دولة الداشبورد |
| 29 يناير 2026 • بواسطة أيمن المشهداني • #العدد 4 • عرض في المتصفح |
|
عن الأرقام التي تُجمل التقارير ولا تغير النتائج
|
|
|
نحن نحدق في الشاشات لأننا نخشى النظر من النافذة |
|
ينعقد الاجتماع الرسمي في قاعة مهيأة، يسودها صمت مريح يكسره فقط طنين جهاز العرض. على الشاشة الضخمة، يظهر الداشبورد: غابة من الأعمدة البيانية والدوائر الملونة، وأسهم تتجه للأعلى. |
|
كل شيء هنا يوحي بالسيطرة. فالألوان منسقة بعناية، والبيانات تبدو نظيفة ومنظمة. يسهب العرض في شرح كيف تجاوزنا المستهدفات بكسور عشرية، وكيف أن المسار العام في المنطقة الخضراء. الكل يومئ برأسه، فالشاشة لا تكذب، وهي تملك سلطة الأرقام التي لا تُرد. |
|
وسط هذا الانسجام، يطرح أحد الحاضرين سؤالًا : هل يشعر المواطن بهذا الاخضرار؟ تحدث لحظة صمت قصيرة. يرتفع حاجب، وتتبادل نظرات سريعة.الإجابة لا تخرج من الشاشة، بل تأتي عبر لغة مألوفة: سنقوم بتطوير مؤشرات أدق لقياس الأثر لاحقًا، لكن الأرقام الحالية تؤكد أننا في الاتجاه الصحيح. |
|
ينتهي الاجتماع بتكليفات جديدة لتحسين دقة البيانات، وليس لتحسين الواقع. خارج القاعة، يتسرب شعور مريب إلى النفوس، فالصورة كانت مبهرة، لكنها تشبه مرآة تعكس ما نريد رؤيته فقط. |
|
في الواقع، بعيدًا عن ضوء البروجكتر، الأسئلة أثقل بكثير. الناس لا تتحدث بلغة النسب المئوية، والإدارات الميدانية لا تعمل بمنطق الألوان التجميلية. هناك ما يتحسن فعلًا، وهناك ما يتآكل ببطء تحت السطح، لكنه غير مرئي رقميًا لأنه ببساطة لا يملك مؤشرًا يقيسه. |
تسمية الفيل |
|
الفيل في الغرفة هو الظن بأن المؤشر يمنح صورة كاملة عن الواقع، والاعتقاد بأن ما لا يمكن قياسه، لا وجود له. هذا الوهم يحول الداشبورد من مجرد أداة مساعدة إلى سلطة معرفية مطلقة، حيث تعامل الأرقام والرسوم البيانية كبديل نهائي عن الحقيقة الميدانية. |
|
مشكلتي ليست في الرقم، بل في الاكتفاء به، فعندما تقتنع الدولة بأن الشاشة هي الواقع، فإنها تبدأ بالاستغناء عن الحس السياسي والاشتباك المباشر مع الناس لصالح الراحة التقنية. |
|
الفيل هو هذا الاطمئنان الزائف الذي يشعر به المسؤول حين يرى الأخضر على شاشته، ظانّاً أنه أحاط بكل شيء علماً، بينما الحقيقة أن المؤشر بطبيعته لا يقيس إلا ما هو قابل للعد، أما جوهر الدولة من ثقة، وشرعية، وقلق اجتماعي، وتراكمات إنسانية، فهي مفاصل حية تسقط دائماً من حسابات الجداول الرقمية. |
|
المشكلة حين صدقنا أننا نستطيع حصر حياة المجتمع في لوحة بيانات. |
منطق العطب |
|
منطق العطب بسيط وواضح: غريزة الحماية الذاتية. الإنسان بطبيعته يسعى لتحسين المعيار الذي يُحاسَب عليه. وما إن يصبح المؤشر هو الحكم النهائي على الأداء، حتى تتحول طاقة المسؤول والموظف من معالجة الواقع إلى تغذية النظام بما يضمن اللون الأخضر على الشاشة. |
|
وهنا يتحول المؤشر من أداة للفهم إلى هدف بحد ذاته. حيث يبدأ العمل على تحسين الرقم لأن القيادة ستحاسبه عليه. أما الملفات الثقيلة تُؤجل كي لا تُفسد المعدلات، والواقع يُعاد تعريفه ليتوافق مع الشروط الفنية للمؤشر. في النهاية تظهر التقارير خضراء، بينما يغلي الواقع بالأحمر. |
ما يجب الالتفات إليه |
|
الخروج من فخ الشاشة يتطلب العودة إلى جوهر العملية الإدارية، حيث يظل المؤشر خادم للواقع ومنفذاً لأهدافه. فالقياس وُجد ليخبرنا بصدق عن أثر أعمالنا، ومدى نفع مشاريعنا للناس. لكن حين ينحصر تركيز القائد الحكومي في المؤشرات المقررة سلفاً، فإنه يسقط بوعي أو بغير وعي في إهمال القضايا الجوهرية التي لم توضع لها مؤشرات. |
|
هنا يتشكل نمط إدارة أسميه بـ عبادة المؤشر: وهو حين يتحول الرقم من مجرد أداة إشارة إلى مرجع وحيد للحقيقة، وحين يُعامل ما لا يُقاس كما لو أنه غير موجود أو غير مهم. |
|
لستُ ضد المؤشرات، بل على العكس، أشجع على استخدامها كبوصلة، ولكن بوعيٍ. حيث يجب أن نقيس ما يهم فعلاً، وأن نتابع هذا القياس في الميدان، في صدى أحاديث الناس، وفي طيات الشكاوى، وفي ملامح العابرين في الشوارع وهمومهم اليومية. الالتفات المطلوب هو صياغة مؤشرات تعبر حقاً عن هموم الناس وآمالهم، ومتابعتها وعدم الاكتفاء بعرضها على الشاشات. |
شاركنا في الغرفة |
|
كقائد حكومي، لدي تحدي بسيط لك، وهو أن تبحث عن مؤشر واحد لا يظهر في أي داشبورد، لكنه يقول الكثير عن جودة عملك وكفاءة قطاعك. قد لا يكون هذا المؤشر نسبة إنجاز المعاملات، بل شيء أصدق بكثير، كعدد الموظفين الذين يغادرون مكاتبهم قبل نهاية الدوام بحثًا عن عمل إضافي، أو طول الطابور الذي يتشكل قبل ساعة من بدء الخدمة، أو حتى نبرة أصوات المراجعين في الممرات حين يظنون أن أحدًا لا يسمعهم. |



التعليقات