الإدارة الكرنفالية

15 يناير 2026 بواسطة أيمن المشهداني #العدد 2 عرض في المتصفح
عن فخ الإنجاز اللامع وضريبة غياب الأثر، لماذا يزداد حنق المواطن رغم كثرة الاحتفالات؟

هل نحتفل بالوصول، أم نحتفل لأننا تحركنا فقط؟

هل نحتفل بالوصول، أم نحتفل لأننا تحركنا فقط؟

في نهاية يوم طويل، غادر صديقنا المسؤول مكتبه والابتسامة تملأ وجهه. صحيح أنه كان يومًا مزدحمًا، لكنه من النوع الذي يحبه المسؤولون. في الصباح، وقع مذكرة تفاهم مع جهة دولية. كان هناك منصة أنيقة، كلمات مدروسة، وعود بالإصلاح والتطوير، كاميرات، تصفيق، وصور انتشرت سريعًا على وسائل التواصل.

من الخارج، بدا كل شيء كما ينبغي أن يكون. حدث رسمي، شريك دولي، ورسالة واضحة: هنالك عمل يجري.

في الأيام التالية، بدأت المبادرة تُذكر في التقارير بوصفها إنجازًا مبكرًا. وأُدرجت ضمن قائمة النجاحات السريعة، وتكرّر اسمها في أكثر من مناسبة. لم يكن في ذلك ما يثير الشك؛ فهكذا تُقاس الحركة عادة، وهكذا تُعرض.

مرّت الأسابيع.. الصور بقيت، والتصريحات بقيت، لكن أثرًا واحدًا لم يظهر.

خارج الكاميرات، لم يتغير الكثير. لم تتحسن معاملة حكومية، ولم تُختصر خطوة، ولم يشعر أحد بأن يومه صار أسهل مما كان عليه قبل الحفل. ومع كل احتفال جديد، كان لدى الناس شعور صامت يتراكم: أمور البلد لا تسير في الاتجاه الذي توحي به الصور.

المفارقة أن صديقنا المسؤول لم يكن مخادعًا. فقد فعل ما تعلّم أن يُكافَأ عليه: أطلق مبادرة، أعلن عنها، وأثبت أنه يتحرك. المشهد كان ناجحًا، والرسالة وصلت. أما ما يحدث بعد انطفاء الأضواء، فلم يكن ضمن ما يُقاس في تلك اللحظة. فحين يصبح الاحتفال معيار الأهمية، تتراجع المشاريع التي لا يُصفق لها.

نحن لا نخدع الناس بالاحتفالات، نحن نخدع أنفسنا حين نعتبرها عملًا.


تسمية الفيل

الفيل هنا هو التركيز على الفعاليات التي تجلب اللقطة، والمكافأة على الأنشطة التي تجلب الانتباه ويمكن تسويقها إعلاميًا، وإهمال المشاريع التي تغير حياة الناس تغييرًا حقيقيًا لكنها نتائجها تحتاج إلى وقت حتى تظهر، ولا يمكن تسويقها الآن. هذا النمط من العمل العام أُسميه: بالإدارة الكرنفالية.

وأقصد بالإدارة الكرنفالية: نمط من إدارة القطاع العام يتقدّم فيه منطق العرض على منطق الأثر، حيث تُستبدل الإصلاحات البنيوية بصناعة مشهد كثيف من الإنجاز اللامع يقوم على الإعلانات والفعاليات والنتائج السريعة عالية الظهور، من غير أن يُنتِج قيمة عامة تؤثر في حياة الناس.

في الإدارة الكرنفالية، يصبح المشهد غاية بحد ذاته. لأن المسؤول يتعلم تدريجيًا أن ما يُرى يُحسب، وما لا يُرى يُهمَل. لذلك يختار المبادرات التي تُعلن بسهولة، ويفضل الفعاليات التي تنتج صورة فورية، بينما تُؤجل الإصلاحات الثقيلة التي لا تظهر نتائجها إلا بعد زمن، ولا تملك لحظة إطلاق جذابة.

منطق العطب

الإدارة الكرنفالية لا تنشأ من فراغ، ولا من سوء نية. هي استجابة عقلانية لضغوط حقيقية: ضغط الوقت، ضغط التوقعات، ضغط الحاجة لإثبات الحركة. خاصة في مرحلة بناء الدولة، حيث يُطلب من الإدارة أن تُطمئن الناس بسرعة، وأن تُظهر أن شيئًا يحدث الآن. ومع غياب أدوات قياس الأثر طويل الأمد، يصبح الإنجاز القابل للتصوير هو العملة الأسهل.

في هذا السياق، تُكافأ السرعة التي تُرى، لا السرعة التي تُغير الاتجاه. 

مشكلتي ليست مع السرعة بحد ذاتها، بل في نوعها. فهناك فرق بين سرعة تمهد لمسار استراتيجي، وسرعة تراكم قرارات ترضي الناس الآن لكن تؤجل الكلفة. الإدارة الكرنفالية تختار الثانية، لأنها أوضح، وأسهل، وأقل مخاطرة في المدى القصير.

وهنا أود التوضيح، أنّ هناك فرقًا بين "الانتصارات السريعة" التي تُشعر الناس أن الحكومة تعمل، وتكون ضمن مسار استراتيجي واضح، وبين "الإصلاحات السريعة" التي تهدف لأخذ اللقطة، دون التفكير في عواقب هذا الإصلاح والذي قد يرتد بعواقب سلبية بعد مدة من الزمن، وقد يخلق مشاكل جديدة لم تكن موجودة من الأصل. المشكلة حين تُستخدم الإصلاحات السريعة غير المدروسة كبديل عن الإصلاح الحقيقي، وتتحول السرعة من مادة استراتيجية إلى مادة كرنفالية.

ما يجب الالتفات إليه

إظهار أن الحكومة تعمل من أجل الناس هو أمر مهم ومطلوب. لكن ما يجب الالتفات إليه هو اللحظة التي يتحول فيها هذا الأمر من وسيلة لكسب ثقة الناس إلى غاية بحد ذاته، واعتياد النظر إليه بوصفه دليلًا كافيًا على التقدم، بينما تبقى التحولات الحقيقية، البطيئة، الثقيلة، وغير القابلة للتصوير، خارج دائرة الانتباه. 

يكمن الخطر حين يصبح سؤال: كم أطلقنا؟ أهم من سؤال: إلى أين نمضي؟

دعوة للتأمل:  لو توقف التصفيق ما الذي سيبقى؟ 

لو تأملنا المشاريع الحالية التي يُصفق لها، كم منها أحدث أثرًا حقيقيًا في حياة الناس؟

شاركنا في الغرفة

بعيداً عن الأضواء ومنصات التتويج، هناك دائماً جنود مجهولون ومشاريع صامتة لم تُقم لها الكرنفالات، لكننا نلمس أثرها في سلاسة معاملة حكومية، أو جودة طريق، أو نظام تقني وفر علينا عناء الوقت.

هل تذكر مشروعاً أو مبادرة غيرت حياتك (أو حياة مجتمعك الصغير) ولم تأخذ حقها في الإعلام؟

شاركونا أمثلة لهذه النجاحات الصامتة (دون الحاجة لتسمية جهات أو أشخاص)، لنحتفي معاً بمنطق الأثر لا منطق المسرح.

صلاح الدين لكهamnaLubna4 أعجبهم العدد
مشاركة
فيل في الغرفة

فيل في الغرفة

نشرة تُعنى بتشريح منطق العطالة في نظم الإنجاز الحكومي، وتسمية «الفِيَلة» المُهمَلة داخل غرف القرار. تأتيك صباح كل خميس، لتكون حديثًا صادقًا خلف كواليس إدارة الدولة.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من فيل في الغرفة