|
|
|
تأتي هذه المقالة امتدادًا لأحد الأهداف الرئيسة للنشرة القانونية، وهو تعزيز عادة القراءة القانونية لدى طالب القانون، لا بوصفها نشاطًا معرفيًا عامًا فحسب، بل باعتبارها مدخلًا لتكوين الملكة القانونية وتنمية القدرة على الفهم والتحليل. فالقراءة القانونية المنتظمة تفتح أمام الطالب أبوابًا متعددة: تعرّفه على لغة النصوص، وتقرّبه من طريقة اشتغال القاعدة القانونية في الواقع، وتجعله أكثر قدرة على الربط بين ما يدرسه نظريًا وما يراه مطبقًا في الأحكام والقضايا. ومن هذا المنطلق، لا تكتفي هذه المقالة بالدعوة إلى القراءة، بل تحاول أن توجهها نحو مصدرين أساسيين في التكوين القانوني: النصوص النظامية والأحكام القضائية، مع التأكيد على أن القراءة النافعة هي القراءة الواعية التي تسأل، وتقارن، وتربط، وتراكم المعرفة مع الوقت.
|
|
|
|
|
النشرة القانونية | العدد الخامس | قراءة الأحكام القضائية والنصوص القانونية
|
|
|
لا
يمكن تصور طالب قانون أو قانوني لا يقرأ؛ فالقراءة تمثل جزءًا أصيلًا من العمل
القانوني، سواء كانت قراءة كتب، أو أنظمة ولوائح، أو مذكرات، أو أحكام قضائية. ومع
ذلك، فليست الغاية من هذا المقال الحديث عن أهمية القراءة في ذاتها، فقد سبق تناول
ذلك في مقالنا عن الكتابة
القانونية،
وإنما الحديث هنا عن نوع محدد من القراءة: قراءة القضايا والنصوص القانونية، وكيف
يمكن لطالب القانون أن يقرأ التشريعات والاحكام القضائية، ويستفيد منها في تكوين
لغته القانونية، وتطوير طريقة تفكيره، وفهم العلاقة بين النص والتطبيق.
|
|
|
أولًا: لماذا نقرأ نصوص القوانين والاحكام القضائية؟
|
|
|
تتجاوز
قراءة القضايا والنصوص القانونية مجرد معرفة الحكم أو الاطلاع على المادة
النظامية. فهي تدريب يومي على مهارات و وسيلة لاكتساب المعرفة القانونية يحتاجها
طالب القانون. فهي تدريب على فن
الصياغة واللغة القانونية، ومهارة التفكير القانوني.
|
|
|
أولاً: تعلم الصياغة واللغة القانونية
|
|
|
اللغة
القانونية لا تُكتسب من القواميس وحدها، بل من التعرّض المستمر للنصوص القانونية
والأحكام القضائية. فعند قراءة الأنظمة واللوائح، يتعرّف الطالب على طريقة بناء
القاعدة القانونية، وكيف تُصاغ الاحكام القانونية، والاستثناءات، والجزاءات،
والتعريفات. وعند قراءة الأحكام، يتعلّم كيف تُعرض الوقائع، وكيف تُبنى الأسباب،
وكيف تُربط النصوص بالنتائج.
|
|
|
وهذه
القراءة تساعد الطالب على اكتساب أسلوب ولغة قانونية صحيحة، وتراكيب دقيقة،
وعبارات مألوفة في الوسط القانوني. فالطالب الذي يقرأ الأحكام والأنظمة بانتظام
يصبح أكثر قدرة على التعبير القانوني المنضبط، وأقل ميلًا إلى اللغة العامة أو
الإنشائية.
|
|
|
ثانياَ: فهم طريقة التفكير القانوني
|
|
|
لا يقتصر القانون على حفظ النصوص، بل يقوم على
طريقة معينة في التفكير: تحديد الوقائع المنتجة، استخراج المسألة القانونية، البحث
عن القاعدة واجبة التطبيق. وهذه الطريقة تستلزم قراءة النص القانوني وتطبيقاته.
وتعد الاحكام القضائية وسيلة ناجعة لعرض
تطبيقات النصوص القانونية وكيف يتم ربطها بالوقائع والنزاعات القانونية. فالحكم القضائي يبيّن للطالب كيف تعامل القاضي
مع الوقائع، وما الذي اعتبره مؤثرًا أو غير مؤثر، وكيف فسّر وطبق النص، وكيف سبب
للنتيجة.
|
|
|
ثالثاً: القراءة كنافذة للمعرفة العملية.
|
|
|
تُعد
قراءة الأحكام القضائية والنصوص القانونية وسيلة أساسية لاكتساب المعرفة القانونية
العملية؛ لأنها تنقل طالب القانون من المعرفة النظرية العامة إلى معرفة أكثر
اتصالًا بواقع النص والنظرية وتطبيقاتها. فالنصوص القانونية تعرّف الطالب بمصادر
القاعدة القانونية، ونطاقها، وشروط تطبيقها، والآثار المترتبة عليها، بينما تكشف
الأحكام القضائية عن كيفية حضور هذه القواعد في النزاعات الواقعية. ومن خلال هذه
القراءة تتسع معرفة الطالب بالمجالات القانونية المختلفة، وتتكون لديه حصيلة
تراكمية من الأمثلة والتطبيقات التي تعينه على فهم القانون بوصفه نظامًا من
القواعد المتصلة بالواقع، لا مجرد نصوص مجردة للحفظ.
|
|
|
كيف نقرأ القضايا والنصوص القانونية؟
|
|
|
يمكن
تقسيم قراءة القضايا والنصوص القانونية إلى نوعين رئيسيين: قراءة حرة، وقراءة
منهجية. والمقصود بأسلوب القراءة هنا ليس مجرد طريقة النظر في النص، بل يشمل آلية
اختيار النصوص، والغرض من قراءتها، وكيفية التعامل معها.
|
|
|
أولا: القراءة الحرة
|
|
|
القراءة
الحرة هي القراءة التي لا ترتبط بهدف بحثي محدد. يقرأ الطالب حكمًا قضائيًا أو
نظامًا أو لائحة لمجرد الاطلاع وبناء عادة القراءة. وقد يختار النصوص بحسب ما يتاح
له، أو بحسب ما يلفت انتباهه، دون أن يكون لديه سؤال مسبق أو خطة واضحة.
|
|
|
ويعود
هذا النوع من القراءة على الطالب بشيء من الفائدة، خصوصًا للطالب الذي يريد
المحافظة على صلته المستمرة بالنصوص القانونية. فهي تساعد على تكوين الألفة مع
اللغة القانونية، وتوسيع المعرفة العامة، واكتشاف موضوعات جديدة لم يكن الطالب
منتبهًا إليها. فهي قراءة لا تتطلب التخطيط المسبق وانما هي قراءة يحرص فيها
القارئ على استدامة عادة القراءة بالدرجة الأولى، والاطلاع على اللغة والأسلوب القانوني.
|
|
|
لكن
يعيب هذا الأسلوب أنه "قد" لا يبني معرفة تراكمية واضحة؛ لأن القراءة
فيه متفرقة لا مترابطة، فهي لا تنتظم حول موضوع أو سؤال محدد. ولذلك تصلح القراءة
الحرة كبداية أو كعادة يومية خفيفة، لكنها لا تكفي وحدها لمن يريد بناء فهم عميق
في مجال معين.
|
|
|
ثانياً: القراءة المنهجية
|
|
|
أما
القراءة المنهجية فهي قراءة مرتبطة بغرض واضح. يختار الطالب النصوص لأنه يريد فهم
مسألة معينة، أو تتبع تطبيق قضائي محدد، أو دراسة مجال قانوني بعينه. فهي تمتاز عن
القراءة الحرة، بأنها تؤطر النصوص القانونية والاحكام القضائية بإطار موضوعي، يجعل
من قراءة النص القانوني والقضائي عملية مترابطة، ويضاف اليهما قراءة الكتب
والمراجع المتعلقة بالموضوع او الغرض الرئيسي للقراءة.
|
|
|
فقد
يقرأ الطالب، مثلًا، مجموعة من القضايا والأنظمة المتعلقة بالملكية الفكرية ليفهم
كيف تُحمى العلامات التجارية أو المصنفات الفكرية في الواقع العملي. وقد يقرأ
نصوصًا وأحكامًا للإجابة عن سؤال محدد، مثل: ما أثر الشرط الواقف في الالتزامات
العقدية؟ أو كيف يقدّر القضاء التعويض عن الإخلال بالعقد؟ أو ما حدود سلطة الجهة
الإدارية في عقود المقاولات؟
|
|
|
في
هذه الحالة لا تكون القراءة مجرد اطلاع، بل بحثًا مصغرًا. يبدأ الطالب بسؤال، ثم
يجمع النصوص والأحكام ذات الصلة، ثم يقارن بينها، ويستخرج الاتجاهات، ويلاحظ مواطن
الاتفاق والاختلاف، وينتهي إلى نتيجة أو إشكالية قابلة للمناقشة.
|
|
|
وهذا
النوع من القراءة هو الأكثر فائدة في بناء المعرفة القانونية؛ لأنه يربط النصوص
بعضها ببعض، ويجعل الطالب يقرأ بعين الباحث لا بعين المتلقي فقط. ولكن يعاب عليه
انهُ يتطلب من القارئ وقت أطول، ويجب ان يكون لديه غرض او موضوع محدد لكي يشرع في
القراءة.
|
|
|
ومن
المهم أن يلاحظ القارئ أن العلاقة بين القراءة الحرة والقراءة المنهجية علاقة
تكاملية؛ فالقراءة الحرة طريق إلى القراءة المنهجية. ويتضح ذلك من جهتين: الأولى
أنها تساعد القارئ على بناء عادة القراءة، وتخفف من رهبة التعامل مع النصوص
القانونية والأحكام القضائية، حتى تصبح القراءة جزءًا مألوفًا من تكوينه العلمي.
والثانية أنها تمثل مصدرًا مهمًا للتساؤلات واكتشاف الموضوعات التي يمكن أن تكون
محل قراءة أعمق وأكثر منهجية. فقد يمر القارئ، أثناء قراءته الحرة، على حكم قضائي
أو نص نظامي يثير لديه إشكالًا قانونيًا، أو يلفت نظره إلى مسألة لم يكن منتبهًا
إليها، فيدفعه ذلك إلى مزيد من البحث والتأمل وجمع النصوص والأحكام ذات الصلة. ومن
هنا تتحول القراءة الحرة من مجرد اطلاع عام إلى نقطة بداية لقراءة منهجية تقوم على
سؤال محدد وغرض واضح.
|
|
|
كيف نقرأ الأحكام القضائية والنصوص القانونية؟
|
|
|
لا تكفي
في قراءة الأحكام القضائية والنصوص القانونية القراءة العابرة التي تكتفي بمعرفة النتيجة
أو الاطلاع على الحكم العام، بل ينبغي أن تكون القراءة قراءةً نقدية واعية. وينطبق
ذلك سواء كانت القراءة منهجية ضمن دراسة منظمة، أو قراءة حرة يقوم بها الطالب من تلقاء
نفسه. والمقصود بذلك أن يقرأ الطالب النص أو الحكم وهو يسأل ويفكك ويربط، لا أن يتلقاه
بوصفه مادة جاهزة للحفظ.
|
|
|
فعند قراءة
الحكم القضائي، لا ينبغي أن يكون الغرض مجرد معرفة الحكم في الدعوى، بل فهم الطريقة
التي بُني بها الحكم: ما الوقائع المؤثرة؟ ما المسألة القانونية محل النزاع؟ ما النصوص
أو المبادئ التي استندت إليها المحكمة؟ كيف ربطت المحكمة بين الوقائع والقاعدة القانونية؟
وهل كان التسبيب كافيًا ومقنعًا؟ كما يمكن للطالب أن يتأمل ما إذا كانت المحكمة قد
أغفلت واقعة أو دفعًا مؤثرًا، وما أثر ذلك في النتيجة.
|
|
|
أما عند
قراءة النصوص القانونية، ويقصد بها هنا الأنظمة واللوائح والتشريعات، فيحسن بالطالب
أن يبدأ بالسؤال عن مصدر النص، ونطاق تطبيقه، والغاية منه، ثم يقرأ النظام (القانون)
ككل بحيث تعامل نصوصه على أنها مترابطة لا متفرقة. فكثير من الأحكام لا يتضح معناها
إلا بالنظر إلى ما قبلها وما بعدها، وبفهم الألفاظ التي استخدمها المنظم، مثل: “يجب”،
“يجوز”، “يحظر”، “يلتزم”، “استثناءً”، "ومع عدم الإخلال”. فهذه العبارات تحدد
معنى النص القانوني وحدوده وآثاره.
|
|
|
ومن المفيد
أن يستعين الطالب بمجموعة من الأسئلة أثناء القراءة؛ لأن السؤال يحوّل القراءة من مجرد
اطلاع إلى تحليل، سواء في القراءة المنهجية أو الحرة. فكلما سأل الطالب عن الوقائع،
والقاعدة، والسبب، والاستثناء، والأثر، والنتيجة، أصبحت قراءته أكثر عمقًا، وتحوّلت
النصوص والأحكام إلى مادة للتفكير القانوني لا مجرد نصوص للحفظ.
|
|
|
خاتمة
|
|
|
قراءة
القضايا والنصوص القانونية ليست نشاطًا إضافيًا لطالب القانون، بل هي جزء من
تكوينه العلمي والمهني. فمن خلالها يتعلم اللغة القانونية، ويفهم طريقة التفكير
القانوني، ويكتسب خيالًا تطبيقيًا يساعده على ربط المبادئ النظرية بالوقائع
العملية.
|
|
|
ومع
أن القراءة الحرة مفيدة في بناء العادة وتوسيع الاطلاع، فإن القراءة المنهجية هي
الأقدر على بناء معرفة تراكمية؛ لأنها تبدأ من سؤال، وتنتقي النصوص بحسب الغرض،
وتنتهي إلى فهم أو نتيجة أو إشكالية. لذلك، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله طالب
القانون هو أن يجعل قراءة الأحكام والأنظمة عادة مستمرة، وأن يقرأها لا بوصفها
نصوصًا للحفظ، بل بوصفها مادة للتفكير والتحليل والكتابة.
|
|
|
وفي
سبيل ذلك نوصي بمجموعة من المصادر المعرفية المساعدة للطلاب في قراءته للاحكام
القضائية والنصوص القانونية:
|
|
|
-
تحليل الحكم القضائي أحمد محمد آل عتيق البكري القرشي. (مكتبة جرير)
|
|
|
-
مسالك
تسبيب الأحكام القضائية(.(pdf
فريق تحرير النشرة القانونية.
|
|
التعليقات