إذا كان كل شيء عاجلًا، فلا شيء عاجل |
| 12 فبراير 2026 • بواسطة أيمن المشهداني • #العدد 6 • عرض في المتصفح |
|
عن الدولة التي تعلن كل شيء أولوية، فتفقد معنى الأولوية
|
|
|
ازدحام الأولويات أخطر من نقصها |
|
انعقد الاجتماع في قاعة متوسطة الحجم، طاولة طويلة تحيط بها وجوه مألوفة، وأمام كل واحد ملف سميك يحمل عنوانًا مختلفًا. فهذا عام جديد على الأبواب، والدولة لديها ميزانية محدودة، والضغوط متزايدة من كل اتجاه. بدأ العرض الأول حول ملف الطاقة، أرقام تشرح الفجوة، وخطة لرفع الكفاءة، ومؤشرات تشير إلى تحسن متدرج إن توفرت الموارد. تلاه عرض عن الأمن الغذائي، حيث بدا التهديد أكثر إلحاحًا، والهوامش أضيق، والسيناريوهات أقل طمأنينة. ثم جاء التعليم، ثم الرواتب، ثم التحول الرقمي، ثم ملف الخدمات في المحافظات. كل عرض كان منطقيًا، مدعومًا ببيانات، ومحمولًا على نية صادقة في الإصلاح. |
|
مع مرور الوقت، بدأ يتشكل شعور غير معلن في القاعة. لا أحد يشكك في أهمية أي ملف، ولا أحد يستطيع أن يقول إن هذا أقل شأنًا من ذاك. الضغوط السياسية تحيط بالجميع، والإعلام يراقب، والناس تنتظر تحسنًا ملموسًا في أكثر من اتجاه في الوقت ذاته. أصبح الحديث عن الأولوية يتكرر في كل مداخلة، حتى صار المصطلح نفسه يفقد حدّته. في نهاية النقاش، بدا القرار وكأنه حل وسطي: نتحرك على كل المسارات، نوزع الموارد بما يسمح بإبقاء جميع الملفات حية، ونعمل على تحقيق تقدم متوازن قدر الإمكان. |
|
خرج الحاضرون بشعور بالجدية، فالجميع يعمل، والجميع تحمل مسؤوليته. ومع ذلك، بعد أشهر من التنفيذ، لم يظهر تحول حاسم في أي قطاع. تحسنت بعض المؤشرات قليلًا هنا، وتراجعت الضغوط قليلًا هناك، لكن الصورة العامة بقيت كما هي تقريبًا. لم يقع إخفاق صريح يمكن تسميته، ولم يتحقق نجاح واضح يمكن البناء عليه. |
|
كانت الدولة تتحرك بالفعل، إلا أن حركتها بدت موزعة على مساحة واسعة من القضايا، من دون أن ينعكس هذا الجهد في نقطة واحدة تشعر الناس بأن قضية كبرى قد حُسمت. |
تسمية الفيل |
|
الفيل في الغرفة هو غياب مركز الثقل. |
|
إنّ تعدد الملفات، وشدة الضغوط ، ومحدودية الموارد، خاصة لدولة خارجة من صراع هو أمر طبيعي، لكن المشكلة تكمن في غياب تحديد واضح للركائز الرئيسة التي تقوم عليها الدولة. حين تتكرر كلمة "أولوية" على لسان الجميع، ويتساوى في الخطاب ملف الرواتب مع الطاقة، والتعليم مع التحول الرقمي، يصبح النظام في حالة حركة مستمرة، لكنه يفتقر إلى نقطة ارتكاز حاسمة تُوجه هذه الحركة، وهذا ما أسمّيه بمراكز الثقل. |
|
أعرّف مركز الثقل هنا بأنه: المجال أو العقدة التي تتقاطع عندها قدرة الدولة على الاستمرار مع قدرتها على التأثير، بحيث إن تعثر هذا المجال تعثرت معه بقية المجالات، وإن تعزز انفتح لبقية القطاعات مجال أوسع للحركة. |
|
مركز الثقل هو النقطة التي يتشابك عندها الأداء المؤسسي، والاستقرار الاجتماعي، والقدرة التنفيذية في شبكة واحدة. وليس الملف الأكثر ضجيجًا، ولا الأعلى تمويلًا، ولا حتى الأكثر تداولًا في الإعلام. |
|
وهنا يكمن الفيل: غياب الجرأة على تحديد ما يشكل العمود الفقري للدولة في لحظة تاريخية معينة. دون هذا التحديد، تظل الدولة تتحرك، لكنها تتحرك ببطء، وتتعثر في كثير من الأحيان، وتبقى في أحسن أحوالها في مربع إطفاء الحرائق وإدارة الأزمات. |
منطق العطب |
|
هذا السلوك يأتي من رغبة في تجنب الكلفة السياسية للحسم. ففي الأوقات التي تتزاحم فيها الضغوط، يبدو توزيع الاهتمام على جميع الملفات خيارًا آمنًا، لأنه لا يستفز أحدًا ولا يثير اعتراضًا مباشرًا. غير أن هذا الأمان الظاهري يخفي هشاشة بنيوية عميقة. |
|
حين تُدار الدولة بمنطق التوازن المستمر، تتحول القيادة من صناعة الاتجاه الاستراتيجي إلى إدارة المساومات. فالخوف من إغضاب الأطراف يصبح هو المعيار لاتخاذ القرارات، وبالتالي يغدو كل ملف مهمًا بالقدر نفسه، ومع تكرار هذا السلوك، تتوزع الطاقة التنفيذية على مسارات متعددة، فلا تبلغ حدًا كافيًا في أي مسار لإحداث تحول حاسم. |
|
يتعزز هذا العطب حين يُخلط بين المساواة والفاعلية. توزيع الموارد بالتساوي قد يبدو منصفًا، لكنه لا يعكس حقيقة أن المخاطر غير متساوية. فالمساواة في الاهتمام لا تعني المساواة في الأثر، وبعض العقد في النظام تحمل وزنًا مضاعفًا يفوق غيرها بكثير. تجاهل هذا التفاوت البنيوي يخلق إحساسًا عامًا بالحركة، من دون بناء صلابة حقيقية في قلب الدولة، خاصة إذا كانت الدولة تتعرض لضغوطات مستمرة ومحاولات للإخلال بالاستقرار من عدة أطراف. |
|
بناءً على ما سبق، يمكننا تفسير غياب مركز الثقل بأنه آلية دفاعية للنظام، تحميه من قرار مؤلم في الحاضر، لكنها تضعفه في لحظة الاختبار. |
|
فالدولة التي لا تختار ما يجعلها تقف على قدميها أولًا، ستُجبر لاحقًا على خسارة كل شيء. |
|
وعندما تأتي صدمة خارجية أو أزمة حادة، سيتضح أن إهمال العمل على مراكز الثقل كان له كلفة سياسية أعلى بكثير من محاولة إرضاء الجميع. |
|
قد يقول البعض أن هذا الطرح يفترض وجود هامش كافٍ لاختيار ما يُقدَّم وما يُؤجَّل. لكن بعض السياقات لا تترك هذا الرفاه. في دول خارجة من صراع، أو تحت ضغط معيشي حاد، توجد ملفات تشبه صمامات الأمان: لا تحتمل التأجيل لأن تأجيلها يعني انهيارًا فوريًا، حتى لو لم تكن هي مراكز الثقل في المدى البعيد. |
|
وجود هذه الملفات ليس استثناء، لكن الإدارة الجيدة هي التي تميّز بين ملفات البقاء وملفات البناء، فلا تحوّل الأولى إلى بديل دائم عن الثانية، ولا تتجاهل الثانية بحجة الانشغال بالأولى. |
|
التركيز على مركز الثقل لا يعني تحويل الدولة إلى آلة أحادية المهمة. فهناك فرق جوهري بين التأجيل والإهمال. التأجيل يعني أن الملف سيعود بعد فترة محددة، ويتلقى في الوقت الحاضر ما يمنع انهياره، لكن الإهمال يعني أن الملف متروك تماماً. |
ما يجب الالتفات إليه |
|
أول ما ينبغي الانتباه له أن الملف الذي يملأ الإعلام ليس بالضرورة هو الذي يحمل الدولة. |
|
مركز الثقل يُعرف من خلال السؤال التالي: أي قطاع إذا تعثر، سحب معه بقية القطاعات إلى دائرة الارتباك؟ |
|
الالتفات المطلوب هنا إعادة النظر في طريقة ترتيب الأولويات، فالأولوية ليست وصفًا عامًا، بل قرارًا حاسمًا ينعكس في توزيع الموارد، ووقت القيادة، وحضور المتابعة. الأولوية الحقيقية تظهر في الميزانية والوقت، لا في الخطاب. |
|
كما أن حماية مركز الثقل لا تعني إهمال بقية الملفات، بل إدارتها في ضوء خدمته. فحين يتضح المحور، تصبح بقية القرارات أكثر اتساقًا، وتتقلص التناقضات بين السياسات، ويصبح من الممكن تفسير لماذا يُؤجَّل هذا الملف الآن ولماذا يُقدَّم ذاك. |
|
وضوح مركز الثقل يمنح القرار شرعية، حتى عندما يكون مؤلمًا. |
|
أخيرًا، ينبغي إدراك أن تحديد مركز الثقل ليس قرارًا دائمًا، بل تشخيص مرحلي يتغير بتغير السياق. الدولة الحية هي التي تعيد تعريف مراكز ثقلها كلما تغيرت المخاطر والفرص. غير أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تمر السنوات من دون أن يُكتب هذا التعريف أصلًا. |
شاركنا في الغرفة |
|
سيادة المسؤول، |
|
اطلب هذا الأسبوع جلسة واحدة مختلفة. جلسة لا عروض تقديمية فيها ولا تقارير ولا مجاملات. |
|
اكتب على اللوح: أي ملف في نطاق مسؤوليتنا إن لم نحسمه هذا العام سيعطل كل ما عداه؟ |
|
اختر ملفاً واحداً. ثم اسأل: ما الذي سنؤجله أو نوقفه مؤقتاً أو نشغله بالحد الأدنى كي نستطيع التركيز على إنجاح هذا الملف؟ |
|
سجّل ثلاث قرارات عملية واجعلها نطاق تركيزك في الفترة القادمة. |



التعليقات