كيف يتظاهرُ الذكاءُ الاصطناعيُّ بالرحمة وهو يُقلِّص أرزاق البشر |
30 يوليو 2025 • بواسطة د. فادي عمروش • #العدد 134 • عرض في المتصفح |
حين يُقال إن الذكاء الاصطناعي «لن يحلَّ محل المنقذين» أو «لن يقضي على الإبداع»، فذلك يشبه طمأنة الركّاب بأنَّ قارب النجاة ما يزال في مكانه بينما يتسرَّب الماء إلى العنابر السفلية
|
|
في صباحٍ يوم تموزي خانقٍ على طرف مسبحٍ جميلٍ في حلب، جلس خالد—طالبُ جامعي يعمل منقذَ سباحة موسميًّا—يحصي الأشخاص في المسبح. مشهدٌ بسيطٌ لكنَّه يُذكِّرنا بأنَّ ثمَّة مهنٍ ما تزال عصيَّةً على الذكاء الاصطناعي فمهما ارتفعت قيمة أنظمة كشف حوادث الغرق بالذكاء الاصطناعي إلى نحو ـ 2.5 مليار دولار عام 2024، لكنَّها لا تُغني عن وجود من يقفز لإنقاذ الغريق عند الخطر. غير أنَّ هذا الانتصار لا يداوي ألم الواقع الاقتصادي، فالسوق ضيِّق أصلًا ولا تُشيَّد المسابح كلّ يوم لتتّسع لوافدين جدد.. |
أنقلْ المشهد الآن إلى مكتبٍ تُضيئه شاشات عالية الدقَّة حيث تعمل نورا، خرِّيجة كُلية الفنون والمختصَّة في التصميم الغرافيكي والتي تطالع إحصائية تقول إنَّ الولايات المتَّحدة تحتضن 267 ألف مصمِّم غرافيكي، في حين قُدَّر حجم سوق التصميم العالمي بنحو 55.1 مليار دولار هذا العام! لكن وفق تقرير «مستقبل الوظائف 2025» جاءت تلك ضمن أسرع المهن تراجعًا، كما حذَر التقرير من تهديدٍ مباشر بفعل الذكاء الاصطناعي كما أفادت به مجلة Design Week. |
وإذا عدنا إلى لغة الأرقام، نجد أنَّ استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الشركات الصغيرة قد ارتفع من 39% في عام 2024 إلى 55% في عام 2025، ما يعني أنَّ مئات الدولارات التي كانت تُدفع للمبتدئين أو للهواة لقاء تصميمٍ بسيط وبسرعة باتت تُخصَّص الآن لاشتراكٍ شهريٍّ في أداةٍ توليديةٍ. وعلى الطرف الآخر من المشهد؛ ارتفعت أرباح العاملين المُستقلّين الذين يقدِّمون خدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي بنسبة قاربت 25% خلال عامٍ واحد، ما أفرز طبقة جديدة من «المُصمِّمين المهرة» القادرين على إنجاز ما كان يتطلَّب فريقًا كاملًا، في يومٍ واحدٍ، ودون حاجة إلى مساعدين. |
وفي السياق ذاته، تُقدِّر دراسة أعدَّها بروكينغز أنَّ أكثر من 30% من العمَّال في الولايات المُتَّحدة الأمريكية قد تُصبح نصف مهمَّاتهم أو أكثر عُرضة للتغيير بفعل الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي، وهي نسبةٌ لا يُعوضها استمرار بعض الوظائف المحدودة، والموسميَّة كعمل المنقذين ونظرائهم من أصحاب الحِرَف التي لا تزال الحاجة إليها قائمة، وإنْ تقلَّصت. |
![]() |
سأقفز الآن إلى لبِّ القول إن لم يصلك مقصدي! |
حين يُقال إن الذكاء الاصطناعي «لن يحلَّ محل المنقذين» أو «لن يقضي على المصممين»، فذلك يشبه طمأنة الركَّاب بأنَّ قارب النجاة ما يزال في مكانه بينما يتسرَّب الماء إلى العنابر السفلية، وأن كل شيء على مايرام لأن البعض يجيد السباحة، والآخر لديه أطواق نجاة، والغالبية الكبيرة لاوقت عندها لتعلُّم السباحة أصلاً، ولا أطواق نجاة تكفيها. |
في جوهر الأمر، لا يُقصي الذكاء الاصطناعي أحدًا دفعة واحدة، إنَّما يرفع سقف الكفاءة حتى لا يطيقه إلا من تمرَّس وتفنَّن، ويغدو الهواة خارج السرب لا لأنهم أُقصوا، بل لأنَّ المركب مضى مسرعًا ولم يملكوا أداة الإبحار. |
إنّه فرزٌ طبقيّ جديد، لا يقوم على النَّسب أو الثروة، بل على المهارة والتكيّف، ومتى غُيِّبت المهارة، غُيِّب صاحبها، لا ظلمًا بل حتمًا. |
فكيف لمن لم يبلغ أدوات المحترفين، أن يصير منهم؟ وهل في زحام الأمواج متَّسعٌ لمن يتعلَّم السباحة على مهل؟ |
لا عزاء إلا للمجتهدين، ولا مكان إلا لأصحاب السعي الحثيث. |
الله المستعان |
التعليقات