لماذا يسهل علينا أن ننتقد العالم، ويصعب علينا أن نبني عالماً أفضل؟ هذا هو السؤال الذي تجيب عنه روايتان لنفس الكاتب، ألدوس هكسلي.
الرواية الأولى هي عالم جديد شجاع. فيها هدم هكسلي فكرة الدولة الحديثة. وصف لنا عالماً بلا ألم وبلا معنى، عالماً يأخذ فيه الناس حبة دواء لينسوا حزنهم. الرواية قوية وممتعة ومقنعة، لأن الهدم سهل. من السهل أن تري الناس أن الطريق الذي يمشون فيه خطأ.
الرواية الثانية هي الجزيرة. بعد ثلاثين سنة، حاول هكسلي أن يفعل العكس. حاول أن يبني. اخترع جزيرة اسمها بالا، جزيرة مثالية لا حروب، لا قلق، الجميع يمارس التأمل ويأخذ فطراً سحرياً ليصبح حكيما . والنتيجة؟ رواية مملة غير واقعية.
لماذا نجح في الأولى وفشل في الثانية؟ لنفس السبب الذي تفشل فيه ثقافتنا اليوم.
نحن نعيش في عصر يجيد التفكيك. من السهل أن تفتح تيك توك وتنتقد العائلة، والزواج، والعمل. ستحصل على آلاف الإعجابات. الهدم يعطيك شعوراً سريعاً بالذكاء.
لكن لو سألت نفس الناقد طيب، ما هو بديلك؟ كيف يجب أن نعيش؟ كيف نربي أطفالنا؟ ما هي الأسرة المثالية؟ سيعطيك جواباً يشبه جزيرة هكسلي كلام جميل ومثالي ولكنه لا يمكن أن يعيش في الواقع. هنا تصبح الإجابات أصعب لأن اكتشاف الخلل لا يعني بالضرورة امتلاك الحل، ورفض الواقع لا يضمن القدرة على بناء واقع أفضل
فالبناء ليس فكرة جميلة نكتبها في تغريدة، بل عملية تتطلب تضحية وتفاوضًا وقبولًا ببعض القيود. كما تتطلب الاعتراف بأن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا على الدوام فهو يتعب ويغار ويخطئ، وتتصادم رغباته أحيانًا مع رغبات الآخرين. لذلك لا يكفي أن نصمم مجتمعًا يقوم على قيم نبيلة، بل علينا أن نفك في كيفية استمراره حين لا يتصرف أفراده وفق الصورة التي رسمناها لهم
الاستعدادات البشرية للبناء يمكن إدراكها من خلال سياق التطور البيولوجي والثقافي فالخصائص التي كانت ذات فائدة في أوقات بناء القبيلة والعائلة أصبحت اليوم عوامل غير ملائمة. وباء الهدم العالمي هو نتيجة لتداخل عوامل بيولوجية وبيئية وثقافية. العوامل البيولوجية تشمل ميل الدماغ للسلبية والانتباه للخطر مما يجعل النقد أسهل من المدح. في المقابل تؤثر بيئتنا الحديثة المزدحمة والمليئة بالضغوط مثل الحرمان من النوم وتشتت الانتباه الناتج عن التكنولوجيا على قدرتنا على البناء.
يتضح أن الإنسان مهما بلغ من الذكاء أو النقد يظل مقيداً بحتميات بيولوجية لا يمكن تجاوزها
فملذات الهدم على الرغم من جمالها وجاذبيتها ترتبط دائماً بفراغ يجعلها غير خالصة سواء كان الهدم نتيجة قسر الظروف أو طوعاً للتحرر يبقى الإنسان محكوماً بتوازن دقيق بين أن يهدم وأن يبني وحتى مع محاولات تخفيف أضرار الهدم من خلال الوسائل المتاحة.
ثقافتنا اليوم تملك الكثير من المطارق، والقليل جداً من المهندسين.
اعداد
عائشه محمد
التعليقات