ظل هذا السؤال محل نقاش بين علماء اللغة وعلماء النفس لعقود طويلة. فهل يرى جميع البشر العالم بالطريقة نفسها، أم أن اللغة التي نتحدث بها تجعل كل واحد منا يلاحظ أشياء مختلفة؟
لفهم الفكرة، تخيل أنك طلبت من شخص أن يشير إلى الشمال. بالنسبة لمعظمنا، قد نحتاج إلى التفكير، أو البحث عن الشمس، أو استخدام الهاتف. لكن هناك مجتمعات تستخدم الاتجاهات الأصلية مثل الشمال والجنوب والشرق والغرب في حديثها اليومي بدلًا من اليمين واليسار. هم لا يقولون الكوب على يسارك بل يقولون الكوب إلى الجنوب الشرقي منك ولا يقولون تحرك خطوة إلى اليمين بل تحرك قليلًا نحو الشرق.
قد يبدو هذا مجرد اختلاف في طريقة الكلام، لكنه في الحقيقة يفرض على المتحدث أن يعرف اتجاهه باستمرار. ومع مرور الوقت، تصبح معرفة الاتجاه مهارة يمارسها كل يوم دون أن يشعر. وهنا لا تكون اللغة قد منحت الإنسان قدرة جديدة، لكنها دربت عقله على الانتباه إلى معلومة لم نعتد نحن على ملاحظتها. ولا يقتصر الأمر على الاتجاهات. فبعض اللغات تميز بين درجات من الألوان لا تميزها لغات أخرى، وبعضها يصف الزمن أو العلاقات الأسرية أو الأحداث بطريقة مختلفة. لذلك قد يلاحظ متحدث لغة تفاصيل يغفل عنها متحدث لغة أخرى، ليس لأنه أكثر ذكاءً، بل لآن كل لغه توجّه متحدثيها إلى جوانب مختلفة في الواقع.
وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة اللغة لا تخبرنا بما نفكر فيه، لكنها تؤثر في ما نلاحظه، وما نتذكره، والطريقة التي ننظم بها المعلومات داخل عقولنا. فهي لا تغيّر الواقع، لكنها قد تغيّر الزاوية التي ننظر منها إليه. ولهذا يرى كثير من الباحثين اليوم أن العلاقة بين اللغة والتفكير ليست علاقة سيطرة، بل علاقة تأثير متبادل. فنحن نطوّر لغاتنا لنصف العالم، ثم تعود هذه اللغات لتؤثر في الطريقة التي نفهم بها ذلك العالم.
ولهذا لا ينظر علماء اللغة المعرفية إلى اللغة على أنها مجرد وسيلة للتواصل، بل بوصفها أداة معرفية تساعد العقل على تنظيم المعلومات وتصنيفها ومعالجة الخبرات. فاللغة لا تخلق أفكارنا من العدم، لكنها تشارك في تشكيل الطريقة التي يعمل بها العقل أثناء فهم العالم من حوله. ولهذا السبب، فإن تعلم لغة جديدة لا يعني اكتساب كلمات جديدة فحسب، بل قد يعني أيضًا اكتساب طريقة جديدة للنظر إلى العالم.
اعداد🖋️
عائشه محمد
التعليقات