ماذا لو غاب القرآن؟ |
| 20 ديسمبر 2025 • بواسطة علي آل حوّاء • #العدد 13 • عرض في المتصفح |
|
|
|
|
منذ فترة، كلما مررت بهذه الآية: (قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) يونس [16]، يستوقفني هذا الاحتمال المهيب: ماذا لو غاب القرآن؟ أحاول أن أتصور هذا المشهد، فأجده مظلمًا، موحشًا، فارغًا من المعنى. كيف كانت ستبدو الحياة لو لم يُنزّل هذا الوحي؟ كيف كنت سأعرف من أنا، ولماذا خُلقت، وإلى أين أمضي؟ كيف كنت سأقف بين يدي الله، ولا أعرف كيف أناديه، وكيف أبكي له، وكيف أرجوه؟ كيف كنت سأجتاز مواسم الحياة الثقيلة دون أن تسندني آية، أو تهدأ روحي بسكينة الذكر. |
|
· لو شاء الله، لما تنعّمنا بآياتٍ تمسح عنّا الخوف، وتغرس الطمأنينة، لما وجدنا في صلواتنا ما يربطنا به، لما عرفنا كيف ندعوه، ولا بأي الكلمات نبثّ له أحزاننا، ولا كيف نرجوه حين تشتد الخطوب. لو شاء الله، لما علمنا من نحن، ولا لماذا خلقنا، ولا إلى أين نمضي، ولظلّت قلوبنا حيرى، تتخبط بين الظنون، ولا تجد إلى اليقين سبيلًا. |
|
· لو شاء الله، لما ترددت في المساجد آياته، ولا رقّت بها قلوب العابدين في سجودهم، ولا استأنست بها الأرواح في وحدتها، ولا بكى بها المذنبون في ظلمات الليل. لكنّ الله شاء، فأكرمنا بهذا الكتاب، وجعله رحمةً نعيش بها، ونورًا نهتدي به، وسراجًا لا تنطفئ أنواره ما دامت الحياة، فطوبى لمن وعى هذه النعمة، واستمسك بها كما يستمسك الغريق بحبل النجاة، وسقى قلبه منها حتى لا يبقى فيه ظمأ، وملأ بها روحه حتى لا يبقى فيها فراغ. |
|
ثمّ كأن الوحي يأخذ ذلك الخيط الرفيع الذي اهتزّ في قلب القارئ عند آية يونس، فينسجه امتدادًا أوسع داخل آيات الإسراء الثلاث؛ فينتقل القلب من سؤال الاحتمال إلى معاينة المشيئة، ومن معاينة القدرة إلى شهود الرحمة، ومن شهود الرحمة إلى الاعتراف بعجز الإنس والجن أمام سلطان هذا الكتاب الذي يتجاوزهم جميعًا. قَالَ تَعَالَى : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء [86-88] |
|
· قَالَ تَعَالَى : (وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) يقول الرازي :"اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنه ما آتاهم من العلم إلا قليلاً، بيّن هنا أنه لو شاء لأخذ منهم ذلك القليل أيضًا، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب، وهذا وإن كان مخالفًا للعادة إلا أن الله قادر عليه." وعند هذا الحدّ من خطاب القدرة، يتأمل القلب معنى عظيمًا: أنّ الوحي بأمر الله وحده، وأن حضور القرآن بيننا ليس ثمرة تحصيل ولا جهد بشري، بل بقاءٌ ممتدٌّ بفعل المشيئة. وهذه الآية كأنها تضع الإنسان أمام حقيقة مركزية: أن القرآن عطية محفوظة بالفضل، قائمة بالرعاية، ممتدّة بإرادة عليا. وفي هذا الإدراك يتولّد خشوع هادئ، خشوع من يرى النور معروضًا عليه في كل آن، حيًّا بين يديه، متجدّدًا باستمرار المشيئة الربانية، فيطمئن القلب وهو يستشعر شرف الحفظ وثقل الأمانة معًا. ومن ذاق هذا المعنى نشأت في روحه تلك الرهبة التي تربي طالب العلم، رهبةٌ ترفع النص فوق القراءة العادية، وتمنحه مقام “المنّة” قبل مقام “المعرفة”. وهناك امتحان خفيّ في معنى الوحي: فحين تفتح هذه الآيات باب الخوف من رفع القرآن: ﴿وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذي أَوحَينا إِلَيكَ﴾، فإنها لا تُنذر فقط باحتمال الفقد، بل تكشف ابتلاءً داخليًا يتجاوز حدود الحفظ والدرس. فالقرآن امتحان للقلوب قبل أن يكون امتحانًا للأعمال. امتحان في: مدى خشيتها من انقطاع الوحي عنها، وفي مدى محبتها لهذا الخطاب الذي يُصوّب العالم، وفي مدى صدقها في أن القرآن ليس كتاب ثقافة، بل كتاب حياة. |
|
· وبالنظر لسياق الآيات يمرّ أولًا بسؤالٍ عميق: ﴿وَيَسأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِن أَمرِ رَبّي﴾، فيتلقّى الإنسان تلميحًا أنّ هناك ساحة غيبٍ رحبة، وأن المعرفة البشرية تقف عند حدودٍ مضروبة بأمر الله. ثم يأتي الحديث عن القرآن قبلها في مواضع السورة بوصفه هاديًا، ومذكّرًا، ومُصرّفًا للأمثال. في هذا الجوّ من التعريف بالحدود: حدود العقل، وحدود العلم، وحدود النظر، ترد هذه الآيات لتقول: هذا الوحي الذي تتلقاه، ليس مجرّد خطاب تحيطه هالة من التقديس، بل أمانة يمكن أن تُسلب، ومنحة يمكن أن تُرفع، فيستيقظ في القلب شعور الحراسة والوجل. |
|
· وتأتي هذه الآيات بعد سياقٍ يرسم للإنسان خريطة الهداية ومسالكها، ويُقرّر أن النور ليس ملكًا ذاتيًا لأحد، بل عطاءٌ يتنزّل، فحين يبلغ الخطاب: ﴿وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذي أَوحَينا إِلَيكَ﴾ يضعك القرآن على عتبة الحقيقة الكبرى: الوحي نفسه يعيش تحت سلطان الهبة الإلهية، بقاءً ورفعةً وحفظًا، فالأصل أنه فضلٌ جارٍ لا استحقاقٌ قائم، وأن أعظم ما عندك قابلٌ لأن يُسلب إذا أدار الله وجه العطاء، فيتعلّم القلب هنا أدب الافتقار قبل أدب الانتفاع. ثم يشتدّ معنى الافتقار حتى يصبح أوضح ما يكون: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وَكيلًا﴾ أي أن القوة كلها تنتهي عند هذا الباب، فلا حيلة في استرجاع النور إذا ارتفع، ولا وكيل يخاصم عن العبد ربَّه في عطائه ومنعه، فيتكوّن في النفس ميزانٌ جديد: أنك حين تتمسّك بالقرآن تتمسّك به بوصفه رحمةً ممدودة لا بوصفه حقًا ثابتًا من حقوقك، وأن أعظم مقامات الفهم أن ترى النعمة في صورتها الصحيحة: نعمةٌ تُحفظ بالشكر والافتقار، وتزداد بالصدق والاتصال. |
|
· والبقاعي هنا يكشف طبقة من طبقات التربية الإلهية "ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل ، وإخراج المرسل ، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتاً عن الروح الحسي ، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهماً عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجداً ، وأطهرهم نفساً ، وأعظمهم مولداً ، وأزكاهم عنصراً ، وأعلاهم همة ، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه ، قال عاطفاً على { وإن كادوا ليفتنونك } تنبيهاً لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه ، فعمهم الجهل كما كانوا ، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم." وبتأمل هذه السبيكة البقاعيّة يمكن القول: بأن الوحي هنا حاضر بين أيديهم بمنّة لا تنفصل عن القدرة، ولو شاء الله لأطبق على القلوب صمتًا لا يقوم معه ذكرٌ ولا فكر. وهنا يلامس القلب حقيقة أن العلم القرآني ليس حصيلة أدوات، بل عطيةٌ ربانية تُسقى للقلوب كما يُسقى العطشان ماء الحياة. |
|
· يلتقط النسفي في هذه الآية لمسةً موجزة عميقة يقول فيها"والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف فلم نترك له أثراً {ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظاً مسطوراً." يربط فيها معنى الذهاب بالوحي بحقيقة التعلّق بالمشيئة الإلهية. إذ يرتفع معنى القرآن من “نصّ متاح” إلى “نعمة حاضرة بقرارٍ رباني”. وتحت هذا الظلّ تنشأ الهيبة العلمية؛ فيرى طالب العلم أن العقل لا يملك القرآن، بل يعيش في دائرة عطائه. ﴿وَلَئِن شِئنا لَنَذهَبَنَّ بِالَّذي أَوحَينا إِلَيكَ﴾ وتفتح الآية مشهدًا روحيًا مرعبًا؛ احتمال أن يرتفع القرآن عن هذه الأرض، وأن يذهب الله بما أوحى إلى نبيّه. هنا يتكوّن في داخل المؤمن إدراكٌ جديد: القرآن ليس مضمون البقاء بين الأيدي بعلّة الطباعة والحفظ، بل بعلّة مشيئةٍ ربانية مستمرة. ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وَكيلًا﴾ فالآية تخبرك بسقوط الوسائط عند نقطة الوحي، وكل العلاقات في الدنيا يمكن أن تمرّ عبر وسطاء، محامين، شفعاء، أهل جاه، إلّا العلاقة مع هذا الكتاب؛ فالآية تُظهر أن موقع القرآن من العبد موقع مباشر، بلا وكيل يتولّى المطالبة به إن رُفع، ولا جهة تضمن استمراره. وفي هذا الإيحاء تحريضٌ على شعور خاص بالمسؤولية الفردية: علاقة كل روح بالوحي علاقة شخصية، لا يتولاها أبٌ ولا شيخٌ ولا بيئة، بل يتولاها العبد نفسه. وحين يدرك المسلم هذا المعنى، يتغيّر نمط تعاطيه مع المصحف، فلا يعود القرآن جزءًا من خلفية البيت أو مكتبة المكتب، بل عهدًا شخصيًا يحتاج إلى تجديد مستمر. |
|
· ينقل ابن عاشور الخطاب من دائرة البيان إلى أفق التزكية، فيضع العلم في موضعه الأصيل قال: "وهذا متصل بقوله: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ } [الإسراء: 82] الآية أفضت إليه المناسبة، فإنه لما تضمن قوله: { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } [الإسراء: 85] تلقينَ كلمة علم جامعة، وتضمن أن الأمة أوتيت علماً ومُنعت علماً، وأن علم النبوءة من أعظم ما أوتيته، أعقب ذلك بالتنبيه إلى الشكر على نعمة العلم دفعاً لغرور النفس، لأن العلم بالأشياء يكسبها إعجاباً بتميزها عمن دونها فيه، فأوقظت إلى أن الذي منح العلم قادر على سلبه، وخوطب بذلك النبي ﷺ لأن علمه أعظم علم، فإذا كان وجود علمه خاضعاً لمشيئة الله فما الظن بعلم غيره، تعريضاً لبقية العلماء. فالكلام صريحُه تحذير، وهو كناية عن الامتنان كما دل عليه قوله بعده { إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } وتعريض بتحذير أهل العلم."فالنفس حين تُدرك شيئًا من دقائق الوحي تمتدّ فيها رغبة التفوّق، ويتهيأ فيها شعور التميز، فتأتي هذه الآية لتكسر انبعاث الغرور قبل أن يكتمل، وتردّ العلم إلى مصدره الأصلي: مشيئة الله. ومع هذا الإدراك تنشأ في القلب حالة من الانكسار الجميل الذي يثمّره الوحي؛ حالة تجعل العالم يدرك أن العلم الذي بين يديه قائم بقوةٍ ليست منه، وأن الفتح والفهم وتوسع المدارك هي موجات من العطاء الإلهي تتقاطر على القلب لحكمةٍ يريدها الله، وهذا الإيقاظ الروحي الذي تشير إليه الآية هو أحد أسرار الهداية القرآنية. |
|
· ويكشف ابن عاشور في الآية سرًّا يورث هيبة العلم، إذّ يقول: "(ثُمَّ لَا تَجِدُ) للترتيب الرتبي، لأن نفي الطمع في استرجاع المسلوب أشد على النفس من سلبه. فذكره أدخل في التنبيه على الشكر والتحذير من الغرور."وهذه اللمحة البيانية تكشف أثرًا نفسيًا بالغًا: فالقلب قد يطيق احتمال الفقد، لكنه يرتجف عند تصور فقدٍ لا عودة معه. هذا المعنى يربّي القلب على الشكر في أعمق درجاته، ويجعل النعمة أكثر حضورًا في الوجدان. |
|
___________________________________ |
|
(86) إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) ثم قال الرازي، مبيّنًا اتساع معنى الامتنان في هذا الموضع، إن الاستثناء في قوله تعالى: "{إلا رحمة من ربك} أي إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى ولكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن، على أنه تعالى منّ على جميع العلماء بنوعين من المنة: أحدهما تسهيل ذلك العلم عليه، والثاني إبقاء حفظه عليه. وقوله: {إن فضله كان عليك كبيرا} فيه قولان: الأول إبقاء العلم والقرآن عليك، والثاني أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك المقام المحمود، فلما كان كذلك أنعم عليك أيضا بإبقاء العلم والقرآن عليك."ويتمدّد معنى الرحمة هنا في أفقٍ أبعد من بقاء النص؛ فالآية تُشعر القلب بأن الوحي هو فيضٌ متواصل من العطاء الرباني. فكل لحظة قراءة، وكل قدرة على الفهم، وكل انفساح في البصيرة—كلها تدخل في سلك الرحمة والفضل. وهنا يتجاوز الخطاب مقام الهيبة إلى مقام اللطف؛ فبعد ذكر القدرة يأتي ذكر الرحمة، ليكتمل ميزان التربية القرآنية. فالنفوس لا تُصلحها القدرة وحدها، ولا تستقيم باللطف وحده، وإنما تتشكل حين تتجاور الرهبة والمنة. وتزداد الآية إشراقًا حين تُقرأ في ضوء ختامها: {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا}. فهذا البيان يحوّل تاريخ النبي ﷺ كله إلى سجلٍّ من الفضل؛ من الرسالة إلى المقام المحمود، ومن النبوة إلى بقاء القرآن. وكلما اتسع الفضل في حياة النبي ﷺ، اتسعت الرحمة في حياة الأمة التي تتلقى عنه، فتلتقي قلوب المؤمنين بنهرٍ واحد من العطاء الإلهي الممتد. |
|
· يختصر النسفي المعنى في صورةٍ بليغة" أي إلا إن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد." وفي هذا الاستثناء تتجلّى روح التربية القرآنية؛ فبعد مشهد القدرة يأتي مشهد الرحمة، لتزداد الصورة اكتمالًا. وكأن الآية تنقل القلب من مقام الهيبة إلى مقام السكينة، فبقاء الوحي رحمة، وعودته رحمة، وفهمه رحمة. ﴿إِلّا رَحمَةً مِن رَبِّكَ﴾: الوحي بوصفه تجلّيًا للرحمة قبل كونه خطاب تكليف: يصبح القرآن في وجدان المؤمن نهر رحمةٍ جارٍ: رحمةٌ في الآيات التي تداوي الجراح، رحمةٌ في الأوامر التي تضبط الشهوات، رحمةٌ في القصص التي تعلّم معنى العاقبة. ويظل العبد كلما قرأ: يشعر أنه يعيش داخل منطقة رحمة ممتدة، أطال الله عليه أمدها. ﴿إِنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيرًا﴾: فإعادة تعريف الفضل في حياة المسلم تبدأ من تعلّق الفضل على بقاء الوحي، فينشأ ميزان جديد في تقييم النعم: الفضل الأكبر في حياة الإنسان أن يظلّ متصلًا بالقرآن، علمًا وفقهًا وتلاوةً وتدبرًا وعملاً. |
|
· الألوسي يفتح بهذا التوجيه باب المواساة النبوية" وقال صاحب التحرير: يحتمل أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الروح وذي القرنين وأهل الكهف وأبطأ عليه الوحي شق عليه ذلك وبلغ منه الغاية فأنزل الله تعالى هذه الآية تسكيناً له صلى الله عليه وسلم. والتقدير: أيعزّ عليك تأخر الوحي؟ فإنا إن شئنا ذهبنا بما أوحينا إليك جميعه، فسكن ما كان يجده صلى الله عليه وسلم وطاب قلبه، انتهى."فالنبي ﷺ حين انتظر، كان يعيش حالة من الترقّب العميق، ترقّب القلب الذي اعتاد أن يتلقّى من السماء مدده ونوره، فإذا تأخر الوحي شعر الداخل باشتياق خاص لا يعرفه إلا القريب من الله. وهذا التسكين الذي يذكره الألوسي ليس مجرد سكونٍ عابر، بل توطين للروح على أنّ علاقة النبي ﷺ بالوحي ليست علاقة سؤال وجواب، بل علاقة قلبٍ يربّيه الله بأنواعٍ متعدّدة من اللطف: مرةً بالبيان، ومرةً بالانتظار، ومرةً بتذكيره أن كل شيء في هذا الطريق قائم على رحمةٍ تتنزّل ومقام فضلٍ خُصّ به دون سواه. |
|
· ثم تأتي الآية كجسر من لطف وسط هذا الجلال: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينا وَكيلًا إِلّا رَحمَةً مِن رَبِّكَ إِنَّ فَضلَهُ كانَ عَلَيكَ كَبيرًا﴾ فيُنشئ القرآن إحساسًا مزدوجًا: شعورًا بالفقر المطلق إلى حفظ الله لهذا الوحي، وشعورًا بغمر الرحمة التي اقتضت أن يبقى القرآن متاحًا، محفوظًا، متلوًّا، ميسّرًا للذكر. لا يوجد في الأفق بديل يتولّى حفظ هذا الوحي عن الله، ولا مفاوضٌ يستطيع أن يضمن استمراره لو تعلّقت المشيئة برفعه؛ هنا تنكشف هشاشة كل اعتماد على غير الرب، وكل تصورٍ لاستغناء الأمة عن فضل الله في بقائها على هذه الخريطة الإيمانية. وحين يربط السياق هذا المعنى بوصف الفضل بأنه: ﴿كانَ عَلَيكَ كَبيرًا﴾ فإن الآية لا تكتفي بترسيخ شعور الامتنان، بل تُشعر المؤمن أن بقاء القرآن بين يديه جزء من منظومة فضل واسعة تكتنف حياته كلها؛ فوجوده مسلمًا، واصطلاح قلبه مع الوحي، ونشأته في أمة تقرأ هذا الكتاب، كل ذلك ليس حدثًا عابرًا بل تجلٍّ من تجليات هذا الفضل الكبير. والرحمة بوصفها سياجًا يحفظ الوحي: وعندما يقول سبحانه: ﴿إِلّا رَحمَةً مِن رَبِّكَ﴾ فهو لا يقدم تبريرًا لعدم رفع القرآن، بل يكشف أن بقاء الوحي في الأرض ليس نتيجة أهلية بشرية، بل رحمة خالصة. هنا يتفكّك في العقل وهمٌ كبير: أن التمسك بالوحي مجرد مهارة تحصيلية ومنهجية. بل الحقيقة: أن القدرة على الاقتراب من الوحي، وفهمه، والعمل به، والعيش في ظلاله، كلّها تُسكب على القلب سكبًا من باب الرحمة، قبل أن تكون حصيلة ذكاء أو قدرة لغوية أو ذاكرة قوية. |
|
____________________________________ |
|
(87) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) يربط الرازي بين "توفر الدواعي ووقوع العجز ليجعل عدم المعارضة آيةً قائمة، إذّ يقول:"بيّنّا في تفسير قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} إعجاز القرآن، وذكر الناس فيه قولين: أحدهما أن القرآن معجز في نفسه، والآخر أن المعجزة في صرف الدواعي عن معارضته مع قوتها. والمختار عندنا أن القرآن إمّا أن يكون معجزًا في نفسه فيتحقق المقصود، أو لا يكون معجزًا مع قدرتهم على معارضته وتوفّر الدواعي وعدم المانع؛ وعلى هذا كان الإتيان بالمعارضة لازمًا، فلما لم يقع كان ذلك نقضًا للعادة، فيثبت كونه معجزًا." وعندما تنتقل الآية من ذكر الرحمة إلى ذكر العجز البشري، يتولد في النفس معنى ثالث: معنى السموّ. فالآية ليست مجرد تحدٍّ بل بناء عقلي وروحي معًا؛ إذ ترسم صورة حشدٍ كونيّ: إنسٌ وجنّ، عقولٌ ولغات، حكماء وشعراء، كلّهم يجتمعون عند مهمة واحدة، ثم يتبدّد جهدهم أمام النص الإلهي. هذا المشهد يوقظ في القلب حسًّا خاصًا: حسّ العلوّ القرآني. فالقرآن لا يتفرّد ببيانه فقط، بل يتفرّد أيضًا بمنهجه، وبإحاطته الفطرية، وبقدرته على الإمساك بشريان النفس والمجتمع في لحظة واحدة. ومن هنا يتكوّن وعيٌ عميق بأن القرآن ليس كتابًا يشرح الحياة، بل كتابًا يصنع الحياة، ويقود النفس من الداخل قبل أن يوجّهها من الخارج. |
|
· لا أُخفي القارئ أنني حين وقعت عيني للوهلة الأولى على هذا الموضع من كلام البقاعي، سرَت في داخلي رعشةٌ حقيقة" ولما كان الكلام في معرض أن يقولوا: إن ذهب عليك منه شيء أتيتَ بمثله من عند نفسك ومما اكتسبته من الأساطير، أُمر أن يجيبهم دلالةً على مضمون ما تقدم بقوله: { قل }. ولما كان المقصود هنا المماثلة التامة في جميع التفاصيل، في المعاني الصادقة والنظوم الرائقة، كما دل عليه التعبير بالقرآن، زيد في التحدي قيد اجتماع الثقلين، وصرف الهمم إلى التظاهر والتعاون والتظافر، بخلاف ما تقدم في السور السابقة، فقال تعالى مؤكِّدًا باللام الموطئة للقسم: { لئن اجتمعت الإنس والجن }. فقدّم الإنس لسهولة اجتماعهم، ولأنهم عند المخاطَبين أصل البلاغة والحكمة، وأتبعهم بالجن لما يتوهَّم من اتصالهم بالكهان والشعراء وإعانتهم ببعض المغيبات، وترك ذكر الملائكة لعدم العهد بشيء من كلامهم. والمطلوب أن يأتوا { بمثل هذا القرآن } جميعه، على ما هو عليه من التفصيل والإحكام، مع التنبيه بالإشارة إلى أن ما جاء به النبي ﷺ وحيٌ من عند الله، لا مدخل للنفس فيه. ولما كان المراد عموم التحدي وشموله، لم يُضمر، بل أُظهر فقيل: { بمثله } ليشمل المكي والمدني، وليدل على العجز عن الإتيان بمثله في أعلى طبقات البلاغة، جامعًا لأحسن المعاني بأوضح المباني. ثم خُتم الحكم بعجزهم مجتمعين ومنفردين، متظاهرين وغير متظاهرين، بقوله تعالى: { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا } أي معينًا، يضم كل واحد أقوى ما عنده إلى أقوى ما عند غيره."وهنا يأخذ السياق منعطفًا كونيًا، يتسع فيه المشهد أمام العين والقلب معًا؛ فالخطاب لا يخاطب فردًا ولا جماعة، بل يخاطب "الثقلين" في أعلى ما يملكون من أدوات وفصاحة وإلهام. وفي هذا تحدٍّ تتجلى سيادة الوحي: سيادة اللفظ، وسيادة المعنى، وسيادة المنهج الذي لا تدركه عقول متساندة ولا قوى متعاضدة، وإنّ هذا التحدي يرسم الحدود العليا للقدرة البشرية، ويضع العقل أمام نصٍّ لا يبلغه تكامل اللغات ولا تعاون المواهب، وإنّ اجتماع الإنس والجن، بهذا التصوير القرآني، لا يُنشئ إلا مشهدًا من العجز أمام الكمال الرباني، فيبقى القرآن وحده في مقام العلو، ويبقى الخطاب الإلهي هو الخيط الواصل بين الأرض والسماء، يفتح للقلب باب الاطمئنان بأن الهداية ليست نتاج تضافر الفكر، بل نفحة تتنزل من الوحي. |
|
· وكما اختصّ الله الروح بسرٍّ لا ينفذ إليه العقل البشري، جعل القرآن من صنعه الرباني المحكم، صنعًا يتجاوز مدارك الخلق ويعلو على قدرتهم، فيقف الإنس والجن – وهما صورتا الوجود الظاهر والخفي – أمامه في مقام العاجز، مهما احتشدت طاقاتهم وتساندت أعوانهم، ويأتي التحدّي الإلهي مهيبًا: ﴿قُل لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلى أَن يَأتوا بِمِثلِ هذَا القُرآنِ لا يَأتونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهيرًا﴾؛ مشهدٌ تتجاور فيه القوى، وتتساند اللغات، وتتداخل العقول، ويبقى القرآن في عليائه، نصًا لا يُحاكى، ووحيًا لا يُدرك مداه. |
|
• والقرآن منهج حياة كامل، مشدود إلى نواميس الفطرة التي تشكّل النفس البشرية في أطوارها، وتضبط حركة المجتمعات في صراعاتها وهدوئها. منهج يستوعب تقلبات الإنسان ومسارات مجتمعه، أدوية متصلة بعمق الفطرة وطبائعها، ويتعامل القرآن مع النفس المفردة والجماعة المتشابكة في اللحظة نفسها؛ يمدّ لكل جانب خيط هداية مناسبًا لطبعه وموقعه، ويبني إصلاحًا لا ينسلخ عن بقية الجوانب، فتأتي الخطوات متناسقة، متآزرة، لا تفصل بين الروح والعقل، ولا بين المصلحة والشريعة، ولا بين الفرد والأمة. |
|
• وهذه النظم البشرية – مهما بلغت من الدقّة – تسير ضمن حدود العقول التي وضعتها، وتتحرك داخل إطار التجربة المحدود؛ ولهذا تنشئ حلولًا لموقف، فتنتج عنها مواقف أخرى تحتاج إلى حلول جديدة، وتظلّ الحياة في حركتها المتسارعة أوسع من قدرة الإنسان على الإحاطة، وإعجاز القرآن أوسع من إعجاز اللفظ والمعنى؛ إنّما إعجازه في بناء شامل، وفي منهجٍ يحيط بالنفس والمجتمع والفطرة والتاريخ والغاية، إحاطة لا يلحقها جهد البشر ولو احتشدت مواهبهم وتساندت قواهم، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثل القرآن هو في جوهره عجز عن إنشاء منهج يضاهي شموله، أو يقترب من دقّة حكمته، |
|
· وهنا إعلان لعجز الحضارة أمام نصّ واحد، بعد تقرير الرحمة والفضل، تأتي الآية الثالثة لتقيم ميدانًا عالميًا: الإنس كلهم، والجن كلهم، بكل مدارسهم الفلسفية والعلمية والأدبية، يقفون أمام تحدٍّ واحد: الإتيان بمثل هذا القرآن. هنا لا يتحدث النص عن بلاغةٍ مجردة، بل عن بناءٍ متكامل: عقيدة، وشريعة، وقيم، وحكاية الإنسان مع ربه، وتفسير الوجود والمصير. هذا التحدي ليس مشهدًا قديمًا مضى، بل وضعٌ مستمر، يظل قائمًا في كل عصر، وكلما تقدّمت أدوات البشر، ازداد وضوح عجزهم أمام نصٍّ واحد. وأن تراكم الدعم لا يُنتج “مثل هذا القرآن” لأن سرَّه ليس في الصناعة وحدها، بل في المصدر الذي يفيض به، وفي الحقيقة التي يحملها، وفي الحياة التي ينفخها داخل الإنسان. |
|
· وتثير الآية صورًا متخيلة لمؤتمر كوني عظيم: عباقرة البشر والجن، مدارس الفكر، مراكز الأبحاث، خزائن اللغات، جميعها تلتقي، وتحشد قدراتها سعياً إلى مضاهاة القرآن. ثم تُختَم الصورة بحقيقة نهائية: هذا الحشد الضخم لا ينتج كتابًا يماثل القرآن، ويتكوّن في وجدان المؤمن من خلال هذه الآية وعيٌّ حاد بحدود العقل الجماعي: قوة التعاون عظيمة في عمران الأرض، في الصناعة والطب والهندسة، لكنها تقف على العتبة الأولى ولا تتجاوزها عندما يتعلق الأمر بكلامٍ من عند الله. عند هذه النقطة يهدأ في القلب التعلّق بالمنتجات الفكرية البشرية بوصفها مراجع نهائية، ويعود القرآن إلى موقع "النص الأعلى" الذي تُوزن به سائر المناهج والرؤى. |
|
____________________________________ |
|
· ويظهر لي هذا الخيط الرابط بين الآيات الثلاث: من احتمال الفقد إلى يقين العجز إلى تثبيت القلب: إذا نُظر إلى الآيات مجتمعة ظهر خيط عجيب:الآية الأولى تضع الإنسان أمام احتمال خسارة الوحي، فيرتجف القلب حذرًا. والآية الثانية تذكّره بأن بقاء الوحي رحمة وفضل، فيمتلئ القلب شكرًا. والآية الثالثة تكشف عجز العالم كله عن تعويض هذا الوحي، فيلتزم القلب بهذا الكتاب التزامًا وجوديًا كاملًا. |
|
· تربي هذه الآيات في طالب العلم نوعًا من "الغيرة الإيمانية" على القرآن؛ غيرة تحرس العلاقة به من التشتت، وترسّخ في نفسه أنّ أعمدة هويته العلمية والفكرية ترتكز على هذا الكتاب قبل أي خطابٍ آخر. كما تُعلّمه أن قيمة العمر تُقاس بمقدار ما استثمره في فهم هذا الوحي ونشره، لا بمجرّد كثرة العناوين التي مرّت في يده. |
|
· وفي ما قبل هذه الآيات حديث متكرر عن القرآن: تذكير، شفاء، صرف للأمثال، وتعقيب على سؤال الروح. ثم تأتي هذه الآيات لتضيف بعدين جديدين: قابلية رفع الوحي، واستحالة مضاهاة الوحي. وبعدها يمضي السياق في سورة الإسراء ليعرض تصريف الأمثال في القرآن، واستكبار بعض الناس عن السجود عند سماعه، ثم مشاهد القيامة. هذا الترتيب يربط بين ثلاثة عوالم: عالم الوحي في ذاته، عالم استقبال الناس له في الدنيا، وعالم الجزاء في الآخرة. في قلب هذا البناء يقف المؤمن متأملًا: حظّه من القرآن اليوم هو الذي يرسم مآله غدًا، ويشكّل صورة قلبه في الحاضر. |
|
· وحين يقرأ المسلم هذه الآيات في زمن ضجيج الأفكار، يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس انتشار فكرة منحرفة، بل انحسار مركزية القرآن في قلبه؛ فذهاب الوحي في حق الفرد قد يبدأ قبل أن يُرفَع النص من المصحف، إذ يبتعد عن مركز القلب، ويتحوّل إلى مادة دينية محايدة، ويبدو لأول وهلة أنّ الآيات تنتقل انتقالًا سريعًا من التهديد بالذهاب بالوحي إلى تحدّي الإنس والجن. لكن عند التأمل يظهر تناسق بديع: إذا كان رفع القرآن ممكنًا بمشيئته، وكان الإتيان بمثله مستحيلاً على البشر، فإن النتيجة: أنّ ما لا يمكن تعويضه يجب حراسته، وأن أعظم ما في العالم هو الشيء الذي لو رفعه الله فلا بديل له. هذه الصياغة التربوية تُشعل في النفس حرارة التمسك، وتعيد تعريف الخسارة الكبرى: في فقدان الوحي. |
|
ومع هول هذا التصوّر حين نفترض غياب القرآن، يتقدّم إلى الوجدان مشهد أشدّ إيلامًا: القرآن حاضر في البيوت والجيوب، ونورُه قريب من الأبصار، بينما القلوب تنسحب إلى ظلالٍ بعيدة عنه؛ وهنا تتجلى الخسارة الكبرى: حين تكون المسافة بين العبد والوحي مسافة شعور، لا مسافة وصول، وأيّ خسارة أعظم من أن يبقى الكتاب حيًّا… وتبقى الروح ميّتة بحضوره؟ |
|
اللهم يا باعثَ المعاني في القلوب، ويا من جعلتَ كلامك حياةً للأرواح، ونظامًا للضمائر، ونورًا لا يخذل من أوى إليه؛ نسألك بفقـرنا إليك أن لا تحجب عنا قرآنك بحجاب الغفلة، ولا تصرفه عنا صرف الإعراض، ولا تجعل بيننا وبينه عادةً باردة، ولا ألفةً ميتة. اللهم إن كان بقاء القرآن رحمةً منك، فاجعلنا من أهل تلك الرحمة، وإن كان فهمه فضلًا، فاسقنا من فيضه، وإن كان القرب منه شرفًا، فلا تحرمنا هذا الشرف بزهو علم، ولا ببلادة قلب. واجعلنا ممن صحّت له الصحبة معه، فاستراح قلبه، واهتدى قصده، وسَلِم مصيره. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد، الذي أُنزل عليه القرآن رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه، والحمد لله الذي جعل في الوحي حياةً بعد موت، ونورًا بعد ظلمة، وطمأنينةً بعد قلق. |
|
____________________________________ |
|
المراجع |
|
· الرازي، فخر الدين (ت 606هـ)، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، 1420هـ، ج21، ص405. |
|
· النسفي، أبو البركات (ت 710هـ)، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار الكلم الطيب، بيروت، ط1، 1419هـ، ج2، ص275. |
|
· البقاعي، برهان الدين (ت 885هـ)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد – الهند، ط1، 1389–1404هـ، ج11، ص506. |
|
· الألوسي، شهاب الدين (ت 1270هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ، ج8، ص157. |
|
· السعدي، عبد الرحمن بن ناصر (ت 1376هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ، ج1، ص466. |
|
· ابن عاشور، محمد الطاهر (ت 1393هـ)، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م، ج15، ص201. |



التعليقات