مَدَارجُ الاسْتِعْمَال |
| 2 فبراير 2026 • بواسطة فريق عَون • #العدد 2 • عرض في المتصفح |
|
|
|
جالسًا بين جنبي مكتبته، بين يديه كتب الحديث؛ يتأمل حديث النبي ﷺ: “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه”، ثم حانت منه التفاتة إلى هاتفه، فوقع بصره على منشور يتحدث عن القائد أبو خالد الضيف، ذاكرًا بعض خصاله، مثنّيًا بمآثره: اعتناؤه بكتاب الله، تعلّقه الشديد به، كثرة قيامه وصلاته، حرصه على الصدقة، برّه بأهله.. وغيرها من الصفات التي لا تكاد تسعها حياة عادية، فكيف بأخرى استثنائية بُذلت دقائقها وثوانيها في العمل الجهادي -ولا يخفى ما يكابده من كان هذا واقعه وموقعه-؟ |
|
لم يمرّ عليه المشهد السابق مرور الكرام.. حامت في ذهنه أفكار كثيرة متناثرة، من وحي تلك السيرة العطرة، توقف مليًّا عند التقاطع العجيب بين الحديث الآنف، وما أصابته شمس الشهادة من حياة رجل الظلّ فتكشّف، وبدأ يسائل نفسه: ما العلاقة بين الأمرين؟ ما الرابط بين الأبجديات الحياتية لرجل مثل أبي خالد، ومسيرته الجهادية الممتدة؟ |
| *** |
|
يخيّل إلى كثير منّا أنَّ أمثال هؤلاء المجاهدين كان جلّ اهتمامهم منذ بداياتهم مُنصَبًّا على الإعداد العسكري والتخطيط العملي، بصورة تكون فيها الأساس والمحور، مع قدرٍ من العبادات الفردية والأوراد التعبدية لا بدّ منه -بالتأكيد-. |
|
لكن الواقع يحكي قصة أخرى تمامًا، |
|
لقد كان الأساس مختلفًا.. |
|
بداياتهم لم تكن في معسكرات التدريب، ولا في خنادق القتال، بل في الصفّ الأول قُبيل الأذان، في قرآن الفجر، وعتمة السحر، بجناح الذلّ منخفضًا للبرّ، في حسن الخلقِ ولين الجانب، في الزهد والإنفاقِ وكثرة الذكر، ولك أن تسرح بخيالك أو ترجع إلى المصدر لتتمعن أكثر، |
|
كان جلّ يومهم ينصبّ في هذه الأعمال، والتي قد يراها البعض "عادية”، وأقل ألقًا من عمليّة استشهادية أو تضحية جسدية، فليس لهاا نفس الرنين أو ذات الأثر. |
|
لكنها في الحقيقة -وعند من كان الوحي مرجعه ومعياره في إنزال الأمور منازلها وإعطاءها مراتِبها- هي الأعمال الأحبُّ إلى المولى جَلَّ وعَلَا والأعظم في سلم التشريعات ومناسك التعبدات، مصداق ما جاء في الحديث القدسيّ ذكره: “وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه”. |
|
لنكن صادقين مع أنفسنا، هل تأخذ الفرائض والواجبات في نفوسنا حقَّها من التعظيم ومستحقَّها من الإكبار؟ هل لها من الثقل ما جعله الشارع لها من ثقل؟ أم أنّ الأولويات تلحق بما تميل له النفس من عبادات عوضًا عن الأساسيات والمركزيات؟ |
|
هذا مقياس لصحة الاستناد لمرجعية الوحي والمنهج النبوي، وضرب من الإخلاص والمحبة والصدق قلّ أن يلتفت إليه، وهنيئًا لمن كانت بوصلة محابّه وشجرة أولوياته تُسقى من ماء: "أحبّه إليه أحبّه إليّ" |
|
وهذه المساحة الدقيقة يحصل أن يعيث فيها إبليس فساده، وبخاصة لدى الصالحين، فإنه إن ما استطاع إشغالهم بالمعاصي أو المباحات، أغراهم بالمفضولات وزهدهم بالفاضل، يقول ابن القيم -رحمه الله- عن مداخل الشيطآن في إغواء عباد الرَّحمن: |
|
"المدخل السادس: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات. فأمره بها وحسنها في عينه وزينها له وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسبا وربحا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب طمع في تخسيره كماله وفضله ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل وبالمرجوح عن الراجح وبالمحبوب لله عن الأحب إليه وبالمرضي عن الأرضى له". مدارج السالكين (1 / 351). |
|
ويقول في موضع آخر: |
|
"الشيطان يشغل المؤمن بالعمل المفضول عما هو أفضل منه؛ ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول، ويحضُّه عليه، ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقل من يتنبه لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعيًا قويًّا ومحركًا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة، فإنه لا يكاد يقول: إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير، ويرى أن هذا خير، فيقول: هذا الداعي من الله، وهو معذور، ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير؛ إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجل وأفضل، وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول، وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه وأرضاها له، وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم". بدائع الفوائد (2 / 802). |
| *** |
تعظيم المركزيات: |
|
ثم وفي هذا المحراب، كانت الصناعة ومنه بدأت الانطلاق، فتدرّجوا شيئًا فشيئًا، من إصلاح أنفسهم إلى حمل هموم غيرهم، ومن التزكية إلى الجهاد، ومن بناء الذات إلى بناء الأمة، حتى إذا جاء يوم التكليف الأكبر، وضعت الأيدي على الزناد وكانت على أهبة الاستعداد، وتهيء القوم لحمل الأمانة وثابت لها نفوسهم. |
|
ولو كان أول ما فُعل عكس ما كان، لما كان من أمرهم ما كان، ولم يكن فيهم قائد إلا وكان هذا المنهاج جزءًا أصيلًا من تكوينه شرطًا لتدشينه، لا أمرًا ثانويًا أو مندوبًا، بل الأصل المفضي للفرع والمقدمة الموصلة للنتيجة، وأولى الثغور التي ثبتوا عليها؛ فاستوى الزرع على سوقه بإذن الله. |
|
هذا ابن تيميّة شيخ الإسلام الحبر الغنيّ عن التعريف، لا يبدأ يومه دون إتمام ورده ويعتبره غدوتَه إن فوّتها ذهبت قوته، |
|
وكان حيوة بن شريح إمام من أئمة زمانه يقطع درسه ليطعم الدجاج كلّما أمرته أمه، |
|
ويقول محمد بن المنكدر: "بت أغمز رجل أمي، وبات أخي يصلي ليلته، فما تسرُّني ليلته بليلتي" وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: "ما رأيت فقيهاً قط أقل صوماً من عبد الله بن مسعود، فقيل له: لم لا تصوم؟ قال: إني أختار الصلاة على الصوم، فإذا صمت ضعفت عن الصلاة"، وتأمل هذا التقرير الخطير لأهم المعايير: يقول إبراهيم النخعي: "إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه". |
|
وعن أبي العالية قال: "كنا نأتي الرجل لنأخذ عنه، فننظر إذا صلى، فإن أحسنها جلسنا إليه، وقلنا: هو لغيرها أحسن، وإن أساءها قمنا عنه وقلنا: هو لغيرها أسوأ". |
|
وقد كانت تمرّ السنين تلو السنين على سعيد ابن المسيب ولا تفوته تكبيرة الإحرام حتى عُدّت له أربعين سنة لم يفته شيء من صلاة الجماعة فيها. |
|
ونختم ضرب الأمثال بعبارة عجيبة تستدعي التركيز وتسترعي التأمل: |
|
"كل من كان في شيء من التطوع يلذُّ به؛ فجاء وقت فريضة فلم يقطع وقتها للذة التطوع فهو في تطوعه مخدوع" أبو سليمان الدّاراني. |
|
فهذا أنت حيثما شرقت ببصرك وغربت وأرجعته في أعلام الرجال وكررت؛ تجد أنهم انتهجوا الخطوات ذاتها في تعظيم المركزيّات والعناية بفرائض العبادات وأبجدياتها والانتقال منها إلى غيرها اصحابًا من غير تخلٍّ ولا نسيان بل -كانت على الدوام- الأصل والعنوان، ومن ثمّ الوسيلة إلى الفضيلة ومفتاح تحصيل الكمال. |
| *** |
لن تستبين الذّراع حتى تسلك الشِّبر: |
|
العلاقة بين الحديث وسيرة الضيف ونظام ابن تيميّة وغيرهم من الرواحل اللتي سلكت الدرب وحازت السبق، ليست مصادفة ولا محض اتفاق، اعلم يا أخي أنّ العبد إذا اعتنى بالأحبّ إلى مولاه ومليكه وقدمه على غيره، تختصر أمامه المسافات ويبلغ الغايات، وتفتح له حينئذ أبواب أخرى، وتكسر أقفال عتيدة لمساحات توارت سابقًا بالحجاب، فإذا أحسن العناية بالفرائض، هيّأه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لما بعدها، وأهّله للثغور الكبرى وأرصد له فيها موطئ أقدام، وإن أهمل ذلك، فأنّى له أن يُستعمل في الميادين العظام؟! |
|
وهنا قاعدة لا تتخلف: |
|
“لن تبلغ المسافات البعيدة، حتى تصلح ما بين يديك من القريب، ولن يرتفع سقف الممكن ما لم تستغل نطاقه الحالي” فلا تطمع أن تصل إلى آخر السّلم وقد أغفلت أولى درجاته، هذا ضربٌ من العبث، وضياع للعمر. |
| *** |
التقوى هاهنا: |
|
وتحسن هنا الإشارة -وهي من قبيل توضيح الواضحات- إلى أنّ أولى ما تشمله الفرائض وتعنيه الواجبات: (أعمال القلوب)، التي هي رحى الإسلام ومداره ودليله. |
|
وما أسهل الحديث عن المعاني الإيمانية، والانفعالات الوجدانيّة، وما أبسط البدء بالأعمال الصالحة وحشد المهمات وتركها مبتورة دون أن تحظى بتتمّة، لكن مناط الصدق يكون باستدامة الروح الايمانية الخالصة وثبات العمل وما أصعبه من عمل! شرطه التوحيد وزاده التقوى ووقوده اليقين وبعد ذلك لا تسل، ولكن أن تتخيل كيف تُفتَح أبواب الاستعمال وتُعبّد طرق العطاء والبذل: {أصلها ثابت وفرعها في السماء} لم يصل فرعها إلى السماء إلا لمّا ثبت أصلها في الأرض. |
|
قال ﷺ: "التقوى هاهنا.. التقوى هاهنا، ويشير إلى صدره، ثلاث مرّات.." |
| *** |
بركات الأولويات: |
|
من بركات جعل الفرائض والمركزيات على رأس الأولويات، -عدا عن كونها طاعات شريفة في ذاتها وامتثالًا لما يحبه المولى تَبَارَكَ وَتَعَالَى ويرضاه- أنها تصنع للعبد أرضية إيمانية صلبة، وتثبّت أوتادها كما يجب، لا تهزّها الشدائد، أو تحرقها العواصف. |
|
هَب أنّ موظفًا وُكل بأعمال كثيرة، لأهمل مع توالي الأيام -ولابد- عمله الأساسي الأهم، وإن كان موظفا نشيطًا، وذلك أنّ هذه الاستكثار -على الأكثر- مدعاة للشتات، واختلال بوصلة المركزيات، ولا يعني هذا إهمال النوافل، بل التركيز على الفرائض والعناية بها في المقام الأول، وجعلها محلّ النظر ومنطلق التدرّج كما قال ﷺ: «القصد القصدَ تبلغوا»، وهنا ملمح قصير وجدّ خطير: العناية بسلم الأولويات من أكثر ما يعين على إصلاح القلب وتزكية الذات، لما يوفره هذا التأني من تركيز واعتبار، وطول نظر، وكلّما ازدحم المكان صعب تمحيصه وملاحظة أفراده ودقائق متعلقاته، إذا في التحديد واجب والتدرّج أوجب، |
|
ولكي نزيد الأمر وضوحًا: |
|
العناية بهذه الأصول، هي في الحقيقة مفتاحٌ لغيرها، فمن أحسن استغلال سقف الممكن، وقدم الواجبات على غيرها من المستحبَّات وابتدأ بالأولويات، فتح الله له أبوابًا لم تخطر قطّ في باله، وأورثه من الخيرات ما لم يكن في حسبانه ولا نطاق توقعاته، بل إنَّ هذه العناية برهانٌ على صدق العبد في طلب رضا المولى سُبحَانَه، إذ يُقدِّم ما يُحبُّه الله، على ما تُحبُّه نفسه وتميل إليه، وإن كانت كلّها طاعات. |
|
وقد قال القائل: من خان حيّ على الصلاة يخون حيّ على الجهاد، ولا تسل عن الصلاة في المسجد الأقصى ما دمت لا تؤديها في المسجد الأدنى لباب بيتك. |
التعليقات