ما لم تعلمني إياه الشهادات… علمتني به الحياة ( محطات في حياتي ج/٢ ) |
||
| 3 مايو 2026 • بواسطة د. هلال الهلال • #العدد 210 • عرض في المتصفح | ||
|
ساعات، أكثر ما يصنع الإنسان ليس ما درسه……… بل ما اضطر أن يعبره.
|
||
|
|
||
|
||
وهم نرضعه منذ الصغر؛ |
||
|
أن قاعات الجامعات هي ما يبني الإنسان، وأن رفوف المكتبات تكفي لفهم تعقيدات الحياة. |
||
|
لكننا نكتشف، ربما متأخرين، أن هناك أشياء لا تُلقن في المدرجات.. |
||
|
. |
||
|
أشياء لا تتعلمها إلا حين تضيق بك الطرقات. |
||
|
حين تتأخر عليك الدنيا.. |
||
|
حين تجد نفسك في عمل لم تتخيل يوماً أن تفعله.. |
||
|
حين يختبر المرض هشاشة جسدك.. |
||
|
حين تذوق طعم الخوف الصامت.. |
||
|
وحين تعود حياً من حافةٍ ظننت أنك لن تعود منها أبداً. |
||
|
. |
||
الشهادات منحتني الكثير، نعم. لكنها لم تمنحني "البصيرة". |
||
|
البصيرة منحتني إياها الحياة؛ طفل في ال 14، يقف خلف "بسطة" في الشارع أيام الغزو. |
||
|
يبيع، |
||
|
يوصل الطلبات، |
||
|
ويفعل ما قد يراه البعض صغيراً، بينما كان هذا الصغير يبني في داخلي شيئاً هائلاً. |
||
|
تعلمت هناك أن السعي للرزق ليس عيباً، وأن الكرامة لا ترتبط بمنصب، وأن من يبدأ من الصفر، يرى في وجوه الناس وتعرجات الحياة ما لا يراه من سلك طريقاً ممهداً. |
||
|
. |
||
|
وفي أيام الغزو، تعلمت درساً أقسى. تعلمت كيف يشيخ الإنسان قبل أوانه. |
||
|
كيف تُدفع نحو المسؤولية دفعاً، وتختبر مشاعر لا تشبه طفولتك أبداً. |
||
|
أن ترى الموت، وتسمع عن الشهداء، وتترقب الخطر أو الاعتقال في كل لحظة. هناك، أدركت أن الحياة ليست مضمونة لأحد، وأن النعمة زوالة إن لم تُحفظ، وأن الكرامة ليست مجرد كلمة تُنطق.. بل هي موقف يُعاش. |
||
| *** | ||
ثم جاءت محطات المرض. |
||
|
بعد أشق أيام المراهقة، حين كنت أمشي 10 كيلومترات يومياً في شوارع الكويت، تحت كل تقلبات الطقس، 5 للذهاب ومثلها للإياب، وصولاً إلى أروقة كلية الهندسة. |
||
|
كنت أظن أن المشقة الجسدية هي أقسى ما في الأمر.. ثم تهاوى الجسد. |
||
|
وهنا تبدلت العدسة التي أرى بها العالم. |
||
|
المرض لا يختبر خلايا جسدك فقط، بل يختبر إيمانك، صبرك، ويقينك. يعيد تشكيل نظرتك للوقت، للناس، ولنفسك. |
||
|
بعد تلك المحطات |
||
|
. |
||
|
تسقط الأسئلة السطحية لتولد أسئلة الوجود: |
||
|
1- كيف أعيش كما ينبغي؟ ما الذي يستحق فعلاً أن أمنحه وقتي؟ |
||
|
2- وما الذي يجب أن أؤجله.. ولماذا؟ من الذي سيبقى حين تشتد العاصفة؟ |
||
|
3- ومن كان مجرد "ظل" يرافقني فقط في الأيام المشمسة؟ |
||
|
. |
||
الشدة تفرز |
||
|
يا أصدقائي.. هذه حقيقة. في الرخاء يكثر الضجيج، وفي التعب تختنق الأصوات. |
||
|
لا يبقى معك في القاع إلا الصادقون، وهم قلة. |
||
|
أدركت حينها أن الإنسان في لحظات الانكسار لا يحتاج إلى دفعة للأمام، بقدر ما يحتاج إلى رحمة. |
||
|
لا يحتاج إلى تحفيز عال يصم الآذان، بقدر ما يحتاج إلى شخص واحد يرى ثقل الحمل الذي في داخله. |
||
| *** | ||
|
لذلك، كلما تقدم بي العمر، تيقنت أن النضج الحقيقي ليس في أن "تعرف" أكثر.. |
||
|
بل في أن "ترى" أوضح. أن ترى ما لا يُرى بالعين المجردة: |
||
|
||
|
هذه الأشياء لم تدخل قلبي من محاضرة منمقة. |
||
|
بل تسللت إليّ من الخسارات، من التعب، ومن العودة والوقوف مرة أخرى بعد كل انكسار ظننت عنده أن الطريق قد انتهى. |
||
|
أحياناً، أشبه الإنسان بالنخلة. النخلة لا تستمد قوتها لأنها عاشت بمعزل عن العواصف، بل لأنها واجهت الريح طويلاً.. |
||
|
حتى أصبح الثبات جزءاً من جذورها وتكوينها. |
||
|
. |
||
|
وهكذا نحن.. ما يصنعنا ليس فقط ما درسناه، بل ما احتملناه، وما تجاوزناه، وما استوعبناه ونحن نحاول جاهدين ألا نسقط. |
||
الخلاصة؟ |
||
|
الشهادة تمنحك "العِلم"، لكن الحياة وحدها تمنحك "البصيرة". |
||
|
والإنسان يحتاج كليهما، لكن الثانية هي من تلين قلبه، وتعقل صوته، وتجعله أصدق مع نفسه ومع الآخرين. |
||
|
وكما قال جبران خليل جبران يوماً: |
||
|
||
وأنت... ما هو الدرس الذي حفرته الحياة فيك، وعجزت كل شهادات الأرض عن تعليمه لك؟ |
||



التعليقات