|
@في 2050 يحكي له عن 2025 اليوم سأحكي لكم عن أشياء غريبة، أخبرني بها جدي، فلقد ذهبت إليه لأقضي معه اليوم واطمئن عليه كعادتي، ومثلما أخبرتكم من قبل. وما إن ذهبت إليه، وجدته في حديقة منزله يرتشف نسمات الصباح مع فنجان قهوته، وقد جلست بجانبه بعدما سلمت عليه وسألني عن حالي، وبادلته السؤال عن حاله. فإذا بي ألمح كيس بلاستيكي قديم عليه غبرة الزمن، يجلس على كرسي بجانبه الآخر! فتعجبت له وسألته عنه! وما إن بدأ جدي الحديث حتى شاهدت بعينيه صورة عجيبة! سنوات مضت عليه في شبابه ممتلئة بأحداث غاية في الغرابة! إنهم كانوا يتناولون أقراص صلبة وسائل معبأ في زجاجات؛ اعتقاداً منهم بأنها تعالجهم من أمراضهم! لم يكن لديهم اكسير الطاقة مثلنا اليوم، ولم تكن بيوت الشفاء التي لدينا عندهم بهذا الإسم أو الاستخدام.بل كانت تسمى مستشفى يذهبون إليها بأعداد لا حصر لها؛ انتشاراً للشكوى فيما بينهم بأمراض لها أسماء غاية في العجب. ومع مرور الوقت زادت تلك الأمراض بشكل تعجب له الجميع، مرضى وأطباء.والوضع فاق عن حده في استساغة الفساد واستسهال المصلحة الشخصية على حساب الضمير أو الإخلاص، والتجارة للمكسب دون تحكيم مرجع أو قواعد من المفترض العمل بها في تجارة الدواء أو الغذاء أو حتى صناعات أخرى. ومع احتياج الناس ورغبتهم في الشعور العاجل بالشفاء وعدم الصبر للاستشفاء بالمعدل المطلوب في إعادة بناء الجسم، ما زاد الطين بلة. أصبحت الأمراض شيء يقال عنه طبيعي أن يظهر مع شروق الشمس كل صباح. لكن صاحب الرؤيا الحرة من أطباء ذاك الزمان، يدعون الناس إلى التحلي بالوسطية والاعتدال. لكنها ظلت مجرد توصيات. لكن مع وجود عقول أطباء بها جانب رافض لتلك المسرحية بمجملها، محاولين فهم الواقع وملء الفجوة التي اتسعت جوانبها؛ توالت المحاولات. فظهر فكر جديد ينادي ببناء الوعي وتربيته بشكل يناسب مشكلات استحدثت بهذا العصر وتوالت المحاولات تلوا المحاولات، حتى ظهر طبيب يحكي بجرأة ولا يعتري لإهتمام من أحد. حاول مع الكثيرين ممن يحملون معه نفس الرسالة "وإن كان في ظاهرها أو من المفترض لها". حكى عن تجارب قام بها على نفسه أولا ،قبل أن يتحدث بها. ولكم الدليل وعليكم التجربة، وليس من إجبار لأحد. فدمر بكلامه هذا، حوائط بنيت في سنوات من اللاوعي واللامبالاة من الطرفين المعالَج والمعالِج. لكن وللأسف، اعترض عليه الكثيرين، وتم التضييق عليه، ولم يعتري الكثيرين اهتماماً إلا بالرفض والاستنكار. حتى جدي نفسه صارحني بأنه في بداية سماعه له، لم يتفق معه حتى قام بالتجربة على نفسه. ومثله في ذلك الكثيرين؛ وهنا انهالت التجارب وانهالت معها الاعتذارات لشخص أثر فيهم. ولكنه رحل وتركهم بين ضفتين علمه مما جُرب وصح، وبين ما رفض. استطاع الضياء التسلل عبر شقوق الواقع الجاف؛ ليعيد للناس خير طريقهم الذي ضلوا فيه عن صالحهم. واكتُشف صدق اجتهاده، ذاك الطبيب، حتى وإن لم يشمله عن آخره. فاعتدلت أفكار كادت أن توشك بزيفها الصمود والتخفي وراء غطاء الحق. انقلبت المخابز تبحث عن صالح زبائنها وصحتهم من عبوة الدقيق ببياضها الكاذب؛ إلى عبوة أخرى صادقة تروي قصتها بلون النيل. استبدلت مأكولات بأخرى حتى وإن كانت في المدن او الحارات والميادين. تركت مواد ظلت تنخر في عظام محتسيها واستبدلت بضياء المعرفة من تجارب حقيقية لكل فرد على نفسه بنفسه لنفسه. وأعيدت مأكولات لوضعها الحقيقي. فأخذت الشوارع زخرفها وتزينت بهواء أخضر لامع مع خيوط الشمس اللامعة، تسير تحتها العربات بكامل طاقتها مع ضحكات الأطفال ومرحهم، ونشاط الكبار ووعيهم، وبريق الأمل، ونسيم العمل وعبيره، مع هذا الإخلاص المبتسم على وجوه الجميع.وضع كل على حده نظامه الطيب الذي يتماشى مع ما يناسبه ويرتاح فيه. ومعه تحررت العقول من كلمات التسويق البراقة واللعب على أوتار الاحتياج أو الشعارات الخاطئة. فبدأت فجوات العجب بين المفترض والواقع يملأه العقل بحكمة وعلم. حتى وصل الوضع لما نحن فيه الآن. عاد صحيح الوضع وجميل المنظر وحسن العيش مع واقعنا، وصرنا نأخذ اكسير القوة لرفع المناعة، ونذهب لبيوت الشفاء للاستجمام والاطمئنان وإعادة شحن الطاقة والعمل من جديد. حزنت مع حزن جدي عندما لمعت دموع عيناه، وهو يحكي عن قديم الحال، وعن مدى انتشار الفساد واستسهال طعمه؛ حتى أصبح غذاء عادي بل ومع البعض صار المفضل. لكن تلك الملامح تبدلت تماما عندما جاء الحديث عن شجاعة أطباء أرادوا إبقاء القسم والرسالة قيد العمل بوجهها الحقيقي دون تزييف. وإن خسروا لأجل ذلك الغالي والنفيس وإن كانت المواجهة لمن اختلفوا معهم. ظلت المحاولات الواحدة تلو الأخرى لرفض الخطأ ونبذ فساد الضمائر. ومن محاولات الإجتهاد يستفيد فرد وينصلح حال آخر. حتى استطاعوا المواجهة، وأصبحت العقول أكثر وعيا وأكثر تحكما فيما ينفعها وما يلحق الضرر بها. حينها أدركت مدى عظم ما ترك لنا من إرث. يوجب علينا العمل للمحافظة عليه وإكمال الوعي وإدراك ما فيه من نفع ومصلحة. شكراً أجدادي، شكراً جزيلاً لكم على ما قدمتموه لنا. شكرا لسعيكم من أجل توفير تلك البيئة النظيفة الواعية لنا. التي نعيش فيها الآن ولكم منا أن نعمل على المحافظة عليها وإكمال العمل والمسيرة إلى أن يأتي من يحملها عنا من أبنائنا.
|
التعليقات