لطالما بدا لي أن هناك علاقة غريبة بين التعقيد والعمق. نميل إلى افتراض أن الشيء كلما كان أكثر تعقيدًا كان أكثر عمقًا، وأن الشخص الذي يستطيع أن يشرح الموضوع من عشر زوايا أكثر وعيًا من الشخص الذي يختصره في جملة واحدة. لكنني بدأت أتساءل ماذا لو كان التعقيد أحيانًا ليس نتيجةً لعمق الفكرة، بل وسيلة للهروب منها؟
ماذا لو لم تكن الحقيقة معقدة أصلًا، وإنما نحن من نعقدها لأن مواجهتها كما هي أصعب؟
بدأت أفكر في هذا بعد قراءة مراجعة لرواية، وصف فيها القارئ طريقة الكاتب في التعامل مع الموضوعات المشحونة عاطفيًا. كانت فكرته أن الكاتب يختار موضوعًا مؤلمًا، ثم يشتت انتباه القارئ عنه، وينتقل إلى التفاصيل والتحليلات والتفرعات الفكرية. يبدو النص عميقًا، بل شديد الذكاء، لكن المفارقة أنه لا يتعامل مع الموضوع الذي بدأ منه أصلًا.
هذا النوع من الكتابة أثارني لأنني لا أرى أن كثرة الحديث عن شيء تعني بالضرورة أننا واجهناه. أحيانًا يمكن أن نتحدث عن الشيء دون أن نتحدث عنه فعلًا. وهذا لا ينطبق على الأدب وحده. نحن نفعل ذلك في حياتنا اليومية باستمرار. يمكن أن نقضي ساعات في تحليل موقف، نبحث عن دوافع الآخرين، ونفترض احتمالات لا تنتهي، ونستحضر الظروف والسياقات والتفاصيل، ثم نصل إلى الجملة المريحة الموضوع معقد.
لكن ربما لا يكون الموضوع معقدًا إلى هذا الحد. ربما الحقيقة أبسط مما نريد الاعتراف به أن هذا الشخص آذاني، وأن هذه العلاقة انتهت، وأنني خائفة، أو أن ما حدث لم يكن عادلًا، أو حتى أنني فشلت. جمل بسيطة جدًا، لكنها أصعب من كل التحليلات التي يمكن أن نبنيها حولها لأنها لا تترك لنا مساحة كبيرة للاختباء.
وهنا أعتقد أن التعقيد يمكن أن يتحول إلى نوع من آليات الدفاع. ليس لأننا لا نفهم الحقيقة، وإنما لأننا نفهمها أكثر مما نريد أن نواجه. فالتحليل يمنحنا شعورًا بأننا نتعامل مع المشكلة. يمكننا أن نفكر فيها، ونفككها، ونناقشها، ونبحث عن تفسير لها، دون أن نضطر إلى اتخاذ موقف منها. يصبح التفكير نفسه بديلًا عن المواجهة.
لكن ليس كل تعقيد هروبًا وهذه نقطة مهمة بالنسبة لي.
هناك أشياء معقدة فعلًا، وتبسيطها قد يكون خيانة لها. الإنسان معقد، والتجارب الإنسانية متناقضة، والأحداث لا تحدث دائمًا بسبب واحد واضح. لذلك لا أعتقد أن وظيفة الكاتب هي أن يقدم العالم لنا في صورة سهلة ومريحة.المشكلة بالنسبة لي تبدأ عندما يصبح التعقيد غاية بحد ذاته عندما لا يعود الهدف فهم الحقيقة، وإنما إخفاؤها تحت طبقات من اللغة والتحليل.
وهنا يتحول التعقيد من أداة للفهم إلى أداة للتضليل.
لهذا أكره الأعمال التي أشعر أنها تزيد الواقع ضبابية بدل أن تساعدني على رؤيته بوضوح. لا أقصد أن أريد من الكاتب أن يخبرني من الجيد ومن السيئ، أو أن يقدم لي حكمًا أخلاقيًا جاهزًا. لكنني أريد منه أن يكون مستعدًا للنظر إلى الشيء الذي يكتب عنه مباشرة، حتى لو كان مؤلمًا أو محرجًا أو غير مريح.
بالنسبة لي، هناك فرق بين عمل يجعلني أرى الحقيقة من زاوية جديدة، وعمل يجعلني أنسى أصلًا ما هي الحقيقة التي كنت أنظر إليها. الأول يوسّع رؤيتي أما الثاني فيشوّشها.
وربما لهذا أجد أن المسألة تتجاوز الفن إلى شيء أخلاقي أيضًا. أحيانًا يكون الإصرار على إبقاء كل شيء معقدًا نوعًا من التملص. لأن قول الأمر معقد قد يكون صحيحًا، لكنه قد يكون أيضًا أسهل من قول هذا خطأ . وترك كل شيء في منطقة رمادية قد يبدو أكثر ذكاءً ونضجًا، لكنه ليس بالضرورة أكثر صدقًا.
وهنا أرى الفرق بين الحرفي والفنان.
الحرفي يستطيع أن يصنع نصًا متقنًا، وأن يبني أفكارًا متشابكة، وأن يجعل كل شيء يبدو ذكيًا. لكن الفنان الحقيقي، في رأيي، يحتاج إلى شيء أصعب أن يكون مستعدًا لمواجهة ما يكتب عنه.لا أعتقد أن الكتابة العظيمة هي التي تجعل الحقيقة أكثر تعقيدًا. أعتقد أنها الكتابة التي تستطيع أن تنظر إلى الحقيقة في وجهها، ثم تكشف لنا كل التعقيدات التي حولها دون أن تستخدمها لإخفائها.
وربما لهذا صرت أشك قليلًا في النصوص التي تجعلني أشعر بأنني أمام شيء شديد العمق، بينما أخرج منها وأنا غير قادرة على معرفة ما الذي قيل فعلًا.
وفي النهاية أتمنى أنني لم أعقّد فكرة التعقيد أكثر مما ينبغي
اعداد🖋️
عائشه محمد
التعليقات