من جَاء مُتأخرا..
|
|
|
18 فبراير 2026
•
بواسطة فريق عَون
•
#العدد 3
•
عرض في المتصفح
|
|
|
في معنى أن تُقبل وقد سبقك الرّكب..
|
|
|
|
|
ثمة مشهدٌ صامتٌ تعتصر به قلوب كثيرة في فاتحة شهر رمضان؛ مشهدٌ لا تترجمه الألسن لكنه يضجُّ بين الحنايا، حين يُرفع الستار عن خبايا النفس، فيبصرُ المرءُ من عيوبه ما لا يُظهره لأحد؛ يبصر غفلةً قد استطال ليلُها، وبُعداً تمددت أطرافه في الروح، وأياماً انسلخت من العمر وهو يُمني النفس بأن ركاب الاستعداد آتيةٌ لا محالة.
|
|
|
حتى إذا بغته هلال رمضان، وجد نفسه ملطخًا بأدران الذنوب في ذات الموطن القاتم، بينما يرى الخلق من حوله قد تقدموا عليه بأعمالهم، وأعدوا لهذا الموسم خرائط مرسومة، وخططا مزدانة، وحماساً يكاد يحلق بقلوبهم إقبالاً على الله.حينها، يرتعد الفؤاد بسؤالٍ يغص به الحلق: "هل لي من مكان في ركاب هذا الشهر مع فرط تقصيري؟". هاهنا كلماتٌ تُزجى لكل قلبٍ يستبدُّ به هذا السؤال، قبل أن تمضي أيام الغفران وهو لا يزال يرقب سباق المتسابقين من بعيد، متوهماً أن الباب قد أُوصد دون وجهه. الحقيقة التي يجب أن تستقر في روعك: أن هذا الشهر لم يأتِ للأقوياء المستعدين فحسب، وأنه جُعل لأجلك أنت أيضًا، جاء للمنكسر الذي أعوزه الزاد، وللمثقل الذي ضلَّ عنه الابتداء، وللبعيد الذي كواه الشوقُ للقرب وما اهتدى إلى الطريق سبيلاً، شهرٌ يتسابق فيه الجميع إلى الله.
|
|
|
***
|
|
|
ومن أكثر الأسئلة إلحاحاً على النفوس: أن العبادة لا تستقيم إلا بقلبٍ حاضرٍ خاشع، ونفسٍ مقبلةٍ متلهفة، فكيف أنصبُ قدمي وأنا لا أجد للشوق لوعة، وكيف أدعو وأنا لا أستشعر للخشوع روعة؟والجواب الذي سطرته كتب أهل العلم: أن العبادة في حال المجاهدة لها ميزانٌ عند الله يزيد عن غيرها؛ فمن يقوم ليله وهو يصارع فتوره وصدود قلبه، ليس كمن يصلي وقلبه طوع أمره. فالثاني يبذل جهد الطاعة، أما الأول فيكابد جهدين: جهد الطاعة، وجهد الصبر على مغالبة النفس ومراغمة الهوى. وهذا المعنى وحده كفيلٌ بأن يقلب موازين النظرة لتلك اللحظات التي يتعبد فيها المرء وهو لا يجد حلاوة؛ فالحلاوة والخشوع ثمرة الفعل، وليست شرطاً لصحة البدء. فلا تبرح الباب حتى تنال المأمول، وامضِ على ما تحبُّ أن يرى الله من صنيعك.
|
|
|
***
|
|
|
غير أن هناك فخاً آخر يترصد لمن عزم الولوج إلى رحاب العابدين؛ إذ تهمس له نفسه: "لستُ من أهل الخشوع والتعبد، فما لي أتكلف سيماء الصالحين؟". وهذا الاعتذار وإن ارتدى رداء الورع، إلا أنه في جوهره سوء ظن بالله مُغلفٌ بالتواضع الزائف؛ فالمتأمل في عهد النبوة يجد أن كثير منهم دخلوا في رحاب الإسلام بعد دهرٍ قضوه في ظلمات الجاهلية والشرك، ومع ذلك كان الاحتفاء الربانيُّ واحداً، والرحمةُ واحدة، والصحيفةُ بعد التوبة النصوح أنقى من بياض الفجر. وهذا يقودنا إلى تصحيح مفهومٍ جوهري: أن اللجوء إلى الله بضعفك البشري، وقلبك الملطخ بالأهواء، ونفسك المنكسرة بالكمد والحياء منه سبحانه، هو باب الافتقار؛ أعظم الأبواب التي يُدخل منها على ملك الملوك.هذا الافتقار هو الذي يجعل من رمضان نقطة تحول في قلبك، فالله سبحانه هو الكريم المنان، يعطي بفيض رحمته لا بمحض عملك، ويجود بفضله لا باستحقاق كسبك. إن المشاعر التي تهتزُّ لهذه الكلمات لا تكفي إن لم تستحلَّ إلى قرارٍ نافذ. فالكلمات تظلُّ هباءً حتى تلبس ثوب العزم، أن تعزم الوقوف بين يدي الله الآن، ولا تخدع نفسك بانتظارِ حالٍ أمثل؛ إذ الحالُ لا يستقيمُ إلا بالإقبال بقلبك المنكسر وخطوتك العرجاء. فإن التوبة هي ذروة السنام في مِضمار السباق. إن سيرك إليه سبحانه بكل ما تحمله من أوزار وتقصير راجيًا رحمته ومغفرته هو عين ما يطلبه منك هذا الشهر؛فإن كنت تسأل بلسان حالك: "هل يقبلني ربي وأنا على هذه الحال؟"فالجواب الذي يملأ الروح طمأنينة: نعم بإذن الله؛ لأن الذي شرع هذا الباب لمن بكرَ في المسير، جعله مشرعاً لمن جاء مكدوداً في أخريات الركب. ولأن رحمته التي وسعت كل شيء، حاشاها أن تستثني من أتاه منكسراً، خالي الوفاض، يرجو نواله.
|
|
|
***
|
|
|
فلا يخدعنَّك الشيطانُ بطولِ ما فات، ولا بحجمِ ما نأت به خطاك؛ فالمسافةُ بينك وبين الله تقطع بسجدة بقلبٍ حاضر، ودمعةٌ تغسل غبار الطريق.
|
|
|
فامضِ إلى ربِّك بكسرك، وقِف ببابِه بشَتاتك؛ فما فُتح البابُ إلا ليُجبرَ المكسور، وما سُمّي الغفور إلا ليغفر للمقصر. فكن أنت من جاء متأخراً في الوقت، سابقاً في الصدق، عازماً على ألّا يرتدَّ بصرُه عن وجهِ العفو حتى يبلغه.
|
|
التعليقات