قد يحدث ذلك بين الأصدقاء، أو أفراد العائلة، أو حتى بين شاهدين على موقف واحد. أحدهما يصف الموقف بأنه كان عاديًا، بينما يراه الآخر مؤلمًا أو مهينًا. وقد يصر كل منهما على أن روايته هي الحقيقة الكاملة
لكن ماذا لو كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك؟
في علم النفس، لا يُنظر إلى الإنسان على أنه كاميرا تسجل الواقع كما هو، بل على أنه مفسر للواقع. فنحن لا نستقبل الأحداث بطريقة محايدة، وإنما نمنحها معنى، وهذا المعنى يتشكل من شخصيتنا، وتجاربنا السابقة، ومشاعرنا، وحتى توقعاتنا.
لنفترض أن مديرًا وجه ملاحظة لموظفين في الاجتماع نفسه. أحدهما اعتبرها فرصة للتطوير، بينما عاد الآخر إلى منزله وهو مقتنع بأنه تعرض للإهانة. الكلمات كانت نفسها، لكن التجربة لم تكن كذلك. السبب أن كل شخص فسر الرسالة من خلال عدسته النفسية الخاصة.
يسمي علماء النفس هذا الاختلاف في التفسير بالإدراك. والإدراك لا يتعلق بما نراه فقط، بل بكيفية فهمنا لما نراه. فنحن نلاحظ أشياء ونتجاهل أخرى، ونربط بين الأحداث وفقًا لما اعتدنا عليه أو نتوقعه.
وهنا يظهر دور الخبرات السابقة.
فالإنسان الذي اعتاد على التشجيع قد يفسر النقد على أنه ملاحظة بناءة، أما من نشأ في بيئة يغلب عليها اللوم أو السخرية، فقد يرى في الملاحظة نفسها هجومًا شخصيًا. ليس لأن الواقع تغيّر، بل لأن الخبرات السابقة أصبحت إطارًا يفسر الواقع من خلاله.
ولا يقتصر الأمر على الإدراك، بل يمتد إلى الذاكرة أيضًا.
يعتقد كثير من الناس أن الذاكرة تحفظ الأحداث كما وقعت، إلا أن الدراسات في علم النفس تشير إلى أن الذاكرة عملية بنائية؛ أي أن الدماغ يعيد تشكيل الذكرى كلما استرجعها. لذلك قد تتغير بعض التفاصيل مع مرور الوقت، وتتأثر بالمشاعر أو بالمعلومات الجديدة أو حتى بطريقة سردنا للقصة مرارًا.لهذا السبب قد يختلف شخصان في تذكر التفاصيل نفسها دون أن يعني ذلك أن أحدهما يتعمد الكذب.
عوامل أخرى
هناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الانتباه الانتقائي. فنحن لا نستطيع الانتباه إلى كل ما يحدث حولنا في الوقت نفسه، لذلك يختار الدماغ ما يراه أكثر أهمية. شخص يركز على تعابير الوجوه، وآخر يركز على نبرة الصوت، وثالث يلاحظ الكلمات فقط. وبعد انتهاء الموقف، يحمل كل واحد منهم مجموعة مختلفة من التفاصيل، رغم أنهم كانوا في المكان ذاته.
كما أن معتقداتنا تؤثر في الطريقة التي نفسر بها الأحداث. فعندما يؤمن الإنسان بفكرة معينة عن نفسه أو عن العالم، يميل إلى ملاحظة الأدلة التي تؤكدها أكثر من غيرها. فإذا كان مقتنعًا بأن الآخرين لا يقدرونه، فقد يفسر التصرفات الغامضة على أنها تجاهل، حتى لو كانت لها تفسيرات أخرى.
وهذا لا يعني أن إدراكنا دائمًا خاطئ لكنه ليس محايدًا بالكامل.
إن فهم هذه الحقيقة قد يغير طريقة تعاملنا مع الخلافات. فبدلًا من الانشغال بالسؤال من الذي يتذكر القصة بشكل صحيح؟ ربما يكون السؤال الأكثر فائدة هو كيف عاش كل واحد منا هذه التجربة؟
ففي كثير من الأحيان، لا ينشأ الخلاف لأن أحد الطرفين يكذب، بل لأن كل واحد منهما ينظر إلى الحدث من نافذة مختلفة.
شخصيا أرى وجود اختلاف في الإدراك لا يلغي وجود وقائع موضوعية ولا يجعل الأذى مجرد وجهة نظر. إن فهم اختلاف الإدراك يساعدنا على تفسير تباين الروايات، لكنه لا يبرر السلوك الخاطئ ولا ينفي المسؤولية عنه
في النهاية ربما لن نتفق دائمًا على الطريقة التي رأينا بها الأحداث، لكن هذا لا يعني أن كل شيء نسبي. فبين اختلاف الإدراك وثبات بعض الحقائق مساحة لا ينبغي أن نخلط بينها. قد تختلف رواياتنا، لكن هناك أفعالًا يبقى ضررها واضحًا، مثل الاعتداء والظلم والإساءة. لذلك، فإن تقبّل اختلاف التجارب لا يعني إنكار الحقيقة، بل يعني الاعتراف بأن الإنسان لا يرى العالم بالطريقة نفسها، دون أن نفقد قدرتنا على التمييز بين ما هو اختلاف في التفسير، وما هو خطأ في الفعل نفسه.
اعداد
عائشه محمد
التعليقات