فأر سد مأرب

8 يناير 2026 بواسطة أيمن المشهداني #العدد 1 عرض في المتصفح
عن الموظف الصغير الذي يتحكم بإيقاع الدولة

خلف كل صندوق، قد يقبع حلم معلق، أو فكرة أجهضها الانتظار

خلف كل صندوق، قد يقبع حلم معلق، أو فكرة أجهضها الانتظار

عاد صاحبنا بحماس إلى بلده راغبًا في الإسهام في إعادة بنائها، وبدأ بخطوة بدت بسيطة: طلب ترخيص شركة. الأوراق كانت مكتملة، فهو طلب روتيني معتاد، جلب معه صورة هوية، كتاب رسمي، توقيع وختم الجهة المعنية، كل شيء جاهز كما ينبغي. الموظف تصفّح الملف بهدوء، لم يعترض ولم يطلب شيئًا إضافيًا، قال فقط: "راجعنا الأسبوع القادم".

في الأسبوع التالي عاد صاحبنا وهو يتوقع أن يستلم معاملته الجاهزة، لكن الملاحظة تغيّرت. هذه المرة هناك خطأ في المعاملة. الموظف لا يعرف أين الخطأ تحديدًا، وينصحه بمراجعة الإدارة العليا. يراجع الإدارة، فلا يجد لديهم شيئًا، ويعود الملف إلى مكانه الأول: لا يُرفض، ولا يُعتمد، فقط يبقى معلّقًا. يمرّ أسبوع آخر، الموظف في مكانه، الملف في الدرج، وصاحب الطلب يستهلك طاقته في الدوران بين المكاتب، إلى أن ييأس. لا تُلغى المعاملة رسميًا، لكن تُلغى الفكرة من رأسه. تُلغى الشركة، ويتكوّن سخط صامت: الوضع لم يتغيّر، وكلهم "يشبهو بعض".

هذا المشهد لا يظهر في اجتماعات المسؤولين، ولا يرد في التقارير الشهرية، ولا يُسجَّل كتعطيل. المدير قد يسهر ثلاث ساعات يوقع فيها عشرات المعاملات، الوزير يتلقى أرقام الإنجاز، الجداول ممتلئة والبريد لا يتوقف، لكن الإيقاع الحقيقي، كما يعيشه المواطن، بطيء إلى حد الإنهاك.

يتكرر البطء كل يوم، ويبدو عاديًا إلى درجة لا يلتفت إليه أحد. فالتأثير الصغير المتراكم يمكن أن يسببه شخص واحد، شخص لا يملك سلطة كبرى، لكنه يملك القدرة على تأخير ملفات الناس بشكل قانوني. هذا النوع من التعطيل يُضعف الثقة، وينخر الدولة من الداخل، دون أن يشعر أحد أن الهدم مستمر.

الانهيارات الكبرى لا تبدأ دائمًا من قرارات كبيرة. أحيانًا تبدأ من توقف يبدو صغيرًا إلى درجة لا يلتفت إليها أحد.

  ما حدث هنا لا يُعدّ خللًا إداريًا عابرًا، بل مثالًا على كيف يمكن لتوقف صغير، في نقطة واحدة، أن يتحوّل إلى قوة تُبطئ الدولة بأكملها دون أن يُسجل كتعطيل.

تسمية الفيل

الفيل هنا ليس الموظف الفاسد أو الكسول، ولا حتى الموظف سيئ النية بالضرورة. الفيل هو نمط إداري صامت، يتشكل حين تتحول نقطة صغيرة في الإجراء إلى نقطة اختناق، وحين يصبح إيقاع المعاملة بيد شخص واحد. هذا النوع من التعطيل يعمل داخل النظام وباسمه، مستخدمًا الغموض، والتأجيل، وغياب المساءلة الزمنية.

في هذا النمط، لا يرفض الموظف إجراء المعاملة، بل يجعلها معلقة. ومع تكرار هذا السلوك في عشرات الدوائر الحكومية، يتحول التأخير من استثناء إلى حالة مستمرة، ومن تفصيل إداري صغير إلى عامل يحدد سرعة الدولة نفسها. 

هذا هو الفيل الذي نادراً ما يُسمّى: موظف صغير، بصلاحيات محدودة، لكنه يتحكّم في إيقاع الدولة.

منطق العطالة

منطق العطالة في هذه الحالة لا يقوم على الفساد المباشر، ولا على محاولة التخريب بالضرورة، بل على تصميم إداري يجعل الإبطاء سلوكًا آمنًا، وغير مرئي، وقابلًا للتكرار دون كلفة. وهنا تتحول العطالة من خلل إداري إلى هدم سياسي صامت.

في الدراسات التي تناولت قدرة الدولة وتنفيذ السياسات، يُنظر إلى فشل الدولة على أنه: عجزها عن تنفيذ وعودها اليومية الصغيرة. حين تتراكم العطالة، يشاهد المواطن بطئًا مهينًا يتكرر دون تفسير. هذا البطء يُنتج ما يسميه علماء السياسة تآكل الشرعية اليومية؛ حيث تُخمد المبادرات، ويُعاد إنتاج منطق "ما في فايدة"، ويتحوّل الناس تدريجيًا من شركاء في البناء إلى ناقمين أو منسحبين بصمت.

في مراحل بناء الدولة، يتضاعف هذا الخطر، لأن الناس لا يهتمون كثيرًا بالخطب والوعود الكبرى، بل بما يؤثر على حياتهم اليومية، وتعاملهم اليومي مع ما يمثل الدولة. إنّ أي بطء في هذه المرحلة يُقرأ كعودة للماضي، وأي تعطيل صغير يُفسر كإشارة على أن شيئًا لم يتغير. في هذه اللحظة، لا يعطل الموظف إجراءً إداريًا فقط، بل يُحبط فكرة الدولة نفسها.

فأر سد مأرب

تذكر بعض كتب التاريخ أن انهيار سد مأرب كان بسبب فأر ظلّ ينخر في مفاصل البناء حتى انهار السد. وما يحدث في الدوائر الحكومية ليس مختلفًا كثيرًا، حيث تُترك نقاط الاختناق الصغيرة بلا انتباه، ويركز الساسة على الملفات الكبرى دون الاهتمام بهذه التفاصيل، و هنا لا ينهار النظام دفعة واحدة، بل يضعف تدريجيًا، حتى ينهار فجأة، وهذا النوع من الهدم أخطر من أي مواجهة مباشرة، لأنه لا يُرى، ولا يُسمّى، ولا يُواجَه.

هكذا يصبح الموظف الصغير، دون أن يقصد، فأر سد مأرب جديد: لا يُسقِط الدولة بضربة واحدة، بل بنخرٍ مستمر في البناء، حتى يصبح الانهيار نتيجة طبيعية لتراكم لم يلتفت إليه أحد.

ما يجب الالتفات إليه

الخطر الحقيقي ليس في الموظف الصغير، بل بافتراضنا أن الخلل يأتي من الأعلى فقط. هذا الافتراض يجعلنا نراقب القمة ونغفل عن الأطراف. حيث نبحث عن المسؤولين الكبار، ونتجاهل الاختناقات الصغيرة التي تُبطئ إيقاع الدولة من الداخل.

ما يجب أن نركز عليه هنا هو أن نرى الدولة كما يراها الناس في يومهم العادي: في الطابور، في المعاملة، في الانتظار غير المبرر. عندها فقط يتضح أن القوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على منع التعطيل الصامت الذي ينهكها دون ضجيج.

 وقفة للتأمل: إذا كانت الدولة تُقاس بقدرتها على الحركة، فلنفكر أين تتوقف هذه الحركة دون أن نلاحظ؟ ومن يملك فعلياً مفاتيح هذا التوقف؟ وهل ندرك أن السد ينهار الآن دون أن نشعر؟

FARIS REZKLubnaمحمّد النّجّار.5 أعجبهم العدد
مشاركة
فيل في الغرفة

فيل في الغرفة

نشرة تُعنى بتشريح منطق العطالة في نظم الإنجاز الحكومي، وتسمية «الفِيَلة» المُهمَلة داخل غرف القرار. تأتيك صباح كل خميس، لتكون حديثًا صادقًا خلف كواليس إدارة الدولة.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من فيل في الغرفة