متى نشعر بأمهاتنا؟
أكتب هذه النشرة من مكتبي في العمل، وبجانبي مناديل ومسكنات تساندني في معركتي الصغيرة مع الإنفلونزا. لا أعلم إن كانت مشاعر التعب هي ما جعلتني أكتب اليوم، أم أن هذه التساؤلات تستحق فعلًا أن تجد لها مساحة هنا.
لكنني أعرف أنني، وأنا أحاول أن أتعافى من الإنفلونزا، شعرت بأمي..
من قال إننا لا نشعر بأمهاتنا حقًا إلا حين ننجب أطفالًا، أو نصبح أمهات وآباء؟
حين اغتربت، وبدأت أخوض تجربة المسؤولية وحدي، وأمرض وحدي، وأحاول أن أتماسك حين لا أجد من يساندني في تفاصيل يومي الصغيرة، اكتشفت شيئًا لم أكن أراه من قبل..
فنحن عائلة كبيرة، وأنا وتوأمي ليالي أصغر أبنائها, رحل أبي، رحمه الله،
ونحن في الخامسة عشرة من عمرنا، وترك خلفه أمًا وأبناءً وبنات، ومسؤوليات لم تكن بسيطة أبدًا.
وجدت أمي نفسها أمًا وأبًا في آنٍ واحد؛ من ميزانية المنزل إلى المصروف المدرسي، ومن احتياجاتنا اليومية إلى كل ما تتطلبه الحياة, من أم تحاول أن تمنح أبناءها حياة مستقرة، رغم كل ما تغيّر حولهم.
وما زلت أتساءل: كيف استطاعت؟
مؤكد قبل ذلك كانت قوة الله تساندها. لكنني لم أرها تسأم يومًا من مسؤولياتها، أو تشعرنا بأنها كرهت الحياة التي فُرضت عليها فجأة, كانت محبة، وداعمة، ومرحة.. كيف استطاعت أن تحتفظ بكل هذا اللطف والرقة، بينما كانت الظروف من حولنا تكاد تكون من أصعب ما يمكن؟
لا يعني ذلك أنها لم تضعف، أو لم تبكِ، أو لم تشعر بثقل ما تحمله, لا بد أنها مرّت بلحظات لم تكن فيها بخير، لكنها كانت تمسح دموعها سريعًا، وكأنها تخشى أن نضعف إذا رأينا ضعفها، أو أن تفقدنا الطمأنينة التي كانت تحاول أن تصنعها لنا.
واليوم، وأنا في مكتبي، أقاوم الإنفلونزا، وأحسب طاقتي على إكمال يوم العمل، وأفكر في العودة إلى المنزل لأرتاح، وجدت نفسي أقارن تعبي بتعبها, أنا التي مرضت، وليس حولي أبناء يحتاجون إلى وجودي، ولا منزل ينتظر مني أن أستمر في إدارته، ولا مسؤوليات تتوقف لأنني لست بخير.
ومع ذلك، شعرت بالتعب..
فكيف كانت تفعلها أمي؟
كيف كانت تستمر؟ وكيف كانت تمنحنا كل ذلك الحب والاهتمام،
حتى في الأيام التي ربما لم يكن لديها فيها ما يكفي منه لنفسها؟
لأول مرة، لم أفكر في أمي باعتبارها أمي فقط، بل فكرت فيها كامرأة, امرأة فقدت شريك حياتها في منتصف الطريق، ثم اضطرت إلى إكمال الطريق الذي بدأته برفقته، وهي تحمل أبناءها ومسؤولياتهم..
ربما لا نعرف حجم ما حملته أمهاتنا، إلا حين نجد أنفسنا نحمل جزءًا صغيرًا مما حملنه.
لا أعرف إن كانت هذه هي ضريبة النضج، أم أن المسافة وحدها هي التي تجعلنا نرى الأشياء بوضوح أكبر,
لكنني أعرف أن الغربة لم تعلمني كيف أعتني بنفسي فحسب؛ بل جعلتني أرى أمي بطريقة مختلفة.
أصبحت أفهم أن وراء كل أم تبدو قوية، أيامًا ربما لم تكن تملك فيها رفاهية الانهيار, وأن بعض الأمهات لا يتوقفن عن العطاء لأنهن لا يتعبن، بل لأن هناك من يعتمد عليهن، ولأن الحياة لا تنتظر دائمًا حتى يستعد الإنسان لها.
وأكثر ما يؤلمني اليوم، أنني لم أكن أرى كل ذلك حين كنت أعيش في كنفها.. كنت أرى أمي، وأرى ما تفعله من أجلي، لكنني لم أكن أعرف تمامًا ماذا يعني أن تكون هي الشخص الذي يجب أن يجد الحل، ويحتوي الخوف، ويواصل يومه، حتى حين يكون هو نفسه بحاجة إلى من يحتويه.
أمي، لا أعرف إن كنتِ تعلمين أن إنفلونزا صغيرة في غربتي جعلتني أفكر في كل ما مررتِ به, لكنها جعلتني أتمنى لو استطعت أن أعود قليلًا إلى تلك الأيام، لا لأغيّر شيئًا، بل لأراكِ أنتِ أيضًا؛ لا الأم التي كانت ترعانا فحسب، بل المرأة التي كانت تحاول أن تكون بخير من أجلنا.
كلما فكرت في أمي، أدركت أنني كنت أراها دائمًا في الصورة التي اعتدت عليها؛ أمي التي تعرف كيف تتصرف، وتعرف ما نحتاج إليه، وتجد حلًا لكل مشكلة, لم يخطر لي أن أسأل نفسي يومًا: من أين كانت تستمد كل هذه القوة؟ وهل كانت تملكها فعلًا، أم أن الحياة لم تمنحها خيارًا آخر؟
ربما نظلم أمهاتنا حين نعتاد قوتهن، فننسى أن القوة لا تعني غياب التعب،
وأن الاعتياد على العطاء لا يعني أن صاحبه لا يحتاج إلى من يعطيه.
وربما لا تكبر محبتنا لهن بقدر ما تكبر قدرتنا على فهمها؛ فنكتشف،
مع كل تجربة جديدة، تفاصيل صغيرة لم نكن نراها، وتضحيات لم نكن ندرك أنها تضحيات أصلًا!
بعض الحب لا نفهم عمقه حين نعيشه، بل حين نكبر بما يكفي لندرك كم كلّف صاحبه !
وأنا اليوم، في غربتي، لا أملك إلا أن أتمنى لو كنت قريبة من أمي، ولو أنني أستطيع أن أحتضنها طويلًا، دون مناسبة أو سبب، فقط لأنني بدأت أفهم..
بدأت أفهم أن وراء كل يوم عادي عشنا فيه بأمان، امرأة ربما كان عليها أن تواجه مخاوفها وحدها،
وأنها حين أكملت الطريق بعد أبي، لم تكن مطالبة بأن تكون قوية طوال الوقت، لكنها فعلت ما استطاعت، وأعطتنا من قلبها ما جعلنا نواصل حياتنا.
رحم الله أبي، وأطال الله في عمر أمي، وأعانها على كل ما حملته من أجلنا..
أما سؤالي اليوم، فليس عن الأمومة، ولا عن عدد الأطفال الذين ننجبهم،
ولا عن اللحظة التي نصبح فيها أمهات وآباء..
متى كانت آخر مرة نظرت فيها إلى أمك، لا باعتبارها أمك التي اعتدت وجودها، بل باعتبارها إنسانة لها تعبها ومخاوفها وحكايتها التي ربما لم تروِيها لك كاملة؟
التعليقات