نشرة العدد.قصة قصيرة. أزاهير غازاتوا

21 ديسمبر 2025 بواسطة مها محمد #العدد 10 عرض في المتصفح

أزاهير غازاتوا 
تنفس الصباح مع زقزقة العصافير بألوانها الخاطفة للأنظار.وقد غازلتها حنين ورق الشجر؛ فجعلتها تدور خجلاً هنا وهناك مع دفء صوت الشمس ورقة عبور النسيم. وقف"عم جمال" في تلك القطعة من الجنة؛ وقد اشترى له ابنه تلك القطعة؛ ليكون بجانبه مع هداياه المميزة والفريدة؛ فتكتمل ألوان تلك اللوحة الجميلة بهذا المنظر وهذا الشكل الرائع.
 وقف"عم جمال" يتنفس الصعداء مع هذا المشهد الرائع وقد انتهى أخيراً من تنظيم الهدايا في محله الجديد ليكون بجانب ولده الذي يعمل في "أزاهير غازاتوا"، مهندس معماري.
 وإذا بـ"عم جمال" يشاهد خيال شخص آت من بعيد فيقضب ما بين حاجبيه عله يعرف من هو،وما إن اقترب منه حتى أكتشف أنه"عمر".تهللت أسارير"عم جمال"كالأب الملهوف على رؤية ولده وقال والإبتسامة تملأ وجهه:" عمر! أأنت هنا يا بني!"
فألقى"عمر" بنفسه بين أحضان الرجل العجوز مثلما قال له:"بل أنت ما الذي جاء بك هنا يا رجل يا عجوز! لم أتوقع أن أراك هنا؛ أعرف جيداً طريقة تفكيرك، ومدى ارتباطك بمكانك وبمصر".
فأمسكه"عم جمال"من يده وقال له وهو يستدير لخارج المحل:"تعالى تعالى يا عمر لأحكي لك، لا تعرف مدى سعادتي برؤيتك؛ أنا هنا من يومين فقط وأشعر بالغربة".
فجلسا أمام المحل وباغته"عمر" بالسؤال بدهشة:"كيف جئت إلى هنا؟!".
فربط"عم جمال" على رجل"عمر" وقال له:"ولدي محمود يعمل هنا مهندس وهو من ألح عليّ لآتي معه هنا، أرسل لي بطاقة دعوة،وقال لي تعال وجرب وإن لم يعجبك الوضع فلترجع إلى مصر، أو لتبقى هنا وهناك مثلما يفعل هو".
فأومأ له"عمر" برأسه وهو يقول:"نعم، رأيت"محمود هنا أكثر من مرة، لكنه لم يخبرني بمجيئك؛ لو كنت أعرف، لاستقبلتك في المطار".
رد"عم جمال":"لم أكن موافقاً على المجيء هنا، ولولا إلحاحه لما كنت هنا؛ تعرف جيداً مدى ارتباطي بمكاني وزبائني".
فقال"عمر":"أعلم ذلك، ولولا إسم المحل، لما صدقت وجودك معنا؛ على الرغم من شدة احتياجنا لك هنا يا"عم جمال".
فبادره" عم جمال" بنظرة خاطفة وقال:"وماذا سأفعل لكم هنا يا"عمر"؟!.
فأجابه"عمر":"كيف تقول هذا؟!، ألم تشاهد ما قمنا ببناءه وفعله هنا؟!، إننا قمنا بالكثير، ووجب علينا أن نكمل".
فسأله"عم جمال":"ذكر لي"محمود" أنكم تقومون ببناء مدينة عربية هنا على الطراز العربي الأصيل، لكنه لم يخبرني كيف بدأت الفكرة؟".
فأخذ"عمر" يسرد له تفاصيل بناء مدينة"أزاهير غازاتوا":"ما نحاول فعله يا"عم جمال"، هو بناء مدينة على الطراز العربي، لتكون العروس العربي للغرب".
فتعجب"عم جمال" وقال:"ولما لا نعمر مدننا وبيوتنا، أنترك بلد الآباء والأجداد لنأتي هنا!، في مكان ليس لنا".
"عمر":"لا يا"عم جمال" إنها أرضنا اشتراها رجال أعمال عرب، اتفقوا على تمديد أوصال عراقة حضارتنا هنا؛ إننا لا نأخذ أرض ليست بأرضنا ولا نقتل طفل أو امرأة أو شيخ كبير، ولا نعتدي على ما ليس لنا، بل نصدر الرقي والأخلاق والمبادئ العالية، الأخلاق التي علمتني إياها يا"عم جمال".أتتذكر عندما كنت تصر على تغليف لحمة العيد عندما كنا نوزعها معك،كنت أتأفف وأقول إنهم يريدون اللحمة فقط، لن يهتموا بتلك الشريطة، كنت تخبرني بأخلاق أمنا"عائشة" رضى الله عنها حينما تطيب النقود التي تخرجها صدقات، وأننا بذلك ندخل الفرحة على قلوبهم".
فأكمل"عم جمال" بإبتسامة حانية:"وعندما كنتم لا تريدون المشي كثيراً، لمن بعد بيته عنا".
فتذكر"عمر"وقال:"نعم، كنت تخبرنا بكمية الحسنات الأكبر التي يأخذها من ذهب بعيداً، على كل خطوة يخطوها زيادة عن غيره، كنا نتنافس على من يذهب هو بعيداً، وعندما تحدثني عن ادخار بعض من نقودي لاعطائها لمن يحتاج، وتكون سرا بيني وبين خالقي"."هذا الكرم، وهذا العطاء، وهذه الإخوة، وتلك المحبة، هى من نريد حملها؛ لنشرها للعالم أجمع".
فنظر له"عم جمال":"ومن أين نأتي بأمثالك يا"عمر"؟".
تبسم"عمر" وقال:"نحن مجموعة من الشباب تم اختيارنا لتلك المهمة وأتينا لتنفيذها أنا ومحمود إبنك وغيرنا الكثير من شباب الأمة العربية بأكملها ونحن مقتنعين بها فحملناها على أكتافنا.نحن هنا نشيد مدينة جميلة ذات طابع عربي أصيل، مثلما فعل أجدادنا المسلمون قديمًا، كانوا يقومون بالعمارة في أي مكان يقومون بفتحه، وقد أطلقنا عليها" غازاتوا "مثلما كان ينادي المصريون القدماء "غزة" الفلسطينية وهذا أقل ما نقوم بتقديمه لتلك المدينة الأبية بشعبها بعد ما حدث فيها، إننا نعمر هنا لنري العالم حقيقة ما فعله أنس وصالح و ... وشيرين وكل أبناء تلك المدينة العظيمة وغيرها".
قال"عم جمال":"فكرة رائعة تستحق العمل لأجلها فعلاً، ليتني أستطيع فعل شيء معكم، لكنت حققت أمنية"محمود" وبقيت معكم هنا".
فبادره"عمر":"ومن قال بأنني سأتركك تمشي وتتركنا، إن رسالتنا هنا يا" عم جمال" هى أنت، أنت الأصالة والرقي والعمران، أنت الحب والعطاء والنور، أنت الأصل والشرف والنبل، أنت الحضارة يا "عم جمال".
فضحك" عم جمال" وقال:"أعلم مدى حبك لي يا بني، لكنني وأنت تعلم ذلك، لا أحب أعمالكم ذات النمط الواحد باستخدامكم لتلك التكنولوجيا الحديثة، يبدو كل شيء مثل الآخر، لا جديد ولا مختلف".
فعلى صوت" عمر" بالضحك وهو يقول:"لا، لا أبداً، من أساس عملنا هو عدم استخدام التكنولوجيا إلا في حالات نادرة فقط التي تتطلب ذلك، دون المساس بأصل العمل؛ لتوضيح الطراز العربي والهوية العربية الأصيلة؛ يتطلب ذلك في غالب الأمر الحرفية لدقة أداء العمل بالشكل المطلوب، مثل محلك هذا؛ فالتصميم قام بعمله المهندس باستخدام التكنولوجيا نوعاً ما، لكن التنفيذ، بأيدي العمال المهرة".
فتبسم"عم جمال" وهو يقول:رائع، من الرائع أن نري الآخرين ثقافتنا!ونستخدم أدواتنا نحن، نعم لقد أعجبت جداً بهذا الطراز العربي الأصيل؛ وكأنني في سوق دمشق".
"عمر":"تماما يا"عم جمال" وخلفك هنا مكتبة بغداد، مقسمة لأجزاء، وجزء مكتبة الإسكندرية وجزء للمكتبة الوطنية والجامعية في البوسنة، أتذكرها ؟".
أومأ له"عم جمال" برأسه أي نعم.
فاستطرد"عمر":"وجزء لمكتبة البلدية التي في غزة، ليكونوا شهداء على تاريخ العلم والثقافة لدينا، وفي بداية المدينة يوجد خان الخليل وحديقة الأزهر". 
فضحك"عم جمال" وهو يمازح عمر قائلا:إذا، بقي الأهرامات وأبي الهول يحمينا جميعا".
فبادله"عمر" الضحك وقال:"لا يا "عم جمال" إننا فقط نبني متنزه لنا هنا؛ نأتي إليه بين الحين والآخر، أما الأصل فهناك بالتأكيد".
وأخذ وضعية الجد فنظر إلى وجه"عم جمال" مباشرة وهو يقول:"أمازلت على رأيك؟، ولا تريد البقاء معنا؟".
"عم جمال":"مازلت لا أعرف، لم أتخذ قراري بعد".
 فاقترب"عمر" منه أكثر وهو يقول:"إنهم مبهورون بحضارتنا يا"عم جمال" وبما نقوم به، إننا نعمل على إظهار حضارتنا وبديع صنعنا، ننشر الرقي والأخلاق الحميدة، نعمل على إمتاع العقول بالإبداع والتطور، وليس العربدة أو الفسوق، بمنهج لنا".
"عم جمال":كم يعجبني حديثك يا عمر كعادتك، لكن تعرف عاداتي في التعلق بمكاني".
فربط"عمر" على رجل"عم جمال" وهما مازالا جالسان أمام المحل الجديد وقال له:
"أعلم جيداً أصالتك يا"عم جمال"، لكننا حقا بحاجة هنا لأمثالك معنا؛ لتهدينا جميعا للصواب وتعلمنا الأصالة والمبدأ".
فتنهد"عم جمال" وقال وهو ينظر لعمر:"يا لك من مقنع، سيفرح محمود جدا بذلك".
فتهللت أسارير"عمر"وقال بحماسته المعتادة:
"بل كلنا يا"عم جمال"، كلنا سنفرح بوجودك معنا".
واقترب من وجهه مبتسما وهو يربط على يده ويقول:"أهلاً بك في أزاهير يا رجل يا عجوز".
فتبسم"عم جمال" وهو يقول:"نعم سيحملها معكم الرجل العجوز، وإن كانت صحيح رسالتنا فلنحملها".
#قصص قصيرة.

مشاركة
نشرة مها محمد البريدية

نشرة مها محمد البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة مها محمد البريدية