لو أطاعونا ما قُتلوا.. |
| 2 يناير 2026 • بواسطة فريق عَون • #العدد 1 • عرض في المتصفح |
|
|
|
|
|
بِسم الله، والصّلاة والسَّلامُ على رسول الله، وبعد: |
|
وصف موسى بن عقبة ما أصابَ المسلمين بعد غزوة أحدٍ فقال: |
|
وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين، في المَكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المسلمين، وظهر غشُّ اليهود، وفَارت المدينة بالنفاق فَورَ المرجل، وقالت: اليهود لو كَان نبيًا ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب، ولكنه طَالبُ ملك؛ تكون له الدولة وعليه.وقال المنافقون مثل قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم، فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق، وتعزية المسلمين -يعني فيمن قُتل منهم-، فقال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران ١٢١] الآيات كلّها. البداية والنهاية [٥ / ٤٥٣] |
|
وفي زماننا هذا، ومع مضي مئات السنين على ذلك الحدث، لا تزال بذرة المنافقين التي غرسوها تُخرج ثِمارها الرديئة، وتُعيد ذاتَ عباراتهم الركيكة، وتكرر قولهم الذي هو من صميم منهجهم الفاسد، وعنوانٌ من عناوينه الدّنيئة: (لو أطاعونا ما قُتلوا). |
|
فما هي حقيقةُ هذا القول؟ |
| *** |
|
شاء الله عز وجل بحكمته أن يجعل هذه الدّنيا دار ابتلاء واختبارٍ، فخلق الخَلق، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وجعلهم مبشّرين ومنذرين، فمن أطاعهم دخل الجنة، ومن عصاهم دخل النّار. |
|
ثم أيد الله هؤلاء الرسل بتأييده، وأمدّهم بجنده، وقوّاهم بمعيّته، ووعد بنصرهم وإنجائهم ومن تبعهم، وإظهار الحق الذي جاؤوا به على الباطل ولو بعد حين. |
|
وقدّر تعالى للنصر أسبابًا وسُننًا، وجعل الأيام دُوَلًا، وسبقت كلمته في أن العلوّ والغلبة لرسله ولعباده المؤمنين، فمن أخلف أسباب النّصر: نقص الله عن المُخلِف من الغلبة والنصر بقدر ما أخلف من أسبابه، وسلّط عليه أعدائه الكافرين بقدر ذلك، إلا أنه كتب سبحانه في عاقبة الأمر أن العاقبة للمتقين. |
|
قال ابن كثير في قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾: |
|
ويحتمل أن يكون المراد: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أي: في الدنيا، بأن يُسلَّطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفرٌ في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [المائدة: ٥٢]. تفسير ابن كثير ط. العلمية [٢ / ٣٨٦] |
|
وسُنة المداولة والمدافعة بين الحقِّ والباطل، ما زالت موجودة من لدن آدم -ومن عهد نبينا صلى الله عليه وسلم خاصَّة- إلى يومنا هذا، وما زال أتباعه -صلى الله عليه وسلم- من بعده، يُداول الله لهم بين الأيام، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. |
|
عن أبي سفيان رضي الله عنه: (أنَّ هِرَقْلَ قَالَ له: سَأَلْتُكَ كيفَ كانَ قِتَالُكُمْ إيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ ودُوَلٌ، فَكَذلكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لهمُ العَاقِبَةُ). |
|
وكلُّ ما جرى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانَ بِحكمة -وأفعال الله كلّها حِكمة- لأن الزّمانَ زمانُ تشريع، وما ينزل الله من الآيات في تلك الأحداث: هي دستور لكلّ المسلمين بعدها، فالوحي -بإجماع المسلمين- صالحٌ لكلّ زمان ومكان، وليس مقتصرًا على زمان معيّن. |
|
ولذلك، فمرجعنا في كلّ النوازل التي تنزل بالأمة الإسلامية: كتاب الله وسُنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال الشَّافعي -رحمه الله-: |
|
فليست تنزلُ بأحدٍ من أهل دين الله نازلةٌ، إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها. الرسالة للشافعي ص٢٠. |
| *** |
|
ومما جرى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحداث العظيمة: حدثٌ عظيم، كان وقعه على المسلمين ثقيلًا شديدًا، إلا أن الله جعل في ذلك الحدث، والذي كان ظاهره خسارة وشرًا: خيرًا كبيرًا، وبركاتٍ عظيمة، وآيات جليلة، لا تزال تتلى إلى يوم القيامة، ولا يزال عباد الله المؤمنين يعملون بها ويهتدون بهديها مقتبسين من نورها وخيرها، مصحّحة لمفاهيمهم، مطمئنةً لقلوبهم، جابرةً لكسرهم، ولا زال غيرهم -إلى اليوم- يعمون أبصارهم عن تلك الأنوار، ويعيدون ذات أقوال المنافقين في عصر النبّوة، لكن بكلماتٍ مختلفة، وأسلوب "عصريّ"، ولغةٍ كاذبة، تلبس ثوب الصّدق والنُّصح! |
|
ألا وهو وقعة أحد، وما أدراك ما وقعة أحد! |
|
في العام الثاني للهجرة، لما خرج جيش المسلمين حتى وقف أمام جيش المشركين، وتهيئ الجيشان للقتال: التحما، واشتدّت المعركة، وحمي الوطيس، ولاحت في الأفق ملامح نصر المسلمين، حتى يقول البراء رضي الله عنه واصفًا نساء المُشركين: (حتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ في الجَبَلِ، رَفَعْنَ عن سُوقِهِنَّ، قدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ). |
|
حينها: خالف الرماة أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يثبتوا على الجبل الذي أمرهم بالثبات عليه، وسارعوا لأخذ الغنائم، فالتف عليهم المشركون، وانقلبت موازين المعركة، واشتدّت وطأة المشركين، حتى شُجّ وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وفرَّ كثيرٌ من المسلمين، وقتل من الصحابة خلق نيفوا السبعين. |
|
في هذه اللحظة العصيبة: أشرف أبو سفيان على المسلمين وجعل يقول: «اعلُ هُبَل»، ثم قال: «يومٌ بيوم بدر، والحَرب سِجال». |
|
فماذا كان موقف المنافقين من هذا الحدث العصيب؟ وما أنزل الله في ذلك من الآيات؟ |
| *** |
|
ترى في آيات آل عمران؛ رحمة الله العظيمة بعباده المؤمنين، الذين امتثلوا لأمره وجاهدوا في سبيله، كيف يثبّتهم الله سبحانه، ويصبّرهم، ويعدهم بالخير والفضل من عنده، وكيف ينهاهم عن الوهن والحُزن، يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] ثم يخبر أن العدو قد أصابه مثل الذي أصابهم فيقول: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]، ويخبرهم سبحانه بحكمٍ من حكمه العليّة سبحانه فيما حدث لهم فيقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 140 - 142]، وما أعظم هذه الحكم! |
|
ويخبرهم أنهم وإن أصابهم القرح، ونزل بهم من الضُّر ما نزل، فهو معهم، متولّيهم وناصرهم، فيقول: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 150]، ويعلّق قلوبهم بولايته وبنصره فيقول: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160]، ويخبرهم أنه عفا عنهم سبحانه فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 155]، إلى غير ذلك من الآيات. |
|
خيراتٌ عظيمة يعجز اللسان والبيان عن وصف ما فيها من الحكمة والرَّحمة والعدل، وقد جعل سبحانه وتعالى كلَّ هذا الجزاء لعباده المؤمنين، كيف لا وقد قاموا بأمره وجاهدوا في سبيله، والمجاهدُ عزيزٌ عند الله! |
|
وفي الطرف الآخر، تقف الطائفة المنافقة، -كعادتها- في التخلّف عن كل مقام عالٍ، والرضا -من كل المطالب بالشريفة- بأخسِّ المطالب وأدنى الهمم وأخسأ الأقوال. |
| *** |
|
من أبرز حِكم الهزيمة في وقعة أحد: تمييز المنافقين عن المؤمنين، ولو لم يكن من حِكم وقوع الهزيمة في صفّ المسلمين إلا تميّز المؤمنين عن المنافقين: لكفى بذلك حكمة. |
|
قال تعالى -بعد ذكر جملةٍ من كلام المنافقين-: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أي: يختبركم بما جَرى عليكم، وليمحّص بذلك الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وعند الأزمات: تتكشِّف الحقائق، وتظهر السّرائر، ويتبين الخبيث منها من الطيّب. |
|
قال ابن القيم -يذكر من حِكَم وقعة أحد-: |
|
«ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يومَ بدرٍ وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حكمةُ الله عز وجل أن سبَّب لعباده محنةً ميَّزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة وتكلَّموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبَّآتهم وعاد تلويحُهم تصريحًا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًّا في نفس دُورهم وهم معهم لا يفارقونهم فاستعَدُّوا لهم وتحرَّزُوا منهم». زاد المعاد ط. عطاءات العلم [٣ / ٢٥٤]. |
|
ولذلك؛ فقد تكرر كثيرًا ذكر المنافقين وأقوالهم وسِماتهم في طيّ الحديث عن هذه الغزوة في القرآن، وفي غيرها من الغزوات، والمعني في هذا المقام هُنا: ذكر شبهتهم المتمثلة في قولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، وقد ذُكرت هذه المقولة في ثلاثة مواضع متقاربة، مما يُبرز أهميّة التنبه لها، والتحذير من أن ينخدع المؤمن بها. |
| *** |
الموضع الأول: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154] |
|
يُهدّج المنافقون أصواتهم بنبرة الأسى، ويصبغونها بالحكمة، يرون أنّهم أهل الرأي، وأهل المشورة، والأعلم بالمصلحة، والأحرص على حفظ دماء المسلمين، يقولون: «لو كان لنا من الأمر شيء!» أي: مالنا رأي ولا مشورة، ولو وُكل الأمر إلينا لما كانت هذه الهزيمة! |
|
وهذه تزكية منهم لأنفسهم -على دناءتها- وتسفيه لرأي رسول الله ﷺ وأصحابه، وكأنهم هم أحرص منهم على الخير وأدرى بالمصلحة. |
|
وتسفيه رأي رسول الله ﷺ -وإن كان منكرًا عظيمًا لأن رأيه ﷺ ليس فوقه رأي-، إلا أن المنافقين يتبّعون ذات المنهج إلى اليوم، يُنصبون أنفسهم -وهم ما لهم شغلٌ إلا الاتكاء على أرائكهم- في أماكن من أفنوا أعمارهم في الجهاد في سبيل الله تعالى والنُّصرة لدينه والحرص على إعلاء كلمته، حتى إذا استوعب عباد الله المجاهدون جُهدهم في نصرة الدّين، فقدّر الله لهم بحكمته شيئًا غيرَ النصر، ظهر المنافقون فجأة، وأبوا إلا إبداء آرائهم "الحكيمة" ومقولاتهم "السّديدة"، التي يرون فيها كلّ المصلحة، ولكن وأسفاه! «لو كان لنا من الأمر شيء»! |
|
يردّ الله عليهم سبحانه فيقول: ﴿قلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، وتأمّل هذا البيان العَجيب لحقيقة القدر، وأن الأسباب لا تنفع شيئًا إذا عارضها القضاء والقدر، ولو أن الله لو أراد شيئًا لكان، وإن كانت الأسباب في الميزان الأرضيّ منعدمة! |
|
فلو قدّر الله سبحانه أن يموت فلانٌ وفلانٌ..، في الموضع الفلانيّ، لخرجوا من بيوتهم حتى يبلغوا المواضع التي كتب الله لهم الموتَ فيها، هكذا! وإن لم يكن ثمّ غزوة، أو تهديد، أو أيّ سبب محتمل للموت، فقضاء الله نافذ وإن عُدمت الأسباب، فما للمنافقين كيف يحكمون؟ |
|
قال ابن عاشور رحمه الله في تفسير هذه الآية: |
|
«وهذا الجوابُ جارٍ على الحقيقة، وهي جريان الأشياء على قدر من الله والتسليم لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتضٍ ترك الأسباب، لأن قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومين لنا إلا بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسَّعي فيما عساه أن يكون كاشفًا عن مصادفة الله لمأمولنا، فإن استفرغنا جهودنا وحُرمنا المأمول، علمنا أن قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا، فأما ترك الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منا، وإعراض عما أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدر». التحرير والتنوير [٤ / ١٣٨]. |
|
وهذا القول عند رؤية الهزيمة: تنصلٌ منهم مما حصل، وتبرئة لأنفسهم من أن يقعوا في الخطأ، وهذا طبع المنافقين وعادتهم، التي أخبر عنها الله في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 141]. |
|
فتجدهم يسلكون كلّ المسالك، من الكَذب والخِداع والمَكر وغير ذلك، ليصلوا إلى نتيجة واحدة: وهي أنّهم كانوا على صواب. |
|
وليسَ هذا بمستغرب على من لا همّ له إلا دنياه، فالمنافقون لا يعنيهم سوى النجاة الدنيوية، وميزان النجاح والخسارة بالنسبة لهم راجعٌ إلى نسبة التقدم والتأخر في الميزان الدنيوي، وهو الذي يقيسون عليه. |
|
فإن رأوا ما نزل بالمسلمين من الجوع والنّصب والقَتل -في سبيل الله- رأوا ذلك شرًا وخسارة عظيمة، وفي المقابل: فالرّخاء الدنيوي عندهم هو علامة السلامة، وميزان النّجاح، فتحقق الرخاء الدنيوي -ولو مع الانهزام عن أمر الله سبحانه وارتكاب معاصيه- خيرٌ عندهم من تحمّل المشاق في سبيله. |
|
وغنيٌ عن الذكر بأن ميزان الوحي مختلف تمامًا عن هذه النظرة النّفاقية. |
|
المؤمن ممتثل لأمر الله تعالى ومجاهد في سبيله، سواءً كتب الله عليه النصر أو الهزيمة، فإن عليه السّعي لا النتيجة، وفساد النتيجة -في ميزان النّاس والدنيا- لا يعني خطأ السعي، وفساد القرار! |
|
فمع أن الهزيمة في وقعة أحد كانت بسبب تقصيرٍ من المسلمين: فلم يَعدّ الوقعة -قرارًا خاطئًا- سِوى المنافقين! أما في ميزان الوحي فانظر ماذا أنزل الله على المؤمنين في هذه الوقعة من الآيات العظيمة والنّعم الجليلة. |
|
وقد سمّى الله الشهادة إحدى الحسنيين، بل إن السرية التي جاهدت في سبيل الله فأخفقت وأصابت: تمّ أجرها، والتي جاهدت لإعلاء كلمة الله فانتصرت: تعجّلت ثلثي أجرها، قال ﷺ: «ما مِن غازِيَةٍ، أوْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فَتَغْنَمُ وتَسْلَمُ، إلَّا كانُوا قدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وما مِن غازِيَةٍ، أوْ سَرِيَّةٍ، تُخْفِقُ وتُصابُ، إلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ». |
|
ولذلك؛ فالمؤمن الصّادق المتوكّل الذي لا يخشى إلا الله: لا ينتكس عن أمر الله عز وجل وينصرف عنه خشيةَ الهزيمة الدنيويّة، بل موقفه ثابت، ورأيه صادق، لا يتغير ويتزعزع وإن تغيرت المواقف وانقلبت النتائج. |
|
أما المنافق: فطبعه التلّون، واضطراب الرأي، وزعزعة الموقف، وما ذلك إلا لأنه غير مستند إلى الوحي محتكم إليه ثابت عليه مسلم لأمر الله، بل هو شاكٌ مضطرب خائف، لا يعنيه إلا ميزان النّاس، وهمّهُ الدنيا، وعلى أساس هذه النتيجة التي يريدها: يُحاكم ويُفكر ويتكلم، ويُعد لكل حالة جوابًا بحسب نفاقه. |
|
قال السعدي رحمه الله في قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: |
|
«﴿الذين يتربَّصون بكم﴾؛ أي: ينتظِرون الحالة التي تصيرون عليها، وتنتهون إليها من خيرٍ أو شرٍّ، قد أعدُّوا لكلِّ حالةٍ جواباً بحسب نفاقهم». تفسير السعدي [١ / ٢١٠]. |
|
فإن حصل النصر: هرعوا قائلين: ألم نكن معكم؟ ألم نعينكم ونساعدكم؟ ألم نحثّ معكم على الخير وننهى عن الشر؟. |
|
وإن كتب الله الهزيمة قالوا: لو أطاعونا ما قتلوا، لقد نهيناهم عن رمي النّفس إلى التهلكة، وتكلف ما لا قدرة لهم به، وأمرناهم بالرخص، وحثثناهم على القعود، ولقد علمنا بأن رأينا صواب وحقّ، أما ترون أنهم ما أطاعونا فُقتلوا وشُرّدوا وتعذبوا؟ |
|
وما قصّة سوريا عنّا ببعيد، فقد أنزل المنافقون بمجاهديها وقادتها من الهمز واللمز والإنكار الشيء الذي لا يوصف، حتى غدت قصّة الثورة مثالًا للتخويف والترهيب، وما ذاك إلا لأنهم رأوا قصص التعذيب، وصور الدّماء والأشلاء والدمار، التي لا تعني عندهم إلا كون ذلك شَرًا، وأن قرار الجهاد كان خاطئًا، لأن الميزان عندهم هو ميزان الدّنيا وتحقق الرخاء فيها، وكأن النّصر، وإعلاء كلمة الله عز وجل، يأتي على قطيفة حرير، دون تضحيةٍ أو شهادة! |
|
حتى إذا نصر الله عز وجل عبادَه، هرعوا قائلين: ألم نكن معكم؟! |
|
قال قتادة في قوله ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾: «ومعناه: بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قِسمة الغنيمة، يقولون: أعطنا أعطنا، فإنَّا قد شهدنا معكم!» |
|
ومع كون المسلمين كانوا يجاهدون جِهاد الطّلب، فتقع فيهم بعض الهزائم الكبيرة -المعروفة في التاريخ-: لم يعدّ العلماء ذلك تهورًا ومجازفة، فكيف بجهاد الدفع؟! |
|
عن أسلم أبي عمران قال: غَزُونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعَلَى الجماعةِ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فَحَمل رجل على العدوّ، فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: «إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام قلنا: هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد»، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. سنن أبي داود [٢٥١٢] |
| *** |
|
وتجد المنافقين لا يكفّون عن الهمز واللمز، ويُصرحون في ذلك بأشنع العبارات وأخسّها وأحقرها دون حياءٍ أو خجل، في أشدّ الأوقات وأحلكها وأصعبها على المسلمين. |
|
فتجدهم وقتَ الهزيمة: يُنكّتون، ويصفونهم بالفشل، ويفتحون الباب على مصراعيه في النقد الحادّ الهادم، وكأنهم تناسوا أن هذا الدور هو ذاته دور العدوّ الكافر، وما الفرق بينهم وبينه إلا أن العدوّ يَقاتل بسلاحه وهؤلاء يقاتلون بألسنتهم، وقد تصدّروا لهذه المهمة بكل أمانةٍ وإخلاص و"حرصٍ على دماء الأبرياء"! |
|
والصفّ صفان: صف الكفار وصف المسلمين، فالذي لا يُسلّم المسلمين من لسانه -وإن أخطؤوا- ففي أيّ صفٍ هو؟ ليُجِب عن هذا السؤال بنفسه! |
|
ووقوع المسلمينَ في خطأٍ -على فَرَض ذلك- لا يُسوّغ للمسلمِ منهم أن يتنصّل من دينه بالكُلية ويقف في صف الكفّار ضد إخوانه! فما أشبه هؤلاء بمن يذكر الله تعالى إحاطة علمه بهم ومعرفته بحقيقتهم: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا﴾ ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩] |
|
وهاهنا مثالان: |
|
الأول: حديثٌ رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال: «بَعَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ إلى بَنِي جَذِيمَةَ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أنْ يقولوا أسْلَمْنَا، فَقالوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ ويَأْسِرُ، ودَفَعَ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أسِيرَهُ، فأمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا أنْ يَقْتُلَ أسِيرَهُ، فَقُلتُ: واللَّهِ لا أقْتُلُ أسِيرِي، ولَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِن أصْحَابِي أسِيرَهُ، فَذَكَرْنَا ذلكَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ ممَّا صَنَعَ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ مَرَّتَيْنِ». |
|
ومع ذلك: فلم يعزل النبي ﷺ خالدًا، بل أبقاه قائدًا على جيوش المسلمين، رغم كونه أخطأ بقتل نفوسٍ لا يجوز قتلها. |
|
الثاني: بعث النبي ﷺ سرية وأمَّر عليها عبد الله بن جحش، وكان ذاك في شهر حرام، فتأوّل الصحابة رضي الله عنهم فقتلوا رجالًا من المشركين، فأنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وقال: ما أمرتكم بقتال في الشّهر الحرام! فوجدت قريش لذلك مقالًا، وتعنّتت، وجعلت تنكر بذلك على النبي ﷺ وأصحابه، حتى اشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: ﴿يسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ هنا الإقرار بالخطأ الذي وقع فيه الصحابة رضي الله عنهم، ثمَّ جاء الردّ على المشركين: ﴿صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. |
|
قال ابن القيم: |
|
والمقصودُ أَنَّ اللَّه سبحانه وتعالى حَكَم بين أوليائه وأعدائه بالعدلِ والإنصافِ، ولم يُبَرِّئ أولياءَهُ من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهرِ الحرام، بل أخبر أنَّه كبيرٌ، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبَرُ وأعظَمُ من مُجَرَّد القتال في الشهر الحرام، فهم أحَق بالذمِّ والعيب والعقوبةِ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقَصِّرِين نوعَ تقصيرٍ يغفره اللَّه لهم في جَنبِ ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرةِ مع رسوله -ﷺ-، وإيثارِ ما عِند اللَّه، فهم كما قيل: وإذا الحبيبُ أتَى بِذَنْبٍ واحِدٍ ... جاءَتْ مَحَاسِنُهُ بألْفِ شَفِيعِ..فكيفَ يُقاس بِبَغِيض عدوٍ جاء بكل قَبِيح، ولم يأتِ بشَفِيعٍ واحدٍ من المحاسِنِ. زاد المعاد ط.عطاءات العلم [٣ / ١٩٩] |
|
فما لِلمنافقين -إن كانوا صادقين في تجرّدهم وحرصهم- لا يسلم من ألسنتهم إلا الكَفرة واليهود؟ |
|
أما المؤمن؛ فهو عبدُ الله في السرّاء والضرّاء، ليس له إلا ما سعى وسعيه سوف يُرى، يبذل جهده، وعلى الله النتيجة، والله هو المتكفّل بدينه وبنصرة كلمته. |
|
قال ابن القيم -في ذكر حكم وقعة أحد-: |
|
«ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية». زاد المعاد ط. عطاءات العلم [٣ / ٢٥٥]. |
| *** |
الموضع الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156] |
|
في هذا الموضع: إعادة تنبيه وتأكيد، وأمرٌ للمؤمنين، بأن لا يتشبّهوا بالكافرين، فإن المؤمنين أهل رضا بقضاء الله وقدره وتسليم لحكمته، وأما الكفّار فليس لهم من هذا الإيمان شيء، ولا يفقهون منه شيئًا، ولذلك تصدر منهم المقالات التي تتضمن كلّ اعتراض على قضاء الله وقدره والحسرة من وقوعه. |
|
ويُبين الله في هذه الآية، عاقبة التشبّه بالكفار في الدنيا، زيادة إلى عقوبة الآخرة، فقال: ﴿ليَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، فإن فعلتم مثلهم وسلكتم سبيلهم: وقع في قلوبكم من الحسرة مثلما وقع في قلوبهم. |
|
قال ابن عاشور رحمه الله: |
|
«وكان هذا حسرة عليهم لأنهم توهموا أن مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم، وأنهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا، فلا يزالون متلهفين على ما فاتهم، والمؤمن يبذل جهده، فإذا خَاب: سلَّم لحكم القدر». التحرير والتنوير [٤ / ١٤٢]. |
|
وتجد المنافقين إلى يومك هذا، كلّما امتثل المسلمون لأمر ربهم وسارعوا في اتّباعه؛ فهُزموا أو قُتلوا، صاحوا وقالوا: «لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا» وكأنّ في جوارهم ضمان الخلود والبقاء! يقول تعالى رادًا عليهم ومثبتًا لقلوب المؤمنين: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ |
|
قال الطبري رحمه الله: |
|
«وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله = وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له = ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين». تفسير الطبري ت، التركي [٦ / ١٨١]. |
|
وقال الألوسي كذلك في تفسير الآية: |
|
﴿والله يحيي ويميت﴾: «ردٌ لقولهم الباطل إثر بيان غائلته، أي والله هو المؤثر الحقيقي في الحياة والممات وحده، لا الإقامة أو السفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف، ويميت المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم». روح المعاني [٢ / ٣١٤] |
|
ثم يقول سبحانه في آيات عظيمة: |
|
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 157 - 158]، فما دامت الميتة ميتةً واحدة، فلمَ لا تكون أشرف ميتة؟ وما دامت هذه الحياةُ حياةً واحدة، قصيرة، ضئيلة، لا تُساوي شيئًا، فلم لا يُحيى فيها بطاعة الله وامتثال أمره؟ أوليس الله عز وجل قد قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]؟ لم يُخلقوا لأجل أن يتمتعوا في هذه الدنيا ويطمئنوا إليها ويركنوا! كما أن مصلحة حفظ الدِّين مُقدّمة على مصلحة حفظ النّفس، فلا تُقدّم النفس على حساب ضياع الدّين، وهذه الجوارح إنما خُلقت ليُعبد الله عزّ وجل بها، ولذلك فتفاوت الناس في المنازل إنما هو بتفاوتهم في استعمال هذه الجوارح في طاعته، وكان أشرف الناس منزلة من باعها كلها لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ [التوبة: ١١١]، ولم تُخلق لأجل أن يُعصى الله عز وجل بها، أو أن تُسخّر للتمتّع والترفيه! |
|
يقول الطبري -رحمه الله- في عبارات نفيسة: |
|
«ولئن متم أو قتلتم، أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار». تفسير الطبري ط. التركي [٦ / ١٨٤]. |
|
أفيحشرون إلى الله مقتولين في سبيله، يبعثون تفجّر دمائهم: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، معزّزين مكرمين كأكرم ما يُتلقى به عبدٌ مسلم، وقد وفدوا إلى ربهم عز وجل ممتمثلين لأمره، شارين أنفسهم ابتغاء مرضاته، أو أن يقدموا عليه عصاة كارهين لقضائه وقدره، راغبين في الدّنيا، ظانّين أن في حياة البُيوت سلامةً من الموت؟! ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]. |
|
فلمَ تُجعل أشرف ميتة: القتل في سبيل الله، والإصابة فيه وتحمل المشاق من أجله؛ أمرًا محذورًا ينمّ عن شرٍ وخسارة! |
|
يعدّون الإصابة في سبيل الله وكأنه شيء لا ثواب عليه عليه، وليس له عند الله جزاء، وكأنه عقوبة إلهية نزلت بمن جاهد في سبيل الله لغضب الله عليهم، وهم -الذين سلمت لهم دنياهم- هم الفائزون! |
|
لو كان كذلك؛ فلمَ كل هذه الآيات العظيمة والكثيرة، في فضل الجهاد، وفضل الشهادة، وفضل الهجرة في سبيل الله، وفضل الإيذاء في سبيله، بل كل مسلم، يعرف يقينًا، أنه ما من خاتمة أفضل من هذه الخاتمة، وما من عمل له من الفضيلة مثل هذا العمل. |
|
قال أبو هريرة رضي الله عنه: «جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ: دُلَّنِي علَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ، قَالَ: لا أجِدُهُ، قَالَ: هلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ ولَا تَفْتُرَ، وتَصُومَ ولَا تُفْطِرَ؟» |
|
قال السعدي -رحمه الله- في تفسير الآية، عباراتٍ بديعة: |
|
«أخبر تعالى أنَّ القتل في سبيله أو الموت فيه؛ ليسَ فيه نقصٌ ولا محذور، وإنَّما هو مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، لأنّه سبب مفضٍ إلى مغفرة الله ورحمته، وذلك خيرٌ مما يجمعُ أهل الدنيا من دنياهم، وأنَّ الخلقَ أيضًا إذا ماتوا أو قُتلوا بأيّ حالة كانت، فإنما مرجعهم إلى الله، ومآلهم إليه، فيُجازي كلًا بعمله، فأينَ الفرار إلا إلى الله؟َ! وما للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله!» تفسير السعدي [١ / ١٥٤]. |
| *** |
الموضع الثالث: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 168] |
|
يخبر الله سبحانه في هذه الآية عن صفة أخرى من صفات هؤلاء المنافقين: أنّهم جمعوا إلى السخط على قدر الله، وتثبيط المؤمنين وتخذيلهم: القُعود، فلا هم الذين نصروا المؤمنين بأنفسهم وأموالهم، ولا هُم الذين سلّموهم من ألسنتهم. |
|
يرى ويعلم المنافقون جيّدًا، ماذا فعل الكفّار بالمؤمنين، وماذا أنزلوا بهم من النّكال والعذاب والإذلال، فلا تطرف لهم عين، ولا تهتزّ لهم شعرة، حتّى إذا ضاقَ الحال بالمؤمنين، وضاقت عليهم الأرض، فنشطوا للقيام بأمر الله سبحانه، وهيئوا أنفسهم للجهاد في سبيله، اتباعًا لأمر الله تعالى، ثم طلبًا لعزّهم وكرامتهم، فنذروا حياتهم لله، يبذلون أعمارهم وأوقاتهم وحياتهم في الجهاد، وتخطيط المعارك، وإعداد المجاهدين، وتربية النفوس على معاني الإيمان، كلّ ذلك والمنافقون متكئون على الأرائك، لا يعنيهم من أمر المسلمين شيء، حتّى إذا التحم المسلمون مع عدوّهم، معتمدين على الله متوكّلين عليه، فشاء الله بحكمته أن يؤجّل لهم النصر، حتى يمحص المؤمنين ويميز المنافقين ويتّخذ من عباده شهداء: سمعتَ حينها صياح المنافقين: (لو أطاعونا ما قُتلوا!) |
|
ولا تتعجّب من مقدار الدّناءة في نفوسهم! فمن كانت الدنيا همه فلا تظنّ بحاله غير ذاك. |
|
فإن كنتم تزعمون الحرص على دماء المسلمين، والشّفقة عليهم، فأين كُنتم عنهم حينما كانت سيوف الكفّار تقطر من دماءهم؟ وأين كنتم عنهم وهم جائعون محاصرون؟ وأين كنتم عنهم وأسراهم في سُجون الكُفر والعذاب! |
|
يرد الله سبحانه عليهم فيقول ملقنًا نبيه صلى الله عليه وسلم جواب هذه الشُّبهة: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال ابن عاشور: أي: «إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ سَبَبَ مَوْتِ إخْوانِكم هو عِصْيانُ أمْرِكم». |
|
ثم يذكر سبحانه الآيات العظيمة المشتهرة، في فضل من قُتل في سبيله، فأمّا من مات ميتة عادية فهو ميّت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وأما الشّهيد، فمن الذي زعم أنه ميتٌ أصلًا؟ بل هو حيٌ، حيٌ عند ربّه يُرزق! قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، بل إنهم من فرحهم وغبطتهم يستبشرون بإخوانهم الذين لمّا يلحقوا بهم: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170]. |
|
فحياة الشُّهداء أكملُ حياة، حياة الدّنيا الحقيقية بامتثال أمر الله سبحانه وتعالى وبيع الأرواح والأنفس في سبيله، ثم حياة البرزخ التي هي أكمل حياة وأجملُها، بل أكثر أهل المعاني على أنَّ المقصود بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]: أنَّه الجهاد، كما نقل ذلك ابن القيم في كتابه (الفوائد) عن الواحدي، ثمَّ قال: |
|
قلتُ: الجهادُ من أعظم ما يُحيِيْهم به في الدُّنيا وفي البرزخ وفي الآخرة: أما في الدُّنيا فإنَّ قوتَهم وقهرَهم لعدوِّهم بالجهاد، وأمَّا في البرزخ فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وأمَّا في الآخرة فإن حظَّ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظمُ من حظِّ غيرهم، ولهذا قال ابنُ قُتَيبة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ يعني الشهادة. الفوائد لابن القيم ص١٢٧. |
|
فانظر كيف كانت (الشّهادة) التي هي علامة الخسران عند المنافقين: الحياة الحقيقيّة، بل أعظم حياة وأتمّها! |
|
جاء في الحديث عن الشُّهداء: «أَرْوَاحُهُمْ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلكَ القَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إليهِم رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقالَ: هلْ تَشْتَهُونَ شيئًا؟ قالوا: أَيَّ شَيءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ فَفَعَلَ ذلكَ بهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِن أَنْ يُسْأَلُوا، قالوا: يا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا في أَجْسَادِنَا حتَّى نُقْتَلَ في سَبيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ ليسَ لهمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» [صحيح مسلم:١٨٨٧], |
|
ولذلك؛ فحياةٌ المنافقين هي أخسُّ حياة وأنقصها، فإنهم ميّتون وإن كانوا أحياءً، لأن الحياة الحقيقية إنما هي في طاعة الله وهم لم يقوموا بها، وهم ميّتون بعد مماتهم، ميتٌ ذكرهم. |
|
وتأمّل! الشهداء في هذه الحياة والنعيم الذي ما بعده نعيم، والمنافقون ما زالوا يتحسّرون على من "مات" بسبب عصيان أمرهم والذهاب إلى المعركة! |
| *** |
تنبيهٌ هام: |
|
لا يعني ما سبق ذكره: التهوّر والتضحية في دماء المسلمين بحجة ما ذُكر من المعاني السابقة، بل من أهم ما ينبغي مراعاته في شؤون الجهاد: الاحتياط على المسلمين ودمائهم وأعراضهم. |
|
قال الإمام أحمد: «لا يُعْجِبُنِي أنْ يخْرُجَ مع الإِمامِ أو القائِدِ إذا عُرِفَ بالهزيمَةِ، وتَضْييعِ المسلمين، وإنَّما يَغْزُو مع مَن له شَفَقَةٌ وحَيْطَةٌ على المسلمين». |
|
ولذلك؛ فليس مذمومًا من تكلم في المصالح والمفاسد في هذا الشأن: بدافع النّصح للمسلمين، والحرص عليهم، والاحتياط لدمائهم، وهو قد عُرف قبل ذلك بصحّة دينه وإيمانه، واعتنائه بأمر الله سبحانه، وتثبيت المؤمنين والمجاهدين، والحرب على أعداء الله الكَافرين، على أن يكون ذا علم وحِلم، يُقدّر المصلحة، ويُراعي ظروف الزّمان والمكان، ويعرفُ متى يتكلّم، ومتى ينصح. |
|
وإنما المذموم: من عُرف بنفاقه، أو فساد منهجه، وتسلّطه من سابق أوانه على المرابطين المُجاهدين، الثابتين على الثغّر، وقعوده عن نصرتهم في سرّاء أو ضرّاء، الذي تجده متربصًا، فإن أصاب المسلمون مصيبة يقول: قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولّى وهو فرح شامتٌ فخور، ويتعامى عن كونه وقَف في صفّ عدوه ضدّ أخيه المسلم، وإن كان أخوه المسلم وقع في خطأ أو زلّة، فهذا هو المنافق، المذموم غاية الذَمّ. |
| *** |
|
هذا، ولن يرُدّ النّفاقَ وأهله سوى ثُلّةٌ مؤمنة، أعرضوا عن آراء المنافقين، ولم يلتفتوا إلى المُثبّطين، فأفنوا أعمارهم وبذلوا أعمالهم في سبيلِ رفعةِ الإسلام، وإعلاء كلمة الحقِّ جل جلاله، فالدِّينُ لن يقومَ إلّا على أكتافِ أبناءِهِ الصّادِقين، المُجاهِدينَ الجادِّين، المؤمنين المُوقنينَ بربّ العالمين؛ لا على أكتافٍ هزيلة وقلوبٍ ضعيفة. |
|
وقد صدق في هذه الطائفة المؤمنة قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتي قائِمَةً بأَمْرِ اللهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَذَلَهُمْ ، أوْ خالَفَهُمْ، حتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللهِ وهُمْ ظاهِرُونَ علَى النَّاسِ). |
التعليقات