|
|
|
أهلاً بكم في عدد جديد من نشرة القِرطاس والقلم 🖋️🧾في عدد اليوم نرجع بالزمن إلى نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحادي والعشرين، حيث كانت الأجهزة المحمولة أكثر تخصصاً وجاذبية، ثم نعود إلى الحاضر لمناقشة جدوى إشراك الموظفين في صناعة المحتوى التسويقي للشركة والأخلاقيات والإشكالات المرتبطة بذلك.
|
|
|
|
|
|
"جهاز واحد لكل مهمة" هو اتجاه جديد يُروج له اليوم انطلاقاً من عدة إيجابيات مفترضة، أولها أن ما كان يسوق له في الهواتف والأجهزة "الذكية" على أنها أجهزة "متعددة المهمات" بدا واضحاً أنه لعنة أحياناً لا نعمة، وذلك عندما بدأت التطبيقات تتنافس لكسب اهتمامك.
|
|
|
لنفترض مثلاً أنك أمسكت بجوالك لتتفقد بريدك الإلكتروني، لكن إشعاراً بطلب صداقة انبثق فجأة من تطبيق فيسبوك، فضغطت عليه وبقيت تتصفح، تبع ذلك إشعار آخر من انستغرام، وعشر دقائق أخرى من الفيديوهات القصيرة والإعلانات، حتى نسيت الغرض الذي أمسكت جوالك من أجله.
|
|
|
لكن عندما تخصص جهازاً للقراءة وآخر للكتابة وثالثاً للألعاب ورابعاً للتصوير، فمن المفترض أنك ستخصص وقتاً لكل مهمة أو نشاط تمارسه، وتتمكن من إبطاء وتيرة الحياة الاستهلاكية المعاصرة. خصوصاً إذا لم تكن مضطراً للاتصال بالإنترنت من تلك الأجهزة بشكل دائم.
|
|
بعض من مقاطع يوتيوب الرائجة حول الموضوع. من الجدير بالذكر أن إحدى إيجابيات العودة للتكنولوجيا الكلاسيكية هي كسر احتكار شركات التكنولوجيا للوسائط اليوم وعدم بيعها في نسخ ملموسة، مثل أقراص الموسيقا والألعاب
|
|
|
ربما شككت مثلي بوجود تناقض هنا، فهذا التوجه يدعوني لشراء المزيد من الأجهزة، وبالتالي استهلاكية أكثر. لكن هذه التقليعة استطاعت كسب تعاطفي من جهة أخرى، هي "النوستالجيا". فالأجهزة المقترحة لتفعيل نمط الحياة هذا تُعد "كلاسيكيات" متميزة، بدعوى أنهم "لم يعودوا يصنعون الأجهزة كما في السابق" سواءً من حيث التصميم أو الأداء.
|
|
|
هذا الادعاء أضاف طبعة من الدفء والحميمية إلى فكرة تخصيص الأجهزة، التي من الواضح أنها تستهدف بشكل أساسي مواليد التسعينيات، الذين يعاني قسم كبير منهم اليوم من التشتت والاحتراق الذهني، وربما حنيناً إلى طفولة خالية من الهموم، كما أصبح لديهم ما يكفي من المال لاتخاذ قرارات شرائية جريئة!
|
|
|
وهكذا انضممت أخيراً للنادي في نهاية العام الماضي بجهازين مخصصين: جهاز قراءة بالحبر الإلكتروني من نوع "كيندل" وجهاز ألعاب محمول من سوني (PS Vita).
|
|
صورة تقريبية بالذكاء الاصطناعي للجهازين
|
|
|
حالياً، أنا في مرحلة اختبار لمعرفة إن كان تخصيص جهاز واحد لكل مهمة نافعاً حقاً في محاربة التشتت وتنظيم الوقت، أو أنه مجرد لعبة تجارية تقنع المستهلكين بأنهم رائعون ومختلفون عن أقرانهم. وقد أوافيكم بتقييمي النهائي في وقت ما خلال هذا العام.
|
|
|
لكن لنعد الآن إلى عوالم "الأجهزة الذكية"، لأحكي لكم حادثة وقعت معي بعد شراء جوالي.
|
|
|
مثلما يليق بكل عملية شراء كبيرة، أجريت بحوثي واخترت طرازاً معيناً من أحد أفضل سلاسل المتاجر في المدينة، دخلت فرعاً من فروعهم واستقبلني موظف خلوق للغاية، شرح لي بعض النقاط حول الجهاز، وسددت الثمن لدى موظفة لطيفة وصبورة.
|
|
|
بعد أيام، صادفت منشوراً فيديو للشركة نفسها على فيسبوك، يظهر فيه الموظفان، يمسكان بهاتف جديد ويتمايلان على صوت رائج، أو "ترند" يُفترض به أن يكون مضحكاً. وهنا شعرت بانزعاج غامض، فسلوك الموظفَين وشخصياتهما كما بدت لي من خلال التعامل الشخصي، مختلفة بل ومتناقضة عما يظهره الفيديو الذي يحاول أن يكون ظريفاً.
|
|
|
وزاد في الطنبور نغماً أن التعليقات على الفيديو كانت في أغلبها سلبية، تستنكر هذا المحتوى، وهذا يعني أن الفيديو حقق نتيجة عكسية، فشوَّه العلامة التجارية بدلاً من الترويج لها.
|
|
|
لكن ما شغلني وقتها ليس تحليل الظاهرة تسويقياً، وإنما إنسانياً: فهل صوَّر الموظفان هذا الفيديو بالرضا أم بالإجبار؟ وهل يعدان مسؤولين عن النتيجة السلبية أم أنها مسؤولية الشركة أم فريق التسويق فيها (إن وُجد)؟
|
|
|
لكن كل هذه التساؤلات مرت خلال ثوانٍ ونسيت الحادثة، إلى أن قررت شراء كوب قهوة من أحد فروع علامة تجارية محلية مشهورة في مدينتي، قررت مؤخراً اتباع أسلوب تسويق يعتمد على الفيديوهات "المضحكة" التي يكون أبطالها موظفو المتجر.
|
|
|
قوبلت تلك الاستراتيجية بالترحاب من الجمهور، وأصبح عديد من الموظفين الرئيسيين "أبطال" الحياة اليومية للشركة وأحدث الترندات.
|
|
|
كل ما سبق مقبول ولا مشكلة فيه. أو هذا ما كنت أحاول إقناع نفسي به، إلى أن أتى اليوم الذي مررت به من إحدى فروعهم في صباح بارد، ووقفت أمام قائمة المشروبات محتارة، وعرض الموظفان المناوبان مساعدتهما، فطلبت توصية بمشروب يكون ساخناً ومنبِّهاً.
|
|
|
وهنا كانت الكارثة، اقترح أحدهما نوعاً، لكن زميله اقترح نوعاً آخر، ثم صارا يتشاجران حول أيهما أفضل، بأسلوب كوميدي يحاكي فيديوهاتهم التسويقية. مع أن الموظفَين لم يكونا ضمن "نجوم" الفيديوهات، لكنهما "تشربا" أسلوب الكوميديا السمج الذي تتبعه.
|
|
|
حملت قهوتي وابتعدت عازمة ألا أشتري منهم مجدداً، لكن عندما شاركت صديقتي سبب انزعاجي، عاتبتني قائلة بأني "جدية أكثر من اللازم" ولهذا لزمت الصمت، مجدداً.
|
|
|
لمناقشة هذه المسألة بعمق وموضوعية، كنت بحاجة لرأي أشخاص "من الداخل"، موظفين يعملون ضمن بيئة تطلب منه المشاركة في صناعة المحتوى الترويجي للشركة. فقد عملتُ ضمن مكاتب ومعاهد تدريسية فيما مضى، لكن ظروفاً عديدة جعلتني اختار العمل عن بعد في السنوات الأخيرة.
|
|
|
وقد صارحتني أختي منذ مدة بأن أحد أسباب استقالتها من شركة برمجة مشهورة كان "فريق المحتوى" فيها، فقد كانوا -وفقاً لها- يشتتون الموظفين عن مهماتهم الأساسية ويقاطعون أعمالهم لتصوير فيديو ظريف أو "تريند". وعندما تصفحتُ فيديوهات الشركة وجدت أن المتفاعلين معها هم الموظفون أنفسهم أو أصدقائهم، أي أننا لم نخرج عن الدائرة الاجتماعية للشركة نفسها.
|
|
|
لنفترض أن الهدف من الفيديوهات كان إيصال فكرة "أن هذه الشركة تقدم بيئة عمل إيجابية ومرحة لموظفيها" فما الذي سوف يستفيده العميل المحتمل من هذه المعلومة؟ فهو -بصراحة- لا يريد سوى النتيجة النهائية، ولا يهمه حقاً إن كنت تجلد موظفيك بالسوط أو تدعوهم لغداء فاخر في المناسبات السنوية.
|
|
|
لكن حتى رأي أختي قد لا يكون موضوعياً بما يكفي، قد نكون كلتانا "جديتين" أكثر من اللازم، لهذا رجعت إلى المكان الذي توجد فيه كل أجوبة كل الأسئلة: الإنترنت! وبعد بحث طويل (باللغة الانجليزية) وجدت أن المحتوى الذي يناقش هذه المسألة منقسم إلى قسمين:
|
|
- الأول عبارة عن طرح الموظفين أنفسهم للمشكلة ومناقشتهم لها في مجتمعات مثل Reddit و Quora.
|
|
- والقسم الآخر هو عبارة عن محتوى يتوجه للمدراء لحل مشاكل من قبيل "لماذا لا يشارك موظفوك محتوى الشركة لديهم؟" أو كيف تشجعهم على ذلك، مع تركيز خاص على منصة لينكد إن. لكنه لا يلتفت للمحتوى الذي يظهر فيه الموظفون شخصياً ولا الأبعاد الإنسانية لذلك.
|
|
|
ولم أستطع أن أجد محتوى وافياً باللغة العربية يناقش هذه المسألة. كما لاحظت أن كل دولة تسن قوانينيها حول هذه المواضيع. في حين لا تلتفت إليها دول أخرى إطلاقاً، تاركة الموظفين تحت رحمة أرباب العمل ومزاجهم.
|
|
|
فإذا كنت متوجساً حول استغلال ظهورك ضمن محتوى لا يعبر عنك ولا يُحتسب ضمن مهماتك في الشركة، فالتصرف النموذجي برأيي هو الاتفاق المسبق مع مديرك عند توقيع العقد، وتحديد المسؤوليات والحقوق منذ البداية.
|
|
|
شكراً لاستمرارك بالقراة حتى هنا. وإذا كنت تعتقد -مثل صديقتي- أنني أبالغ في الجدية، أرجوك أن تشاركني وجهة نظرك أو تجربتك حول الموضوع، وتوقعاتك المستقبلية حول إشراك الموظفين في صناعة المحتوى.
|
|
|
شخصياً، أفكر بأن استبدل بجوالي جوال نوكيا، وآخذ استراحة من فوضى المنصات وكل ما له صلة بـ"التريندات" وإشكاليات صناعة المحتوى اليوم. خصوصاً بعد أن عادت الإعلانات الممولة إلى المنصات في سوريا، وصرت أرى كوارث متنوعة فيها، لكن هذه قصة نتركها لعدد آخر.
|
|
|
وحتى ذلك الحين، أرجو أن تكونوا بخير.
|
|
|
بسمة أطرش
|
|
|
حلب، سوريا
|
|
التعليقات