمل ما في الطرح أنه ربط بين الدين والصحة النفسية ربطًا يتجاوز العاطفة إلى البناء الوجودي العميق؛ فالمشكلة الكبرى في الإنسان الحديث لم تكن مجرد القلق، بل فراغ المعنى. يستطيع أن يملك وظيفةً حسنة، وسكنًا دافئًا، وتأمينًا صحيًا، وقدرًا واسعًا من الحريات، ثم ينهض في داخله سؤالٌ ثقيل: ما جدوى هذا كله إن كانت النهاية حفرةً صامتة لا رسالة بعدها ولا حساب ولا لقاء؟ وهنا يظهر الفرق بين من يعيش على تفسيرٍ مادي للحياة، وبين من يحمل في قلبه يقينًا بأن له ربًا، وأن لهذا العالم حكمة، وأن للموت بابًا وليس جدارًا، وأن وراء الخسارات العابرة ميزانًا أعدل، ودارًا أبقى، ورحمةً أوسع. بهذا المعنى يصبح الإيمان قوةً نفسية لا لأنها مخدّر، بل لأنها الحقيقة التي تعيد ترتيب الوجود في القلب. |
|
وعرض الضيف نتائج دراسة استقصائية أجراها على 666 مسلمًا جديدًا في السويد، فجاءت أرقامها لافتة. وقد شكّلت النساء نحو 78% من المعتنقين للإسلام، وبرز في إجاباتهن أن من أعظم دوافع إسلامهن شعورهن بأن الإسلام يكرّم المرأة ويصون كرامتها. وأوضحن أن الحجاب يمنح المرأة حضورًا إنسانيًا قائمًا على العقل والشخصية، بدل اختزالها في المظهر الخارجي، كما استوقفهن تعظيم الإسلام لمقام الأم في مقابل النزعة الفردية السائدة في المجتمعات الغربية، وفي ضبط العلاقة بين الرجل والمرأة، وفي مركزية الحياء والعفاف، معنىً افتقدنه في بيئةٍ أوغلت طويلًا في تحويل الجسد إلى سلعة، والرغبة إلى معيار، والتحرر إلى صورةٍ أخرى من الاستنزاف الناعم. وأفاد 99% من المشاركين بأنهم وجدوا في الإسلام سعادة أعمق لحياتهم. |
|
وكان من أذكى ما ورد في الحلقة تأكيده على أثر القدوة؛ فالهداية كثيرًا ما تبدأ من إنسان قبل أن تبدأ من كتاب، ومن خلقٍ قبل أن تبدأ من مناظرة، ومن معاملةٍ صادقة قبل أن تبدأ من درسٍ مطول. وإن نصف أبواب الدعوة تقريبًا قد يفتحه صديقٌ مستقيم، أو جارٌ كريم، أو زميلٌ يتحدث بوقارٍ واتزان، لأن الناس لا يقرؤون الأفكار في صورتها المجردة فقط، بل يقرؤونها متجسدة في أصحابها. ولهذا كانت الأخلاق في تاريخ الإسلام من أعظم جسور الهداية؛ إذ يرى المدعو في المسلم نسخةً بشرية من أثر الوحي، فيطمئن قلبه قبل أن يقتنع عقله. |
|
ثم جاء حديثه عن أزمة القيم في الغرب ليكشف عمق الجرح الحضاري؛ ذلك أن المجتمع حين يفقد المعيار المتجاوز للهوى، ويتحوّل الخير والشر إلى مادتين قابلتين لإعادة التعريف وفق المزاج العام والضغط الإعلامي والتموج الثقافي، يصبح الإنسان مهددًا في أصل إنسانيته قبل تفاصيل سلوكه. وهنا لا تعود المشكلة في خطأٍ جزئي، بل في المرجعية ذاتها: من الذي يملك أن يقول هذا حق وهذا باطل؟ وما الذي يمنع الانحدار إذا صار كل شيءٍ قابلاً للتفاوض باسم الحرية؟ ومع هذا التفكك المعياري، تتسع الفجوة الوجودية، ويزداد الجوع إلى خطابٍ يعيد للإنسان يقينًا أخلاقيًا ومفهومًا ثابتًا عن الفطرة والكرامة والحدود والمعنى، وهنا يظهر الإسلام في نظر كثيرين بوصفه سفينة نجاة من بحر النسبية المرهق. |
|
وأما في باب الدعوة، فكان حديثه بالغ النفاسة؛ إذ أوضح أن المدعو يحمل تجربة مستقلة وبصمة متمايزة، وأن النفوس تُفتح من أبوابٍ مختلفة، وأن الحكمة تقتضي تشخيص الحاجات قبل عرض الأجوبة. فمن الناس من تفتحه قضية المعنى، ومنهم من يوقظه سؤال الأخلاق، ومنهم من يقترب من خلال العائلة، ومنهم من تسوقه أزمة نفسية، ومنهم من يقف أصلًا قريبًا من الإيمان بوجود خالق لكنه يفتقد من يزيل عنه غبش الصورة. وفي هذا درسٌ ثمين؛ فالدعوة لا تقوم على إلقاء مادةٍ محفوظة على كل أحد، بل هي فهمٌ للإنسان، وقراءةٌ لخلفيته، وحسنُ عبورٍ إلى الباب الذي يمكن أن يدخل منه النور. |
|
وتزداد قيمة هذا الفهم حين تحدّث عن مرحلة ما بعد الإسلام؛ تلك المنطقة التي يحتفي بها كثيرون نظريًا ويقصرون عنها عمليًا. فكم من إنسان نطق بالشهادتين ثم تُرك وحيدًا يواجه أسئلته القديمة، وقطيعته الأسرية، ووحشة التحول، وارتباك العادات، وضعف البنية العلمية، وربما قسوة بعض من حوله. والمسلم الجديد لا يحتاج إلى التصفيق بقدر حاجته إلى الاحتواء، ولا إلى الاحتفال بقدر حاجته إلى الصحبة والتعليم والرعاية والصبر. فالهداية لحظة مباركة، وأما الثبات فبناءٌ طويل يحتاج إلى جماعةٍ رحيمة تعرف كيف تحمل الداخل الجديد إلى الإسلام برفقٍ ووعي. |
|
وأفرد الضيف جانبًا من حديثه لأفق العصر التقني، فاستعرض إمكانات الذكاء الاصطناعي في خدمة الدعوة؛ من الترجمة، إلى تحليل الأسئلة، إلى تفكيك الشبهات، إلى تطوير أدواتٍ ذكية تصل إلى الناس بلغاتهم وخلفياتهم الثقافية. وقد حمل هذا الطرح دلالة مهمة على أن الوسائل الحديثة تتحول إلى جسورٍ للهداية حين توضع في إطارٍ شرعي وأخلاقي رشيد؛ فالمؤمن الفطن يتقن تسخير معطيات زمنه في نصرة الحق. |
|
ثم انتهى اللقاء إلى المعنى الأكبر: أن الهداية سرٌّ من أسرار الله، وأن العائق الأعظم في وجه الحق ليس ضعف الدليل بقدر ما هو الكبر؛ ذلك الحجاب الثقيل الذي يجعل الإنسان يرى ثم يعرض، ويفهم ثم يستنكف، ويقترب من النور ثم يفضّل أن يبقى رهين صورته القديمة عن نفسه. ولهذا كان دعاء ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ هو اعترافٌ يومي بأن القلب يضلّ إذا تُرك إلى نفسه، ويهتدي إذا تولاه الله بلطفه. وأنا أستمع إلى هذه المعاني، والقطار يمضي بي عائدًا إلى نورشوبينغ، شعرت أن الطريق خارج النافذة كان يشرح ما أسمع؛ فهذه البلاد التي يكسوها الثلج في ظاهرها، تخفي تحت صمتها قلوبًا عطشى إلى الهداية، وأرواحًا أرهقها البرد الوجودي، ونفوسًا تنتظر كلمةً صادقة، وقدوةً حسنة، ووجهًا منيرًا بالإيمان. |
|
الشعيرة المتحرّكة |
|
في إحدى القاعات اجتمعن الأخوات النساء في مجلسٍ يفيض هدوءًا ووقارًا، كان حديثهم يتنقل بين تجارب الغربة ومسؤولية الوجود، حتى استقرّ عند سؤالٍ يمسّ العمق: عن واقع المرأة المسلمة في هذه المجتمعات، ومن بين ثنايا الحوار برز موضوع الحجاب، وأشرت لهم بأن "حجاب المرأة.. المئذنة المتنقّلة" وشرحت الفكرة بأنك حين تدبّ خُطاك في أروقة المطارات، وتُحطّك رحلتك في مدنٍ متباعدة الأطراف، ثم تقع عينك على امرأة متحجبة تمضي في طريقها بسكينةٍ ووقار، تشعر أن نداء “الله أكبر” قد صدح، ولكن بلا مئذنة.. كأنها – بحجابها – تحمل على رأسها علَمًا يُعلن عن وجود الإسلام في هذا المكان. وففي الوقت الذي يمكن أن يتخفّى الرجل المسلم خلف بدلة أنيقة أو قميص عصري، تبقى المرأة المسلمة بحجابها راية لا تُخفى، وشعارًا لا يضمحل، هي العلامة البصرية الأوضح لوجود الإسلام في الفضاء العام، ولهذا، لم تكن الحملة الغربية على الحجاب مجرّد صدامٍ ثقافي مع لباسٍ تقليدي، بل كانت – في جوهرها – صراعًا مع الشهادة العلنية على وجود هذا الدين. |
|
ولقد أدركوا – بعمقٍ سياسي وثقافي – أن حجاب المرأة ليس مجرد قطعة قماش، بل هو “الشعيرة المتحرّكة”، وأنه بحدّ ذاته إعلانٌ يوميٌ حيّ عن الإسلام في زمنٍ يُراد فيه للدين أن يُحبس في زوايا القلب، ويُمنع من التعبير عن نفسه في الشارع العام. وفي معمار الحضارة الغربية، كل شيء قابل للذوبان والتفكيك: الأسرة، الدين، اللغة، والهوية. لكنّ الحجاب، ذلك الشعار اليومي العلني، يشقُّ هذا السياق المتحلل، فالمرأة المتحجبة – وهي تمشي بين الناس – تُفسد على خصوم الإسلام وهْم الانتصار، لأن في هيئتها البسيطة استعادةً لحق الإسلام في الوجود، وفي مظهرها الجليل تذكيرٌ صامتٌ بمنهج السماء في حضرة الازدحام الأرضي. |
|
ولهذا؛ لا عَجَبَ أن يتواطأ الإعلام، وتُحفّز القوانين، وتُحرّك الحملات، لاقتلاع هذا الرمز من الوعي والسلوك، فخصوم الدين، إذ عجزوا عن النيل من جوهر الرسالة، اتجهوا إلى تمزيق شعائرها الظاهرة، هم لا يطيقون “مَعْلَمًا” يعلن بجلاء: هنا الإسلام، فلما عجزوا عن إسكات الوحي، حاولوا حجب صدى الشعار. فيا أختاه، لستِ ترتدين ثوبًا فحسب، بل تحملين لواء الرسالة في زمن التمييع، وتُشيرين للمارة أن الإسلام لا يزال نابضًا في هذا العالم، بثباتك، ينهزم المشروع الذي أراد أن يجعل الإسلام متحفًا لا مظهرًا." |
|
حين انسكبت الكلمات عن الحجاب بوصفه مئذنةً متنقلة، شعرت كل واحدةٍ أن ثوبها ازداد وزنًا في الروح، وفي صدورهنّ ارتفع إحساسٌ بالمسؤولية الجميلة؛ مسؤوليةُ الثبات الرقيق، والحضور الواثق، وكيف أنها في عبادة ممتدة في كل مكان عندما تستشعر عظم هذه الشعيرة. |
|
لسانان وقبلة |
|
في الشمال تتشكّل الهوية على هيئة طبقاتٍ متداخلة، لا تُلغِي إحداها الأخرى، بل تتجاور في مساحةٍ واحدة من النفس، كأمواجٍ مختلفة الإيقاع تسكن بحرًا واحدًا. العيش بين لغتين لا يُعد انتقالًا بين أصواتٍ فحسب، بل انتقالٌ بين عوالم رمزية كاملة؛ كلمةٌ في البيت تحمل دفءَ الأم وملامح الجدّة، وكلمةٌ في الجامعة تحمل مصطلحات البحث وأدوات الحداثة. في الفم لسانان، وفي القلب ذاكرة مزدوجة. |
|
والتوازن بين الاندماج والحفاظ على الخصوصية يشبه السير على حافة دقيقة بين عالمين. الاندماج يمنح الاعتراف، ويفتح الأبواب المهنية والاجتماعية، ويصنع جسورًا من الثقة. والخصوصية تحفظ الجذور، وتُبقي للروح مرساها، وتحمي المعنى من التآكل. حين ينجح المرء في الجمع بينهما، يتشكل نموذجٌ متوازن: إنسان منفتح على محيطه، راسخ في قيمه، يشارك المجتمع العام بفاعلية، ويحمل في داخله نواةً صلبة لا تذوب، ولطالما كان إتقان اللغة الجواز الدبلوماسي للانسجام مع المجتمع. |
|
والازدواجية النفسية لدى بعض الشباب تنشأ من هذا التعدد؛ في البيت قيمٌ وتوقعات، وفي الخارج قيمٌ أخرى وسياقات مختلفة. قد يتبدّل أسلوب الكلام، وتتغيّر لغة الجسد، ويختلف موضوع الحديث تبعًا للمقام. هذه المرونة قد تتحول إلى ثراءٍ إن أُديرت بوعي، وقد تتحول إلى انقسامٍ داخلي إن غاب الاتساق. والنضج هنا يعني القدرة على بناء جسرٍ ثابت بين العالمين، بحيث لا يشعر الإنسان أنه يعيش بشخصيتين، بل بشخصيةٍ واحدة متعددة الأبعاد. ومع مرور الزمن، تترسّخ لدى من ينجح في هذه الرحلة هويةٌ مركّبة ناضجة؛ هوية تعرف أصولها جيدًا، وتحسن مخاطبة حاضرها، وتملك شجاعة الاعتزاز بما تحمل دون استعلاء. |
|
ملاذ الروح |
|
وللمسجد وظيفةٌ دقيقة في معالجة ما يعتري الأسر من نزاعات. حين تتوتر العلاقة بين زوجين، أو يختلف والدٌ وابنه، يصبح المسجد مكان استشارةٍ وحوار. يجلس الطرفان في مكتبٍ صغير خلف قاعة الصلاة، ويبحثان عن رجل يعرف النصوص ويفهم النفوس، فيعيد ترتيب الكلمات، ويذكّر بالقيم، ويقترح حلولًا تستند إلى الحكمة والرحمة، ولذا يتحول المسجد إلى محكمة ضميرٍ لا تصدر أحكامًا قاسية، بل تصنع مصالحةً هادئة بين القلوب. |
|
وهذه حقيقة شاهدتها هنا أن أثر المكان يتجاوز الوظائف الظاهرة؛ فالمسجد يرمم الانكسارات اليومية ببطءٍ عجيب. كلمة طيبة بعد صلاة، نظرة تفهم، دعاء يُرفع باسمك في غيابك، كل ذلك يشكّل طبقةً خفية من التماسك الداخلي. الإنسان الخارج من المسجد يحمل معه طمأنينةً محسوسة، كأن شيئًا من النور علق بكتفيه. وفي ليالٍ شتوية طويلة، حين يكسو الثلج الطرقات وتغلق المدينة أبوابها، يبقى المسجد نافذةً مضاءة، شاهدةً على أن الروح تجد بيتها حيث يُذكر الله، وأن المجتمعات تُبنى من قلبٍ صغير إذا اشتعل بالإيمان. |
|
والذي اخترته منهجًا أن الحوار الفردي هو الطريق الأهدأ إلى القلوب. بعد مجلسٍ عامر، أو على طاولةٍ تتجاور عليها الكتب، يتشكّل فضاءٌ يسمح للفكرة أن تتنفس. لأن المنابر تصنع موجة، أما الجلسة الخاصة فتصنع أثرًا ممتدًا، وهناك يجرؤ السؤال على الظهور، وتتحرر الفكرة من رهبة الجمهور، ويُبنى الفهم كما يُبنى بيتٌ صغير بعناية. الدعوة في هذا المقام تتحول إلى رفقةٍ عقلية، وإلى مسارٍ مشترك يتقدّم بخطواتٍ واثقة. |
|
وفي مساءٍ شماليٍّ هادئ، بعد أن انحلّت صفوف التراويح وتفرّق المصلّون، جلستُ في ركنٍ من المسجد، كانت المصابيح تنثر ضوءًا خافتًا، كأنها تحرس سرًّا صغيرًا على وشك أن يُولد. هنا أقبل شابٌّ سويدي، في صدره أسئلةٌ تتزاحم كما تتزاحم الثلوج على حوافّ الأسطح، وفي عينيه صفاءُ باحثٍ أنهكه الدوران وأغراه اليقين. |
|
رأيتُ في وجهه جدّية القرار قبل أن ينطق به، ووجدتُ في هذه اللحظة فرصة انتهاز لسؤاله لماذا تريد الإسلام؟ ولماذا تختاره من بين عشرات الأديان والأفكار التي يمكن الانتماء لها؟ قال بصوتٍ موزونٍ هادئ: في كل دينٍ ملامحُ ضباب، وفي الإسلام وضوحُ الطريق؛ يخبرك إلى أين تمضي، وما الذي ينتظرك، وما الذي يُراد منك. جنةٌ ونار، عهدٌ ومسؤولية، معنىٌ لا يتوارى خلف الرموز، بل يقف أمامك صريحًا كالفجر. ثم جاءت لحظة الإعلان؛ لحظةٌ رأيتُ فيها الزمن يبطئ خطاه احترامًا. تقدّم بخطواتٍ محسوبة، كمن يعبر جسرًا داخليًا لا يُرى، بين ماضٍ طويلٍ من التساؤل، ومستقبلٍ يختاره بملء إرادته. وقف في منتصف المسجد، وأحاطت به وجوهٌ من قاراتٍ شتى، صمتٌ عميقٌ يعلو على الكلمات. نطق الشهادتين بصوتٍ ثابت، لا يرتعش، كأنما يوقّع عقدًا مع السماء. كانت ومضة نورٍ تخترق سكون الشمال؛ الإسلام يتحوّل من فكرةٍ تُناقش إلى حياةٍ تُختار، من جدلٍ ذهنيٍّ إلى يقينٍ يُعلن. |
|
ومن الجماليات التي أسرّت نفسي في ذلك الشمال أن المسجد هنا كائنٌ حيٌّ يتنفس بأهله، ويُقيمهم كما يُقيمونه. تدخل في أي ساعةٍ من اليوم، فتجد ساجدًا قد طال سجوده، أو قارئًا يسكب صوته في هدوءٍ عميق، أو شابًا يجلس في طرف الصف كأن بينه وبين المكان عهدًا قديمًا. في تلك اللحظات يسطع في القلب قول النبي ﷺ"سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه… ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجد"؛ وأشعر أني أرى هذا القلب المعلّق رأي العين. |
|
يلفت النظر أن هؤلاء القوم يأتون من أطراف المدينة، من مسافاتٍ تمتد أحيانًا إلى ساعةٍ كاملة، ومع ذلك يسبقهم الشوق قبل العجلات. تعب العمل يرافقهم، وبرد الطريق يلامس وجوههم، ثم إذا دخلوا المسجد سكن كل شيء، كأنهم بلغوا موطن الراحة. المكان لا يعرف الخلوّ من عابد، والأنفاس فيه ممتلئة بنداءٍ دائم. |
|
الحرية السائبة |
|
في الشمال، حيث تتكاثف منظومات الحداثة وتنتظم الحياة بنمط عقلانيّ دقيق، تتقدم الليبرالية الفردية بوصفها روحًا عامة تشكل المزاج الثقافي وتوجّه الحسّ الأخلاقي. الفرد هنا مركز الدائرة، وإرادته معيار الحركة، واختياره حجر الزاوية في البناء الاجتماعي، ويبرز سؤال الحرية في صورته القصوى؛ حرية تمتدّ حتى تخوم القرار الفردي في كل شأن. غير أن التأمل يكشف أن الحرية، حين تفقد بوصلتها القيمية، تتحول إلى عبءٍ على صاحبها، إذ يصبح الإنسان مرجعيته الوحيدة، ويصير عليه أن يصوغ لنفسه معيارًا في كل مسألة. وهذا عين الإرهاق النفسي، وهنا يتبدى الفرق بين حريةٍ مؤطرة بمعنى، وحريةٍ سائبة تبحث عن تعريفها. والذي أفهمه من الإيمان أنه يقدّم لنا تصورًا متوازنًا؛ يفتح مجال الاختيار، ويمنحه إطارًا يقيه من التشتت، فيتحدّد المسار دون أن ينكمش الأفق. |
|
في هذا الكوكب المتعدد النسخ، القيم تمشي بلا جواز سفر. كل فكرة ترفع لافتتها فوق رأسها وتعلن: أنا الأصل. الفضاء العام أشبه بسوقٍ؛ بسطات أخلاقية، عروض فلسفية، تخفيضات روحية، وكل تيار يعرض خلاصه في عبوةٍ أنيقة. المرجعيات تتجاور كما تتجاور الأبراج الزجاجية؛ شفافة، شاهقة، باردة. والقيم هنا كعملةٍ بلا ختمٍ واحد؛ تُتداول بأختامٍ متعددة، ويُعاد تعريفها مع كل موجة فكرية جديدة. سؤال المصدر يقف في المنتصف كقاضٍ حائر: من أين تولد القيمة؟ من تصفيق الأغلبية؟ من ميزان المنفعة؟ أم من سماءٍ تتجاوز المزاج البشري؟ |
|
الشباب يدخلون هذه الساحة كمن يدخل مختبرًا فلسفيًا مفتوحًا؛ في قاعةٍ أكاديمية يُطرح سؤال الشرّ كمعادلةٍ باردة، وفي كتابٍ حديث تُفكّك فكرة المصير إلى احتمالاتٍ عائمة، وفي نقاشٍ عابر يُختزل معنى الحياة في وظيفةٍ أو لذّةٍ أو مشروعٍ مؤقت. الأسئلة الكبرى لا تأتيهم همسًا، بل تهبط كنيازك: لماذا الألم؟ ما الغاية؟ ما الذي ينتظر الإنسان بعد هذا الإيقاع المنظّم من الدراسة والعمل والتقاعد؟ القلق الوجودي يتشكّل هنا كتيارٍ كهربائي في الأعصاب؛ حضارةٌ متقنة التنظيم تمنح الجسد راحةً، وتدفع الروح إلى مساءلةٍ عميقة. كل شيء يسير بانتظامٍ مذهل، والسكة مستقيمة، غير أن السؤال يظلّ معلقًا فوقها كلوحةٍ ضخمة: إلى أين؟ لا تعلم !! |
|
ارتجافة الفرح |
|
كنتُ في تلك المجالس أتحوّل من متكلّم إلى مُنصت، ومن سائلٍ يريد الجواب إلى قلبٍ يريد أن يرى كيف يتشكّل الجواب في روحٍ أخرى. حرصي على سماع كل مسلمٍ جديد لم يكن فضولًا عابرًا، بل كان شوقًا يشبه شوق البستاني إلى مشاهدة البذرة وهي تشقّ التراب أول مرة؛ كيف يشرق الإسلام في نفسٍ لم تألف ألفاظه، وكيف يستقيم المعنى في أرضٍ لم تحفظ تاريخه في ذاكرتها. كنتُ أجلس أمام أحدهم، وأترك له المساحة كاملة ليقول: ماذا يعني لك الإسلام؟ |
|
يبدأ الحديث غالبًا ببطء، ثم تنفتح العبارة كما تنفتح زهرة في صباحٍ بارد. أحدهم يتحدث عن شعورٍ بالطمأنينة لم يعرفه في حياته السابقة، كأن قلبه وجد أخيرًا موضعه الطبيعي. آخر يصف الإسلام بأنه نظامٌ يعيد ترتيب الفوضى الداخلية، ويمنح لحياته خطًا مستقيمًا بعد تشتتٍ طويل. وثالث يرى فيه كرامةً شخصية؛ علاقة مباشرة مع الله تمنحه قيمةً تتجاوز المقاييس المادية. كانت الأجوبة تأتي كأنها قصائد فطرية، لا تشبه ما ألفته في بيئتي الأولى، ولا تسير على نسق التفكير الذي نشأت عليه. |
|
كنتُ أطرح أسئلةً كثيرة: كيف وجدت الطريق؟ ماهو أقرب اسم لامس قلبك من أسماء الله الحسنى؟ ما اللحظة التي شعرت فيها بأنك تعبر من ضفةٍ إلى ضفة؟ وكانوا يجيبون بلغةٍ صادقة، خالية من المصطلحات الثقيلة، ممتلئة بصورٍ إنسانية بسيطة. أحدهم قال إن سجدةً واحدة كانت كافية ليشعر بأن روحه عادت إلى موضعها. وآخر تحدث عن آيةٍ قرأها فشعر أنها تخاطبه باسمه. وثالث وجد في مفهوم التوحيد تحريرًا عميقًا من عبء التشتت بين الآلهة الرمزية التي كانت تحكم حياته. |
|
في تلك اللحظات كنت أتعلم أنا أيضًا؛ أتعلم أن الإسلام حين يدخل قلبًا جديدًا يأتي نقيًا، طازجًا، خاليًا من الزوائد الثقافية. أرى في أعينهم دهشة الاكتشاف الأولى، وأسمع في أصواتهم ارتجافة الفرح، وأشعر أنني أرى ديني من جديد بعينٍ لم تتعبها العادة. وأدركت أن لكل قلبٍ طريقته الخاصة في فهم الإسلام؛ هذا يراه رحمة، وذاك يراه عدلًا، وثالث يراه نورًا يبدد ظلمةً قديمة. وتنوع الأجوبة لم يكن اختلافًا في الجوهر، بل تعددًا في المداخل إلى الحقيقة الواحدة. وكأن الإسلام بحرٌ واسع، كل واحدٍ منهم دخل إليه من شاطئٍ مختلف، ثم التقوا جميعًا في عمقٍ واحد. هنا، في أقصى الشمال، لم أكن فقط أستمع إلى قصص اعتناق، بل كنت أستمع إلى ديني وهو يُحكى من جديد، بلغةٍ أخرى، بنبرةٍ أخرى، وبجمالٍ يأتي على غير نسق تفكيري، فيعيد ترتيب أفكاري أنا، ويمنحني دهشة الاكتشاف كما لو أنني أسمعه للمرة الأولى. |
|
وطنٌ من وجوه |
|
وفي تلك المجالس السويدية تنكشف لك صورة رجالٍ جمعوا بين رقة الروح وصلابة المبدأ؛ قلوبٌ عامرة بالإيمان، وعقولٌ مستنيرة بالعلم، وأخلاقٌ تفيض لطفًا وجلالًا. يلتقي فيهم القادم من بلاد العرب؛ من الخليج والشام والعراق ومصر والمغرب، مع القادم من البوسنة وألبانيا وصربيا، ويجلس بينهم من سكن السويد والنرويج وألمانيا وفرنسا وكندا، فتغدو البلدان كلها كأنها أنهار تصب في بحرٍ واحد. وفي مجالسهم كرمٌ يشيع دفئًا يشبه دفء البيوت القديمة. يجلسون فيتبادل المجلس أنفاس الأنس، ويحمل كل واحدٍ منهم همّ الإسلام في قلبه كجوهرةٍ مصونة، يسقيها بالعلم، ويحيطها بحسن الخلق، ويزينها بعملٍ صالح يفيض أثره على من حوله. فإذا اجتمعوا صار المجلس وطنًا، وصارت الغربة اسمًا آخر للأخوّة. وحقيقة أن المكان يضيق عن استيعاب أسمائهم، فهي قائمة شرفٍ طويلة لكل من سرّت عيني برؤيته، وتشرفت بالحديث معه، ووجدت منه كرم الإصغاء. وأقولها بصدق: في القلب منكم بذرة كريمة نمت حتى صارت ظلًا وارفًا في الروح. |
|
ثم انطفأت مصابيح الرحلة واحدًا واحدًا كما تنطفئ مصابيح مدينةٍ عند آخر الليل، وبقي في القلب ضوءٌ واحد لا ينطفئ: ضوء المعنى حين يُحسن الإنسان التقاطه. كنتُ أظن أنني أكتب عن الثلج، فإذا أنا أكتب عن الإنسان؛ وعن تلك الأيام التي قضيتها في منادمة الثلج، حيث يصير البياض مرآةً للنفس، وعن ذلك السرّ الذي يجعل الغريب يجد وطنه في تكبيرة، ويجد لغته في سجدة، ويجد أسرته في صفٍّ لا يعرف فيه أحدًا باسمه، ولكنهم يعرفون فيه وجهته. وإذا كانت المدن تُزار، فإن القلوب تُقيم، وأعجب الإقامات تلك التي يصنعها الله للعبد في لحظة صدق: في مسجدٍ بعيد، أو في دعاءٍ اختنق بالبكاء، أو في صمتٍ طويل ترى فيه نفسك بلا زينة. لهذا أضع القلم الآن وأنا أعلم أني ما زلت أسافر: لأن السفر الأكبر ليس بين البلدان، بل بين “أنا القديمة” و“أنا التي ينبغي أن أكون”. |
|
وأستودع القارئ عذر هذه الحروف؛ فإن ضاق البيان عن تمام الفكرة فلأنها وُلدت في يد مسافر، ما تزال برودة الطريق في أطراف أنامله. |



التعليقات