النشرة القانونية | العدد الأول | الكتابة القانونية |
| 25 يناير 2026 • بواسطة النشرة القانونية • #العدد 2 • عرض في المتصفح |
|
لتصلك النشرات الإلحاقية والنشرات القادمة، لا تنسى الاشتراك
|
|
|
|
الكتابة القانونية |
|
لا يقوم العمل القانوني في جوهره على معرفة النصوص فحسب، بل على القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى نصوص مكتوبة واضحة ومنطقية. فالكتابة هي الوسيلة الرئيسية لإيصال أفكار القانوني أو مطالبه. حيث تُصاغ بها المطالبات، وتُبنى بها الدفوع، وتُحرَّر بها العقود، ويستعرض القانوني الوقائع المنتجة. لذلك تُعد الكتابة القانونية مهارة تأسيسية لا تقل شأنًا عن مهارة البحث القانوني أو التحليل. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في مساعدة طالب القانون على فهم خصائص الكتابة القانونية وتنمية هذه المهارة من خلال تقديم بعض الوسائل المعينة على ذلك. |
|
ولكن قبل استعراض خصائص الكتابة القانونية الجيدة، يجب أن ننوه إلى أن للكتابة القانونية صورًا متعددة تبعًا للغرض والسياق الذي تُكتب فيه؛ فيجب على طالب القانون أن يعي أن هناك مهارات وخصائص تخص نوعاً من أنواع الكتابة دوناً عن الأخرى. ومع اختلاف صور الكتابة القانونية في البناء والأسلوب ودرجة التفصيل، فإنها تشترك—في نهاية المطاف—في سماتٍ جوهرية تُميز الكتابة القانونية عن غيرها، ونكتفي هنا باستعراض الخصائص العامة للكتابة القانونية الجيدة. ومن ثم استعراض بعض الوسائل والاقتراحات التي تمكن طالب القانون من تطوير وتنمية هذه المهارة. |
|
1. خصائص الكتابة القانونية |
|
إن الكتابة القانونية في أصلها عبارة عن عملية تفكير منظم ومنطقي محكومة بغرض وظيفي، ينتج عن ذلك مجموعة من الخصائص التي تميز الكتابة القانونية عن الكتابة الأدبية، مثل الوضوح، الإيجاز، والأهم أنها كتابة منطقية مدعمة بالأسباب والحجج القانونية. |
|
أولاً: الوضوح والمباشرة. |
|
الكتابة الجيدة تمتاز بوضوح أفكار الكاتب، وهذا الأمر يستدعي التزام الكاتب باستخدام ألفاظ ذات دلالات حاسمة بما يضمن عدم انصراف القارئ إلى معنى غير المعنى المراد. والوضوح يعتمد كذلك على طبيعة القارئ ومدى إلمامه بالتفاصيل، فلذلك يجب عند كتابة أي نص قانوني مراعاة الجمهور أو القارئ، فالنص الذي يكتب إلى قاضي محكمة لا يستدعي شرح البديهيات القانونية، وإنما يكتفى بالإشارة إليها وإلى آثارها في الدعوى، أما كتابة الأبحاث القانونية الأكاديمية تسترعي مزيداً من الإيضاح والتفصيل. |
|
ثانياً: الإيجاز الابتعاد عن الإطالة. |
|
تمتاز الكتابة القانونية بكونها تقوم على الإيجاز والبعد عن الإطناب، أي أن الإطالة دون مبرر، أو الإطالة التي لا تضيف جديداً، إنما هي حشو لا معنى له، وقد ينتج عنها انصراف القارئ إلى معنى آخر، مما يؤثر في وضوح الفكرة. لذلك يتوجب على القانوني عند الكتابة تجنب العبارات الطويلة التي لا تحمل معنى قانونياً، وتجنب شرح ما شُرِح أو توضيح الواضحات. |
|
ثالثاً: كتابة منطقية مدعمة بالأسباب. |
|
الكتابة القانونية كتابة منطقية مدعمة بالأسباب والحجج، فتجب مراعاة أن يكون تسلسل الأفكار منطقيًا بحيث يُراعى فيه بداية توضيح الإشكالية او المسألة القانونية محل النقاش، ثم استعراض الوقائع بتسلسل منطقي، قبل أن يبدأ الكاتب في عرض رأيه. والرأي القانوني يجب أن يكون مشفوعًا بالأسباب التي بني عليها، وأن يكون عرض الأسباب واضحًا ويتسق مع نصوص القانون. وهناك عدة طرق يمكن من خلالها ترتيب النص القانوني، ولكل طريقة مزاياها وعيوبها، ولكن من المهم أن يلم الكاتب القانوني بعدة قوالب، لتتناسب مع الغرض من الكتابة. |
|
ويجب ان يعي الكاتب أنها كتابةٌ وظيفية؛ غايتها تحقيق أثرٍ محدد لدى القارئ، كإقناع القاضي، أو بيان حكم النظام، أو نقد النصوص تمهيدًا لتعديلها. لذلك يقوم معيار جودتها على الوضوح والاختصار وتسبيب الرأي؛ إذ لا قيمة لكتابةٍ غامضة أو خالية من الأسباب والحجج، كما أن الإطالة تُضعف أثرها وتصرف القارئ عن جوهر المسألة. |
|
2. اكتساب وتطوير مهارة الكتابة القانونية |
|
بعد استعراض أبرز خصائص الكتابة القانونية الجيدة، يبقى السؤال الأهم: كيف يكتسب طالب القانون هذه المهارة ويطوّرها؟ فالكتابة ليست موهبةً طارئة، بل ملكة تُبنى بالتدريب المنتظم وفق منهج واضح، وتزداد نضجًا بقدر ما يواجه الكاتب من مسائل وما يجريه من تحرير ومراجعة. ومن ثمّ ستكون نقطة البدء هي ترسيخ عادةٍ مستمرة تجمع بين القراءة القانونية الهادفة والكتابة مع التحرير والتنقيح، ثم نختم بمصادر مختارة تعين الطالب على صقل أسلوبه وتوسيع أدواته. |
|
الكتابة الرصينة، وليدة قراءة رصينة، فالكاتب يستمد مفرداته وتراكيبه اللغوية من خلال ما يقرأ، لذلك يتوجب على طالب القانون بناء عادة منتظمة تجمع بين القراءة والكتابة، يحرص فيها على انتقاء مصادر قراءة ذات صياغة وأسلوب يتناسب مع الكتابة القانونية، فالقراءة هنا لا تهدف فقط إلى بناء حصيلة معرفية، وإنما تنطوي على غرض رئيسي يتمثل في بناء حصيلة لغوية تعين الطالب على الكتابة. |
|
توصي الدراسات بمراعاة الطالب لتناسب حجم الجهد والوقت المبذول في بناء عادة منتظمة مثل القراءة والكتابة مع قدراته وظروفه، فالهدف ليس الكتابة والقراءة بشكل يومي، وإنما يكفي الطالب القدر الذي يتناسب مع قدراته مع مراعاة الالتزام والانضباط. |
|
بداية، تعتبر أدلة الكتابة والتحرير اللغوي وسيلة ناجعة للكاتب المبتدئ ولا سيما طالب القانون، فهي توفر إطارًا منهجيًا لصياغة الوثائق والخطابات الرسمية وغير الرسمية، وتتضمن في العادة نماذج عملية وضوابط تيسر على الطالب تعلم صياغة الخطابات الرسمية والاهم الإلمام بالضوابط اللغوية. في نشرتنا هذه نوصي بقراءة الأدلة بشكل عام، ونرشح لقرائنا دليل الكتابة الإدارية، إصدار مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، ودليل التحرير العربي، لـأرامكو السعودية. وهذه الترشيحات على سبيل المثال لا الحصر. |
|
ثانياً، تعد قراءة الأحكام القضائية والاطلاع على الأنظمة واللوائح، وسيلة فعالة لاكتساب مهارات التحليل القانوني وبناء حصيلة لغوية ومعرفية لطالب القانون، تساعده على تعلم وتوظيف المفردات والتراكيب اللغوية القانونية بشكل صحيح. ويمكن الوصول إلى الأنظمة واللوائح من خلال زيارة موقع المركز الوطني للوثائق والمحفوظات، وفيما يخص الأحكام القضائية يمكن للطالب تصفح الأحكام المنشورة على موقع وزارة العدل أو زيارة موقع ديوان المظالم. |
|
ثالثاً، الاطلاع على النشرات والدوريات القانونية الرصينة مثل سعوديلوز وهي نشرة نصف شهرية تعنى بتلخيص المقالات والأطروحات القانونية المتعلقة بالقانون السعودي إلى اللغة العربية. ومتابعة إصدارات مشروع أفق التي تتضمن إنتاج معرفي يعرض مقالات وتحليل لأحكام قضائية. وكذلك الاطلاع على البحوث والمنشورات الصادرة عن جمعيات علمية مثل جمعية قضاء. |
|
خاتمة |
|
إن الكتابة القانونية ليست مهارةً تكميلية، بل هي الوعاء الذي تظهر فيه قيمة البحث والتحليل، وبقدر ما يكون هذا الوعاء واضحًا وموجزًا ومُسبَّبًا تكون حجة القانوني أمتن وأثره أبلغ. وإذا كانت صور الكتابة القانونية تتعدد بتعدد أغراضها وسياقاتها، فإن القاسم المشترك بينها هو الانضباط المنهجي: ألفاظ دقيقة لا تحتمل اللبس، فكرة مباشرة بلا حشو، وتسبيب منطقي يربط الوقائع بالنصوص والنتائج. ومن هنا فإن الطريق إلى إتقانها يبدأ بخطوات صغيرة، ولكن ثابتة: قراءة قانونية واعية، وكتابة منتظمة. ومع الاستفادة من الأدلة المتخصصة، وقراءة الأحكام والأنظمة، ومتابعة الدوريات الرصينة، تتكوّن لدى الطالب ملَكة الكتابة التي يحتاجها في دراسته وممارسته. |
|
د. فارس المالكي. |

التعليقات