سماسرة الكود |
| 5 فبراير 2026 • بواسطة أيمن المشهداني • #العدد 5 • عرض في المتصفح |
|
عن السيستم الذي يُغلق بوجه المواطن ويفتح بابه الخلفي للوساطة
|
|
|
التقنية لم تُلغِ السمسرة، بل حدثتها. |
|
أنشأت الحساب كما هو مطلوب. أدخلت بياناتك بدقة، رفعت الوثائق واحدة تلو الأخرى، وانتظرت أن يفتح لك النظام نافذة الحجز. لم يفتح. ظهرت الرسالة المعتادة: لا توجد مواعيد متاحة حاليًا. أعدت المحاولة في اليوم التالي، ثم الذي يليه. النتيجة ذاتها. المنصة تعمل، لكن لا شيء يتحرك. |
|
بعد أيام، وأنت تتصفح هاتفك، يظهر إعلان عابر في مجموعة واتساب أو صفحة فيسبوك: حجز فوري عبر المنصة – الدفع بعد التأكيد. تتجاهله في البداية. ثم ترى تعليقًا غاضبًا تحت منشور رسمي: «كيف نحنا ما عم نقدر نحجز، والمكاتب عم تعرض حجز بنفس اليوم؟» |
|
تبدأ الصورة بالاتضاح. المشكلة ليست أن المنصة معطلة، بل أنها مغلقة عليك ومفتوحة على نحو آخر لغيرك. |
|
تحاول مرة أخيرة بنفسك. تدخل في ساعة متأخرة، في وقت يفترض أن الضغط أقل. الصفحة تفتح، التحميل بطيء، ثم تعود العبارة ذاتها: لا توجد مواعيد. |
|
في اليوم نفسه، يخبرك شخص تعرفه أنه أنهى الحجز خلال دقائق، تظن لوهلة أنه صادف توقيتًا ذهبيًا، ثم تكتشف أنه تواصل مع مكتب. |
|
تسأل: كيف؟ لا إجابة واضحة. فقط عبارات غامضة: «عندهم طريقة»، «بيعرفوا يتعاملوا مع السيستم»، «إلهم وصول». |
|
في تلك اللحظة، يتغير إحساسك بالخدمة العامة. لم تعد منصة للجميع، بل سوقًا رقمية ببابين: باب أمامي للجمهور، يتكدسون أمامه منتظرين، وباب خلفي ضيق، يمر منه من يملك المفاتيح. |
تسمية الفيل |
|
الفيل في الغرفة هو نقل البيروقراطية كما هي، بعيوبها ومثالبها، إلى الشاشة دون أي تنقيح أو مساءلة. |
|
لم نتوقف لحظة لنسأل: هل نحتاج فعلًا كل هذه الإجراءات؟ هل تخدم غاية عامة واضحة؟ هل يمكن حذفها أو تبسيطها؟ |
|
ما جرى هو أننا أخذنا العطب الإداري القائم، ووضعناه داخل نظام رقمي، ثم سمّينا ذلك تحولًا. |
|
بهذا المعنى، ما حدث ليس تحديثًا للإدارة، بل أتمتة للعطب البيروقراطي نفسه. الطابور لم يُلغَ، بل تغير شكله. الانتظار لم ينتهِ، بل صار افتراضيًا. في السابق كان الناس ينتظرون لأن المدير لديه ضيف، أو لأن الموظف لم يحضر بعد، أو لأنه يتناول الفطور. اليوم ينتظرون لأن السيستم متوقف، أو لأن الطلب غير ظاهر، أو لأن المنصة لا تستجيب. السبب تغير، لكن النتيجة واحدة: الزمن يُهدر، ولا أحد يُحاسَب. |
منطق العطب |
|
منطق العطب هو أن النظام يقيس الامتثال للإجراء بدل تحقيق النتيجة، فيحمي الجميع من المساءلة ويحمّل كلفة الفشل للمواطن. |
|
يمكننا تفسير العطب الذي يجعل هذا النمط مستقراً ومكافَأً بنقطتين: |
|
1. يختبئ العطب خلف غلاف براق من أرقام الإدخال. ترى الإدارة العليا في الداشبورد أن آلاف المواطنين قدموا طلباتهم إلكترونيًا، ويعتبر هذا الرقم نجاحًا سياسيًا يرفع في التقارير. لكن ما يختفي فعلياً هو مصير تلك الطلبات، وهل قدمها المواطن بنفسه أم عن طريق سمسار. إنّ الانطباع بالتحسن نابع من أن الطابور الحقيقي المزعج في الممرات قد اختفى، لكنه لم يُحل، بل تحول إلى طابور رقمي صامت داخل قواعد البيانات، لا يراه المسؤول ولا يملك المواطن القدرة على مساءلته. |
|
2. في النظام الورقي كان تراكم الملفات فوق مكتب المدير يمثل ضغطًا بصريًا يدفعه للإصلاح. أما عندما تحولت المعاملات الورقية إلى رقمية، فالطلبات العالقة لا تشغل مساحة، ولا تصدر ضجيجًا، ولا تفسد مظهر المكاتب. |
|
العطب الحقيقي أن النظام يتقدم في التقارير، بينما يبقى الإنسان مكانه في الواقع. |
ما يجب الالتفات إليه |
|
أول ما يجب الالتفات إليه أن الرقمنة ليست فعل تحويل، بل فعل حذف. أي إجراء لا يمر على سؤال الضرورة قبل البرمجة، يتحول بمجرد رقمنته إلى عبء دائم محمي بالتقنية. |
|
هناك وهم إداري يسود الاجتماعات الرسمية مفاده أن ازدياد عدد المعاملات الرقمية دليل على نجاح التحول. لكن ماذا لو كان هذا الانفجار في عدد الطلبات هو الدليل الأكبر على فشل الإصلاح؟ |
|
الرقمنة الواعية لا تهدف فقط إلى تسهيل المعاملة، بل إلى إلغائها من الأساس. أي نظام ناضج لا يُجبر المواطن على تقديم طلب لإثبات وقائع تعرفها الدولة مسبقًا: أنه وُلد، أو تزوج، أو يملك بيتًا. النظام هنا لا ينتظر الطلب، بل يعرف، ويُحدّث، ويتحرك تلقائيًا دون أن يضطر المواطن أن يفعل ذلك بنفسه. |
|
عندما تفتخر مؤسسة ما بأنها أنجزت مليون معاملة رقمية للحصول على بيان عائلي، فهي في الحقيقة تعترف بأنها أجبرت مليون مواطن على بذل جهد رقمي لا لزوم له. فهي لم تُلغِ البيروقراطية، بل قامت بتسهيل ممارسة التعقيد. إنّ كثرة الطلبات لا تعني خدمة أفضل، بل تعني أن الدولة فشلت في ربط بياناتها، فنقلت عبء الربط إلى المواطن، وحوّلته إلى الناقل الرقمي بين الوزارات. |
|
لذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح التحول الرقمي ليس عدد النقرات على التطبيقات، بل عدد المرات التي لم يحتج فيها المواطن لفتح التطبيق أصلًا لأن خدمته وصلته تلقائيًا، دون طلب، ودون متابعة، ودون انتظار. |
|
معيار النجاح أن تصبح حياة الناس أبسط، لأن كثيرًا مما كان يُنجز على الشاشة لم يعد مطلوبًا أصلًا. |
شاركنا في الغرفة |
|
سيادة المسؤول، لدينا تحدي بسيط لك: |
|
قبل أن توقع على ميزانية تطوير المنصة القادمة، فكر هذا الشهر بحذف إجراء واحد بشكل نهائي. فأفضل تحول رقمي قد يكون إلغاء إجراءات قديمة بدلًا من أتمتتها. |



التعليقات