النشرة القانونية | العدد الرابع | كيف يختصر الذكاء الاصطناعي سنوات من الخبرة القانونية؟ |
| 30 أبريل 2026 • بواسطة النشرة القانونية • #العدد 5 • عرض في المتصفح |
|
|
|
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية بعيدة عن القانون، بل يعتبر اليوم شريكًا فعليًا في مكاتب المحاماة وغرف القضاة ومكاتب الاستشارات القانونية حول العالم. فاليوم أمام طالب القانون - لا سيما في السعودية - فرصة نادرة لأن يتسلّح بهذه الأداة قبل دخوله سوق العمل أو أثناء ذلك، ليُميّز نفسه عن بقية الأقران، ويختصر سنوات من التعلّم. |
|
لا يزال البحث القانوني يستنزف جهد المحامي ووقته في التنقل بين المجلدات والمواقع ليبحث في الأنظمة واللوائح عن معلومة. بينما اليوم يستطيع أن يطلب من "الذكاء" تلخيص نظام معين، أو مقارنة حُكمين قضائيين، أو استخلاص المبادئ القانونية من مجموعة أحكام محدّدة – وذلك في دقائق معدودة! |
|
لكن هذا لن يكون – على الأقل بجودة مقبولة – إلا بفهم هندسة الأوامر (Prompt Engineering) جيدًا، فهي الأساس والمفتاح، وإن كانت جُزء من منظومة أشمل. |
|
أولاً: فن صياغة الأوامر القانونية (Legal Prompt Engineering) |
|
ينبغي أن تكون أوامرك -كمستخدم للذكاء- دقيقة ومهنية وليست "عائمة او فضفاضة"، وفق هذا التسلسل: |
|
1. تحديد الدور (Role): ابدأ أمرك بتعريف الذكاء بدوره، مثل أن تقول: "أنت الآن مستشار قانوني خبير في نظام العمل السعودي..." — فتحديد الدور يضبط إجابته ومستواها ومرجعيتها. |
|
2. سرد الوقائع (Context): اذكر له وقائع القضية أو المسألة بأكبر قدر ممكن من الوضوح، دون إغفال أي جانب ذا أهمية. مع ضرورة الحفاظ على خصوصية العملاء؛ لذا تجنّب إدراج أسمائهم أو بياناتهم الحقيقية، واستعض عنها بأسماء مستعارة أو صياغة مجرّدة من الأسماء. |
|
3. تحديد المخرجات (Output Format): حدّد ما تريده من الذكاء بدقة: مذكرة قانونية؟ جدول مقارنة بين نصّين قانونيْين؟ ملخص لقرار قضائي؟ قائمة بالمخاطر التعاقدية لعميلٍ ما؟ |
|
كلما كانت المطلوبات أوضح، كانت الإجابة أدق وأكثر قابلية للاستخدام مباشرة. |
|
4. التقييد بالمصادر (Grounding): اطلب من الذكاء الاصطناعي الاعتماد فقط على الأنظمة التي رفعتها إليه بصيغة PDF، وذلك لضمان أنه مقيّد بالمصادر التي تريدها، ولتقليل خطر "الهلوسة القانونية" — وهي تحصل عندما يقوم الذكاء بالاستدلال والاستشهاد بمواد أو أحكام وهمية لا وجود لها! |
|
ثانيًا: التحقق وكشف الهلوسة القانونية |
|
توظيفك للذكاء الاصطناعي لا يُعفيك من مسؤولية التدقيق؛ بل يصبح التحقق ركيزة أساسية في منهجيتك، وذلك بالاعتماد على هذين الأسلوبين: |
|
التدقيق العكسي (Reverse Fact-Checking): وذلك كلما ذكر "الذكاء" نصًا نظاميًا أو رقمًا لمادة معينة، افتح "المنصة الوطنية للأنظمة" أو "جريدة أم القرى" وطابق النص حرفيًا قبل استخدامه. |
|
رصد التناقضات: القيام بمقارنة إجابة "الذكاء" مع مَراجع موثوقة (كتب فقهية أو أحكام قضائية) لكشف مواطن الخطأ في استنتاجه. |
|
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي في البحث الأكاديمي |
|
تلخيص الدراسات السابقة واستخلاص الفجوة البحثية: كان طلبة الدراسات العليا في السابق يستغرقون الأيام لاستخلاص فجوة بحثية من مصادر متعددة. اليوم يمكن للباحث رفع عشرة أبحاث دفعةً واحدة، ثم يطلب من "الذكاء" استخلاص أبرز الفجوات البحثية التي يمكن تناولها — على أن تبقى مراجعة الباحث ضرورة لا تهاون فيها. |
|
المساعدة في هيكلة البحث (Outlining): يساعد الذكاء الاصطناعي الباحث على بناء خطة البحث انطلاقًا من عنوانه، وإبداء الملاحظات على الخطة الأولية، وتعديلها بما يتوافق مع المنهجية العلمية المختارة سواء أكانت تحليلية أو مقارنة أو وصفية. |
|
الصياغة الأكاديمية (Hedging): كذلك يُمكن للذكاء تحسين الصياغة الكتابية لمحتوى بحثك، وذلك بتحويل اللغة التقريرية الحادة التي قمتَ باستخدامها إلى لغة أكاديمية رصينة تستخدم عبارات "يبدو أن"، "من المحتمل"، أو "يرى الباحث" إلخ. وهذه العبارات هي ما يُسمى بعبارات التحوّط اللغوي وهي سمة جوهرية في الكتابة الأكاديمية الجادة. |
|
رابعًا: التطبيقات العملية لما بعد التخرج (للمحامين والمستشارين) |
|
تحليل العقود (Contract Analysis): يمكن للقانوني رفع عقد كامل وتكليف "الذكاء" باستخراج الثغرات التي قد تضر بالموكل، او استخراج ما يُسمى بـ "بنود المخاطرة" وهي تلك التي تسبّب اختلال في التوازن بالمراكز القانونية أو التي قد تُعرّض أحد أطراف التعاقد إلى تبعات مالية أو قانونية. كذلك يمكن تكليف الذكاء بمقارنة العقد المرفوع بنموذج عقد آخر متميّز في نفس المجال — مما يختصر وقت المراجعة الأولية بشكل ملحوظ. |
|
التكييف القانوني الأولي: يمكن تزويد الذكاء بوقائع قضية ما وطلب منه تكييفها قانونيًا — أي تحديد الأنظمة والمواد المنطبقة على وقائع القضية المعنيّة. |
|
وهذا بالتأكيد لا يُغني عن اجتهاد المحامي، لكنه يمنحه نقطة انطلاق متينة وأسرع، خاصةً في القضايا متشعبة الجوانب كالمنازعات التجارية أو العمالية. |
|
كتابة المذكرات (Drafting): يمكن توجيه الذكاء لصياغة مسودة أوّليّة لمذكرة دفاع أو طعن أو مذكرة جوابية، بناءً على الوقائع والمستندات التي تقوم بتزويد الذكاء بها — على أن يتولى المحامي بالطبع مراجعتها وتنقيحها وتكييفها وفق رؤيته المهنية قبل تقديمها للقضاء. |
|
خامسًا: أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والمسؤولية المهنية |
|
أخيرًا لا يعني توظيفك للذكاء الاصطناعي إسقاط المسؤولية المهنية عنك! بل ثمة ضوابط جوهرية ينبغي لكَ استحضارها دائمًا، منها: |
|
الأمان والخصوصية: عدم رفع وثائق قضائية حساسة أو بيانات شخصية للعملاء في النماذج العامة. |
|
تجنّب رفع وثائق قضائية حسّاسة أو بيانات شخصية لعملائك في نماذج الذكاء الاصطناعي العامة، إذ تظل المحادثات مسجّلة وقابلة للاطلاع، مما يُعرّض خصوصية موكلك وسمعتك المهنية للخطر. والبديل العملي هو عرض الإشكالية القانونية مجرّدةً من الأسماء والبيانات الخاصة — فتستفيد من الذكاء دون أن تُفصح عن شيء. |
|
خاتمة |
|
تذكّر أن تعامل الذكاء كمُساعد قانوني بحاجة للتوجيه والمُراجعة، فهو لن يحل محل المحامي الذكي، لكنه حتمًا سيحل محل المحامي الذي يرفض استخدامه. ابدأ اليوم، وستجد أنك تتعلم أسرع، وتنتج أجود، وتفكر أعمق. |
|
د. عمر الرحيلي |


التعليقات