لماذا نحتاج 10 أشخاص لتبديل مصباح؟ |
| 22 يناير 2026 • بواسطة أيمن المشهداني • #العدد 3 • عرض في المتصفح |
|
عن فخ تفتيت المسؤولية، وضريبة الهروب إلى اللجان .. كيف نقتل المبادرة باسم العمل الجماعي؟
|
|
|
أحيانًا، أسرع طريق لتعطيل مهمة هو تشكيل لجنة لها. |
|
في أحد المباني الحكومية، لاحظ الموظفون أن المصباح في نهاية الممر لم يعد يعمل. لم تكن مشكلة كبيرة فالمصباح يقبع في ممر خارجي وليس داخل المكتب، لكن الظلام بدأ يزعج المراجعين، وتكررت الملاحظة أكثر من مرة. |
|
في البداية، أُحيل الأمر إلى الإدارة الفنية، والتي بدورها فضلت أن تُشرك السلامة المهنية، لأن المصباح قريب من درج الطوارئ. السلامة المهنية رأت أن الأمر يحتاج إلى تنسيق مع الشؤون الإدارية بسبب الميزانية. الشؤون الإدارية طلبت رأي الصيانة. الصيانة اقترحت نوعًا مختلفًا من المصابيح لتقليل الاستهلاك. أحدهم تذكر تعميمًا قديمًا حول كفاءة استخدام الطاقة. أشار آخر إلى ضرورة الالتزام بالمواصفات القياسية. |
|
بعد أيام، صدر قرار بتشكيل لجنة. لم يكن القرار غريبًا. اللجنة ضمت ممثلين عن الصيانة، السلامة، الإدارة، والمالية. اجتمعت مرة، ثم مرة أخرى. نوقش نوع المصباح، الشركة الموردة، مدة الضمان، آلية التركيب، ومن سيوقع على محضر الاستلام. |
|
أحدهم سأل: هل نحتاج موافقة إضافية لأن الممر يخدم طابقين؟ لم يُجب أحد، لكن سُجل السؤال في المحضر. |
|
انتهى الاجتماع بتوصيات واضحة، لكنها احتاجت إلى اعتماد. |
|
مرّ أسبوع. المصباح ما زال معطلًا. لا أحد يعارض تغييره، ولا أحد يرى أن القضية خلافية. ومع ذلك، لم يتحرّك أحد لتبديله. |
|
السؤال هنا ليس: لماذا تأخر تبديل المصباح؟ |
|
السؤال الأهم: لماذا احتجنا أصلًا إلى هذا العدد من الناس لشيء كان يمكن أن يُحسم في خمس دقائق؟ |
|
في نظام الإنجاز المعطوب، لا يقاس النجاح بعودة الضوء، بل بسلامة الإجراء. |
تسمية الفيل |
|
الفيل هنا هو تفتيت المسؤولية، وهو العطب الذي يحول اللجنة من أداة للمشورة إلى درع للهروب من عبء القرار الفردي. هذا النمط من الإدارة أسميه: الاحتماء بالكثرة. |
|
وأقصد بـ الاحتماء بالكثرة: استراتيجية إدارية تذاب فيها سلطة الفرد المسؤول داخل كيان هلامي -لجنة أو فريق عمل- بما يضمن ألا تُحمّل كلفة الفشل على شخص بعينه، وألا يُعرَف على وجه الدقة من صاحب القرار أصلًا. |
|
يُشار لهذا المفهوم في علم الإدارة السلوكية بـ (اتخاذ القرار الدفاعي)، حيث يلجأ الموظف غريزياً لمنطق الأمان في الكثرة. تماماً كما في الطبيعة، فالذئب لا يهاجم من يتحرك بوسط القطيع، والمدير لا يملك القدرة على محاسبة من يختبئ خلف توقيعات عشرة مديرين آخرين. |
|
في هذا النظام، يُنسب النجاح إلى الجميع إذا تحقق، بينما يتبدد الفشل بين الأطراف عند الإخفاق، ويضيع دم القرار بين القبائل. |
منطق العطب |
|
يتشكل هوس اللجان داخل المؤسسات التي يكون فيها ثمن الخطأ مرتفعًا، لذلك يبحث الناس عن صيغ تخفف ثمن القرار، فتظهر اللجنة كخيار عملي يوزع المسؤولية ويؤجل الحسم دون أن يبدو ذلك تعطيلًا صريحًا. |
|
فكلما اتسعت دائرة المشاركين، أصبح من الصعب تحديد من هو صاحب القرار، فتتراكم التواقيع، وتختفي الملكية، ويغدو القرار حدثًا جماعيًا بلا عنوان واضح. هذا التفكك ينتج عن منطق أمان يتعلمه الأفراد مع الوقت. |
|
مع التكرار، يتحول هذا السلوك إلى نمط مستقر تتكاثر فيه اللجان لأن النظام لم يحدد مسارًا واضحًا للحسم، ولم يربط القرار بشخص مسؤول عنه، ولم يوفر حماية مؤسسية للخطأ المعقول. |
ما يجب الالتفات إليه |
|
وجود اللجان في العمل العام ليس خللًا بحد ذاته، ولا مؤشرًا على ضعف الإدارة. الخلل يظهر حين تتحول اللجنة إلى استجابة افتراضية لكل مسألة، بصرف النظر عن طبيعتها أو مستوى القرار المطلوب فيها. |
|
في كثير من المؤسسات، يُطلب من الإدارة أن تتجنب الخطأ أكثر مما تُحقق الأثر، وفي هذا السياق، تبدو اللجنة خيارًا مريحًا، لأنها تعطي انطباعًا بالعمل المنظم، وتؤجل لحظة القرار دون أن تعلن ذلك صراحة. |
|
عند هذه النقطة، تبدأ وظيفة اللجنة في التحول من تجويد القرار إلى امتصاص القلق المرتبط بالحسم. وبالتالي ما يتراكم مع الوقت هو سلوك تجنب المبادرة لدى الموظفين. |
دعوة للتأمل |
|
بعيدًا عن المصباح واللجنة ومحاضر الاجتماعات، يبقى لدينا سؤال بسيط: |
|
ما الذي نحاول حمايته حين نكثر من المشاركين في القرار؟ |
|
من المهم الإشارة أنني هنا لا أدعو إلى إلغاء اللجان، واختزال العمل العام في قرار فردي. ما أدعو إليه فقط أن يُطرح السؤال الذي غالبًا ما يُتجنب: هل تُشكل هذه اللجنة لتنجز، أم لتؤجل لحظة الحسم؟ |
شاركنا في الغرفة |
|
في اجتماعك القادم انتبه لهذه اللحظة إن حدثت، حين يُقال: "دعونا نشكل لجنة" اسأل نفسك: |
|
ماذا كنا سنفعل لو لم يكن خيار تشكيل اللجنة متاحًا؟ |
|
أحيانًا يساعدنا هذا السؤال على تحديد ما إذا كانت اللجنة ضرورة تنظيمية أم ملجأً مريحًا من قرار كان يمكن اتخاذه وتحمّل تبعاته. |


التعليقات