النشرة القانونية | العدد الثالث | أنماط التفكير القانوني

1 أبريل 2026 بواسطة النشرة القانونية #العدد 4 عرض في المتصفح

أنماط التفكير القانوني: التفكير الوصفي و التفكير المعياري

مقدمة

تُعدُّ مهاراتُ التفكير من أهمِّ الأدوات التي يحتاج إليها طالبُ القانون؛ إذ لا تقوم الدراسةُ القانونية على حفظ النصوص فحسب، بل على القدرة على فهمها، وتحليلها، والتمييز بين دلالاتها، وبناء الموقف العلمي منها. لذلك يستهدف هذا المقال تبيين الفرق بين مستوى التفكير والتحليل القانوني الوصفي والمعياري. وهذه التفرقة مهمة لطلبة القانون ودارسيه؛ لأنها تساعدهم على إدراك أن التعاطي مع القانون متعدد الجوانب؛ فبينما يبحث دارس القانون في أحكام القانون بغية فهم أحكامه وآثاره النظامية، فإنه يبحث كذلك في مدى اتساق القانون مع القيم المعيارية، وهو ما يعني نقد النصوص والتطبيقات القانونية. وبعبارة أخرى، فقد يكون المقصود من دراسة القانون بيان ما هو كائن واقعًا في النظام القانوني، وقد يكون المقصود، على العكس من ذلك، تقويم هذا الواقع والحكم عليه من خلال بيان ما يجب أن يكون عليه الحال. ومن ثم، فإن التعرف على أنماط التفكير القانوني يعد أمرًا لازمًا لطالب القانون؛ لأنه يرشده إلى التمييز بين مقام وصف القانون كما هو قائم ومقام تقويمه والحكم عليه، وهو ما يتناوله هذا المقال من خلال عرض التفكير القانوني الوصفي والمعياري وبيان الفروق بينهما.

أولًا: التفكير القانوني الوصفي

يُقصد بالتفكير القانوني الوصفي ذلك النمط من التفكير الذي ينصرف إلى وصف القانون كما هو كائن، من غير أن ينشغل بتقويمه أو نقده. فمحور هذا التفكير هو البحث في الأحكام القانونية وآثارها من خلال استقراء النصوص والتطبيقات القانونية. فالباحث أو الدارس للقانون، وفقًا لهذا المنظور، يسعى إلى فهم مراد المشرع من خلال قراءة النصوص وتتبع التطبيق القضائي، من دون أن يدخل في تقييم مدى اتساق القانون مع أي مرجعية معيارية، مثل توافق أحكام القانون مع أحكام الشريعة الإسلامية، أو اتساق التطبيق القضائي مع مضمون النص القانوني. أما وظيفته الأساسية فهي بناء فهم منظم للواقع القانوني، وتمكين الباحث أو الطالب من توصيف المسألة القانونية توصيفًا صحيحًا لأغراض تتعلق بتقديم الاستشارات القانونية، ولكونها مرحلة أولية تسبق عملية نقد القانون في العمل البحثي؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ثانيًا: التفكير القانوني المعياري

أما التفكير القانوني المعياري، فهو ذلك النمط الذي لا يكتفي بوصف القانون كما هو، بل يتجه إلى بحث ما ينبغي أن يكون عليه القانون، أو يبحث في القيم التي ينبغي أن تحكم صناعة القاعدة القانونية وتطبيقها. فهو يبحث في كيف يجب أن يكون القانون؛ فالمسألة هنا ليست مجرد التعرف على النصوص القانونية المتعلقة بوقائع قانونية، بل تقويم هذه النصوص ووزنها في ضوء مرجعية معيارية. ولهذا عرّفت بعض الأدبيات “التفكير القانوني المعياري” بأنه المعني بالأسئلة العامة المتعلقة بالقيم والقانون، والعلاقة بين القانون والأخلاق، كما عرّفت بعض الأعمال الحديثة هذا اللون من البحث بأنه بحث يهدف إلى نقد القانون القائم واقتراح إصلاحه على أساس قيم ومعايير محددة. وتبرز أهمية التفكير المعياري في أنه يخرج طالب القانون من مجرد التلقي إلى مستوى الفهم النقدي.

ثالثًا:  التفريق بين التفكير المعياري والوصفي

يتضح جليًّا مما ذُكر أعلاه أن الفرق بين التفكير الوصفي والتفكير المعياري يتمثل في أن التفكير الوصفي يبحث في ماهية القانون وفيما هو كائن، بخلاف التفكير المعياري الذي يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه القانون، من خلال فحص مدى اتساق النصوص والتطبيقات القانونية مع القيم القانونية. فعلى سبيل المثال، بينما يبحث المستوى الوصفي في أحكام استقالة العامل في العقد محدد المدة والآثار النظامية المترتبة عليها، فإن المستوى المعياري يبحث في مدى كفاية النصوص الحالية لحماية حق العامل في الاستقالة وإنهاء العقد، بالمقارنة مع المعايير الدولية أو الممارسات العالمية، ويتيح للباحث نقد نصوص النظام بقصد تقويمها. ويبحث المستوى الوصفي، كذلك، في التطبيقات القضائية المتعلقة بواقعة الاستقالة، بينما يسعى التفكير المعياري إلى بيان مدى تطابق التطبيقات القضائية مع النص.

رابعًا: أهمية التفرقة بينهما 

وتظهر أهمية التمييز بين المستويين الوصفي والمعياري في تنمية القدرة النقدية لدى طالب القانون؛ إذ يعينه هذا التمييز على ألّا يتعامل مع التطبيقات القضائية، على سبيل المثال، بوصفها حجةً على النص أو بديلًا عنه، لمجرد شيوعها أو استقرار العمل عليها. فالمستوى الوصفي يمكّنه من رصد ما استقر عليه القضاء فعلًا، وبيان اتجاهاته وأساسه التفسيري، في حين يتيح له المستوى المعياري أن يتجاوز مجرد النقل والوصف إلى مساءلة هذه التطبيقات، من خلال فحص مدى اتساقها مع النص النظامي ومقصده وحدوده. وبهذا لا يقع الطالب في الخلط بين ما جرى عليه العمل وما يوجبه القانون، بل يدرك أن التطبيق القضائي، مهما بلغت أهميته لفهم الواقع فهمًا وصفيًّا، يظل محلًّا للفحص والنقد المعياري، وقد يكون موافقًا للنص، أو مجاوزًا له، أو مقيِّدًا لدلالته على نحو يستوجب المراجعة. ومن ثم، يسهم هذا التمييز في بناء ملكة قانونية ناقدة، تجعل الطالب أقدر على قراءة الأحكام القضائية قراءةً واعيةً لا تقف عند وصفها، بل تمتد إلى تقويمها ووزنها في ضوء النصوص القانونية الحاكمة.

خاتمة: خلاصة الأمر أن التفكير القانوني الوصفي والتفكير القانوني المعياري يمثلان مستويين متكاملين في دراسة القانون. فالأول يمد طالب القانون بأدوات الفهم والتحديد والوصف المنهجي للقانون كما هو كائن، والثاني يمده بأدوات النقد والتقويم والتفكير في القانون كما ينبغي أن يكون. والتمييز بينهما يحقق للطالب قدرًا أكبر من الانضباط الذهني، ويجعله أقدر على التعامل مع النصوص والوقائع والأحكام بوعي منهجي واضح؛ فيعرف متى يصف، ومتى يكتب النقد، ومتى ينتقل من أحد المستويين إلى الآخر انتقالًا صحيحًا.

د. فارس المالكي

نشرة النشرة القانونية البريدية

نشرة النشرة القانونية البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة النشرة القانونية البريدية