حب الظهور حين يتسلل إلى طالب العلم لا يُفسد نيته وحدها، وإنما يُفسد اختياراته ومساراته، فيُقبل على ما تشهده العيون ويُدبر عما خفي عنها، فيكون شغله، وصرف طاقته ونظره ليس خاضعناً لاحتياج الأمة، بل لهوى نفسه وما يغذي ظهوره، فتنقص بركة عمله وجهده، وتهدر الأوقات والطاقات فيما قد يقلّ نفعه ويخفت أثره، وذاك خسرانٌ عظيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فلمـَّا كان العِلمُ زينةً لطالبه، وتاجًا على مَفْرِق صاحبِه، وذُخْرًا في الآخرة لباذله، وذِكْرًا حسَنًا لمعلِّمِه، كان أشرفَ ما تُصرف فيه الأوقات، وتُعمَر به الليالي والساعات، فلا شيءَ أبقى ذِكْرًا، وأَجَلُّ ذُخرًا، وأعظمُ أجرًا من العلم، فإن "العلماء وَرَثَةُ الأنبياء"، وقد قال ابنُ المبارك رحمه الله: "لا أعلم بعد النبوَّة درجةً أفضلَ مِنْ بَثِّ العِلْم".
ومن المعلوم أن لكل شيءٍ بابًا، وبابُ العلمِ أن تعرفَ كيف تتعلم؛ ولهذا كان للعلم أدواتٌ ومهاراتٌ تُعِينُ على تحصيله والسَّيرِ فيه، وهي -إجمالًا- خمسٌ:
الحفظ، والفهم، والسماع، والقراءة، والكتابة.
ولا بد من التكامل بينها؛ حتى لا يكونَ في البناء العلمي خللٌ ونقْصٌ، ولكن حَرِيٌّ بالمتعلِّمِ في أوَّل الطلب أن يهتم كثيرًا بــ (الحفظ والسماع).
فأما الحفظ: فإن الطالب إذا ألزم نفسَه به واعتاد عليه من أول الطلب، فإنه يَسْهُل عليه بعد ذلك أن يُكْثر منه، فالصغيرُ أقدر على الحفظ من الكبير؛ لخُلُوِّ الأول وانشغال الثاني.
أضف إلى ذلك أن الحفظَ أبقى وأمتنُ وأضبطُ للعلم، وقد قال ابنُ عثيمين رحمه الله: "لم يبْقَ من العلم إلا ما حفِظْنَا".
ثم إن الحفظ من خصائص هذه الأمة، وبه تميزت عن سائر الأمم؛ ولهذا جاء وصفها في الكتب السابقة بأنَّ "أناجيلهم في صُدُورِهم يقرؤونها، وكان مَنْ قبْلَهم يقرؤون كتابهم نظرًا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا ولم يعرفوه".
قال قتادةُ رحمه الله في التعليق على هذا الخبر: "وإن اللهَ أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطِه أحدًا من الأمم".
وقد قال تعالى عن القرآن: {بل هو آياتٌ بيناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم}.
وفي الحديث القدسي قال الله تعالى لنبيه ﷺ: "وأنزلتُ عليك كتابًا لا يَغْسِلُه الماءُ، تقرَؤه نائمًا ويقظان".
فكتابُها يُحفَظ، وسُنَّةُ نبيِّها تُحفَظ، وأقوالُ أئمتها تُحفَظ، وخُطَبُ فُصَحائِها تُحفَظ، وقصائدُ شعرائها تُحفَظ، فكلُّ من زهِد في الحفظِ أو زهَّدَ فيه فإنه مخطِئٌ مجانِبٌ للصواب، وقد قال الرَّحَبيُّ:
فاحفظ فكلُّ حافظٍ إمامُ
وقال ابنُ يَسير:
إذا لم تكنْ حافظًا واعيا فجمْعُكَ للكتْبِ لا يَنْفَعُ
وأولُ ما يَلزَمك حِفْظُه هو القرآن الكريم، ثم جملةٌ صالحة من أحاديث النبي ﷺ كالأربعين النووية وعمدةِ الأحكام، ثم تحفظُ بعد ذلك في كل فنٍّ من الفنون متنًا من المتون.
وطريقة الحفظ المثلى تكون باتباع ما يلي:
مراعاةُ المقدار مع كثرة التَّكرار.
وتجزئةُ المحفوظ.
ورفعُ الصوت بالحفظ.
وعرْضُ المحفوظ على الغَير.
والمراجعةُ أوَّلًا بأوَّل.
ولا تعارُض بين الحفظ والفهم، بل كلاهما يكمِّل ويقوِّي بعضُهما بعضًا، فالتكاملُ بينهما أمرٌ مطلوب محمود، قال ابن تيمية رحمه الله: " والعلم له مبدأٌ وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ. وتَمَامٌ وهو: قوة المنطِق، الذي هو البيان والعبارة".
بل إن التجربة والواقع شاهدان على أنَّ مَن اعتنى بالمحفوظ كان أقدرَ على الفهم والاستيعاب إذا شُرِحَتْ له المسائل، وأقوى في الاستدلال والاحتجاج إذا عَرَضَ المسائل.
وأما السماع -أعني به التتلمذ على الأشياخ-: فإنَّه يبيِّن لك الطريق، ويختصرُ عليك المسافات، ويفتحُ عليك ما استغلق، ويزيلُ عنك ما أشكل، وبدونه تكون كالحائر الذي لا يهتدي وجه الصواب.
فكم من مسألةٍ يقرؤها المتعلِّم فتُشكِلُ عليه ولا يَفْهمُها، فإذا ألقاها عليه الشيخ فهِمَها على وجهها.
زِدْ على هذا أن سُنَّة هذه الأمة من لدن نبيِّها ﷺ ومَن بعدَه مِن العلماء الربَّانيين أنْ يُؤخذ العلم كابرًا عن كابِر، وجيلًا عن جيل، وقد قال ﷺ لأصحابِه: "تَسْمَعون ويُسمَعُ منكم، ويُسْمَع ممن سَمِعَ منكم".
ومن ثم قيل: "لا تأخُذوا القرآنَ من مُصْحَفِيّ، ولا العلمَ من صَحَفِيّ".
فإن الذي لا يتتلمذ على الأشياخ يَكْثُر خطؤُه، ويَبِينُ غلَطُه، ككثرة خطأِ مَنْ يقرأ القرآن من المصحف دون معلِّم.
وما أحسنَ قولَ أبي حيَّان الأندلسي رحمه الله:
إذا رُمْتَ العلومَ بغيرِ شيخٍ ... ضلَلْتَ عن الصراطِ المستقيمِ
وتلتبس الأمورُ عليك حتَّى ... تَصِيرَ أضلَّ من توما الحكيمِ
وأما مهارة القراءة فهي مهمة لطالب العلم أيضًا؛ وذلك أنَّ الشيخ يعطيك مفاتيح التعلم، ويشرح لك المختصرات -غالبًا-، ثم أنت مَنْ تُكمل الطريق وتواصل السير بالقراءة في الكتب المطوَّلات؛ لتزداد تحصيلًا ومعرفة، وكلما كَثُرَت القراءةُ توسَّعَت الآفاقُ والمدارِك.
وأما مهارة الكتابة فهي على نوعين:
الأول: الكتابة حال الطلب والتعلُّم.
والثاني: الكتابة حال التعليم.
فأما الأول فتَقتصر الكتابةُ فيه على تقييد الفوائد والتعليقات، وتلخيصِ المسائل المهمات، ووضعِ الأسئلة والإشكالات، ونحوِ ذلك مما هو مناسب لهذه المرحلة.
ومن حرَصَ على كثرة الكتابة حال تعلُّمِه اغتبط وحمِد ذلك في مستقبَلِ عُمرِه؛ وذلك أنَّ ما كتبه وقيَّدَه في مرحلة الطلب يكون مَرْجِعًا ومُعينًا له على ضبط ما تعلَّمه بحفظِه وتَكرارِ النظر فيه، والعودةِ إليه إنْ طال العَهْدُ عن الفَنِّ أو الكتاب.
وخذ مثالًا على هذا:
ذكر أهل التراجم والطبقات عن صالح بن كيسان أنَّه قال: اجتمعت أنا والزُّهري ونحن نطلب العلم فقلنا: نَكتبُ السنن. فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ.
ثم قال الزُّهري: نكتبُ ما جاء عن أصحابه؛ فإنَّه سُنَّة. وقلتُ أنا: ليس بسُنَّةٍ فلا نَكْتُبه.
فكَتَبَ ولم أَكْتبْ، فَأَنْجَحَ وضَيَّعْت.
وعن أبي الزناد قال: كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابنُ شهاب -يعني الزُّهري- يكتب كلَّ مَا سَمِعَ، فلمَّا احْتِيجَ إليه عَلِمْتُ أنَّه أعلمُ الناس.
وأما النوع الثاني -وهو الكتابة حال التعليم- فيُقْصَد بها: التأليفُ والنَّشر.
ومعلومٌ أنَّها لـمَن تأهَّل وبلغ في العلمِ مبلغًا حسنًا، وليس من المقصود الحديثُ عنها في هذه المقالة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات