نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #5 - الرجل الألف (١/٣)
خطوة نحو الفاعلية:
لا تُبنى الأمّة بالنوايا الطيّبة والأماني الحالمة المنتظرة، بل تُبنى بخطواتٍ صغيرةٍ متراكمة، مستمرة، خطوات قررّ أصحابها البدء دون انتظار، توقدهم عزيمتهم وهمٌ حملوه في صدورهم، فالعلمُ الحقيقي يُشعل في صاحبه قلقاً مباركاً لا يهدأ حتى يرى أثره ويرى انتشاره بين الخلق.
الرجل الألف، الرجل المليون، الرجل المليار...
تتقافز العناوين، بل تتزاحم؛ لتكون العنوان الأليق بصاحب هذا المقال.
نعم هناك من الناس كما قال ابن دريد في مقصورته:
والنَّاسُ منهم ألفٌ كواحدٍ *** وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنى
لكن هذا البيت يبدو ناقصًا في حق صاحبنا، حتى لتكاد تراه أحقَّ الناس بمبالغة أبي نواس حينما قال:
وليس على الله بمستنكرِ *** أن يجمعَ العالَم في واحدِ
فأنت حينما تقرأ سيرة هذا الرجل يصعب عليك أن تصدق أنّ شخصًا واحدًا يمكن أن يفعل ذلك كلّه! بل لا تتصوّر حينما تقرأ تلك السيرة العطرة إلا أنَّ مجموعةً من الدعاة والعلماء والكفاءات انصهروا في رجل واحد؛ فأخرجت ذاك النتاج العريض وغرست تلك الأشجار السامقة التي لا تزال الأمة والمجتمع يقطفون ثمارها إلى يومنا هذا.
هذا الشيخ الفاضل -أو إن شئت فقل: الطبيب البارع- هو حجةٌ ظاهرةٌ على أهل هذا الزمان؛ فقد مللنا جميعًا من إيراد الاعتراض البارد الشهير، وإعادة الأسطوانة المشروخة التي تُعاد حينما تستجلبُ أيّ قدوةٍ من الأزمنة السَّابقة لتُجعل محلاً للاقتداء وموردًا للاهتداء؛ فيقال في كل مرة: "إنّ زمانهم ليس كزماننا!".
وكأنّ الواحد منّا يعتذر لنفسه عن اللحاق بتلك المعالي والمكارم؛ بأن هذا قياسٌ مع الفارق فهو قياسٌ فاسد إذن!
لكن ها هو أحد أبناء هذا الزمان وأفراد هذا العصر يأتي ليدق الإسفين الأخير في هذه الحيلة النفسيّة المُخدّرة للضمائر، وليكشف لنا بجلاء: أن "المشكلة ربما كانت في هممنا لا في زمننا"!
عن الطبيب الكويتي، والشيخ الفاضل الراحل: عبدالرحمن بن حمود السِّميط -رحمه الله- (ت: ١٤٣٤هـ) نتحدّث.
بين القدر المجزئ والتضحية الكبرى:
كان الشيخ -رحمه الله- طبيبًا كما يعلم الجميع، وكان وهو على رأس مهنته يذهب إلى القارة السمراء -إفريقيا-؛ فيعالج المرضى، ويداوي الجرحى، ويدعو إلى الله في أثناء ذلك.
غير أن طبيبنا أفزعته جهود المنصِّرين التي كانت تستدرج الناس إلى النصرانية، وتدخلهم في تلك العقيدة الباطلة زرافاتٍ ووحدانًا، جماعاتٍ وأفواجًا. فأيقن أن هذه الجهود الجزئية التي يبذلها لا تكاد تُذكر أمام ذلك المدّ الجارف من جهود أعداء الدين، وأن المعركة أكبر من أن تُواجَه على هامش الحياة أو في أوقات الفراغ.
وهنا اتخذ الشيخ القرار الذي غيَّر مجرى حياته كلِّها، بل غير مجرى حياة الملايين.
رجع الشيخ إلى بلده، وخلع معطف الطبيب، ولبس لأمة وعباءة الداعية إلى الله.
غير أنه لم يترك الطب وراءه تركًا كاملًا؛ بل حمل في تلك العباءة جميع خبراته وقدراته وخبراته الطبية، ولكن هذه المرة باعتبارها وسيلةً وقنطرةً يعبر خلالها من طبّ الأبدان إلى طبّ الأرواح، ومن معالجة الأجساد إلى معالجة العقائد والأفكار.
وحتى لا يمر عليك -أيها القارئ الكريم- هذا التحول الكبير مرور الكرام؛ فتأمل قليلًا في حقيقة هذا القرار: أتدري ما معنى أن يترك الإنسان مهنته؟ ثم أتدري ما معنى أن تكون تلك المهنة هي الطب؟
إنها المهنة التي لا يكاد يضاهي جاهها جاه، ولا يوازي مكانتها مكانة في كثير من المجتمعات، ولا يبلغها صاحبها إلا بعد سنوات طويلة من الجدّ والتعب والمعاناة، حتى إذا وصل إليها نال من التقدير والاحترام والحفاوة في أعين الناس وقلوبهم ما نال! ثم يأتي شيخنا فينخلع من ذلك كله ويتركه وراء ظهره طواعيةً لا كرهًا!
ذلك بأن الشيخ لم يكن طبيبًا مغمورًا أخفق في مهنته؛ فطفق يواري سوأة ذلك الإخفاق في ميدان آخر ينجح فيه -كالدعوة مثلا- كلا! بل كان طبيبًا ناجحًا لامعًا من الطراز الرفيع، يعمل في أرقى المستشفيات، وقد تهيأت له أسباب الاستقرار والنجاح المهني التي يحلم بها كثير من الناس.
نعم ولم يكن انتقاله من بلدٍ فقير إلى بلدٍ أكثر رخاءً، ولا من أرضٍ موحشة إلى أرضٍ تسرّ الناظرين، بل كان الأمر على العكس تمامًا؛ فقد ترك حياةً مريحة وبلدةً آمنةً رغيدة، وانتقل إلى مناطق تنتشر فيها الأمراض والأوبئة والمجاعات، وتفتقر إلى كثير من مقومات الحياة التي اعتادها الناس!
أقول ذلك حتى ندرك حجم التضحية التي بذلها الشيخ -رحمه الله- في سبيل رسالته، وحتى نعلم أن هذا القرار الكبير لم يكن إثر إخفاقٍ سابق، ولا نتيجة إغراءٍ لاحق -كما يقع لبعض الباذلين من حيث يشعرون أو لا يشعرون- وإنما كان باعثه -فيما يظهر- استشعار المسؤولية تجاه دينه وأمته فحسب.
وهكذا تكون قرارات أصحاب الرسالة؛ لا يؤثر فيها حساب الخسائر والمكاسب، وإنما يصنعها الشعور بالمسؤولية والواجب.
مفارقة السعادة:
ربما كان السببَ الخفيّ الذي يجعلنا نحجم عن أمثال هذه التضحيات والقرارت الكبرى التي أقدم الشيخ عليها -والذي نكاد نخفيه حتى من أنفسنا-: أننا نخشى فقدان السعادة؛ لأننا نظن أن ثمة تلازمًا وعلاقةً طرديةً بين الراحة والسعادة، وبين التعب والشقاء.
والواقع: أن الأمر ليس كذلك، بل على خلاف ذلك؛ فهذا الظنَُ كثيرًا ما تكذِّبهُ تجاربُ الباذلين والدعاة والمصلحين، أولئك الذين لم يعبروا إلى السعادة إلا على جسر التعب، ولم يدخلوا إليها إلا عبر بوابة البذل، على حدّ قول أبي تمّام:
بصرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها***تنال إلا على جسرٍ من التعبِ
ولعلَّ القارئ الكريم يتساءل: ماذا كان شعور الشيخ تجاه هذا القرار بعد أن مضت الأعوام؟ وهل ندم يومًا حين واجه تبعاته، وذاق شيئًا من مشاقه وتكاليفه؟!
أستميحُ القارئ عذرًا بأن أدع جواب هذا التساؤل لتلك المرأة التي تركت رغد العيش وحياة الثراء لترافق الشيخ إلى أدغال أفريقيا.
فبعد يوم حافل بالدعوة، وفي بقعةٍ تنقطع عنها الكهرباء ولا تزورهم فيها إلا لِمامًا، حتى إن الكيس البلاستيكي الذي تُحمل فيه المشتريات المتواضعة لا يوجد فيها! تلتفت أم صهيب -زوجة الشيخ- إلى زوجها مع كل تلك الظروف القاسية وتقول لزوجها: "يا أبا صهيب، لو غفر الله لنا وأدخلنا الجنة؛ هل سنشعر فيها بمثل هذه السعادة التي نشعر بها الآن؟!".
إنها رسالةٌ واضحةٌ لا تحتاج إلى بيان ولا تفسير: "طريق الدعوة والبذل ليس نقيضًا للسعادة، بل هو السعادة ذاتها -لو كانوا يعلمون-".
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات